|
المبحث الأول
النظام السياسي لدى المسلمين
بين استبداد سافر ونقل أعمى واجتهاد تبريري سائب
تعاني الأمة الإسلامية في مجال تدبير شأنها العام آفتين تعوقان
مسيرة نهضتها، آفة فكرية بتأرجحها بين اجتهاد تبريري سائب ونقل
أعمى، وآفة تسلط أنظمة حكم صادرت أمرها الجامع وعجزت عن توفير
العيش الكريم لها داخليا، وحمايتها من الغزو الأجنبي خارجيا.
بهذه الحالة المرضية سجلت الأمة أكبر غياب لها عن عصرها، وجعلت
بينها وبينه أمدا بعيدا وسدا متينا، وفجوة شاسعة من الضعف والعجز
والتخلف الحضاري والثقافي في جميع مجالات الحياة، حقوقا وواجبات
وعدالة وحريات،ومنعة وندية لغيرها من الأمم والشعوب.
ولئن كان أمر الأمة الجامع لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وكان
نظام الحكم أول ما انتقض من عرى الإسلام، كما أشار إلى ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فإن نقطة البدء ينبغي أن تكون معالجة
الشأن السياسي الذي اختل فكرا وتنظيرا وتطبيقا منذ سقوط الخلافة
الراشدة ولما يشتد عودها.
ولئن كان الأمل معقودا على مفكري الصحوة المعاصرة في تطوير صياغة
شرعية لهذا الأمر انبثاقا من الكتاب والسنة، فإن هذا الأمل قد خاب
بلجوء كثير منهم إلى تلفيقات تنظيرية لاستبداد سلطاني منتزع من
التاريخ، مموهة بديمقراطية غربية مستوردة ، أنجبت حلولا هجينة
عاجزة، لم ترض مرجعا عقديا ولا مصدرا أجنبيا.
أما على صعيد الممارسة الميدانية فإن الأجنبي المتحكم لم يترك لنا
إلا أن ننتهج ديمقراطية على مقاس مصالحه الاقتصادية والسياسية
والعسكرية، وأرتاله الفكرية والثقافية والعقدية، تحت غطاء عولمة
فجة لقطيعي الذئاب والخرفان.
في ظل هذه الظروف القاسية، وتحت مظلة هذه الفجوة الحضارية الشاسعة،
وعلى يد هذه الأنظمة الاستبدادية، انهارت الحواجز لدينا حكاما
ومحكومين، بين الوفاء والخيانة، وبين الولاء والبراء، وبين الحلال
والحرام، والكرامة والنذالة، بين الصدق مع النفس والوطن والأمة،
والتعلق بالغزاة والظلمة والمحتلين.
حكام يستنجدون بالعدو لقمع شعوبهم وترويضها، وشعوب تستغيث
بالأجنبي لنصرتها على حكامها، وبين استنصار أولئك بالخيانة،
واستقواء هؤلاء بالغدر، تنهار قيم وتنحل مجتمعات وتتفسخ أخلاق،
ويعبث بالماضي والحاضر والمستقبل، ويتلاعب بالثوابت والمتغيرات،
وتعيث فسادا في أوطاننا مراكز غزو متربصة ودوائر استعمار متحفز.
فهل من سبيل إلى نهوض من هذه الكبوة المزمنة التي نقاسيها، وردم
لهذه الفجوة الرهيبة التي تفصلنا عن عصرنا؟
نعتقد أن البيوت تؤتى من أبوابها، والترميم يكون لما انهدم من
البناء، وقد كان الحكم أول ما انفرط من العقد وانهدم من الصرح،
فليكن مقدمة ما يصحح وأول ما يصلح، وفاتحة ما يعاد تشييده.
إن نظام الإسلام السياسي الحق إن قام في أمته، انحلت عقد شعوبها،
وتحررت طاقات علمائها وفقهائها، وانطلقت من عقالها عبقرية مبدعيها
ومنتجيها، واستحثت الخطا نحو الإصلاحات الكبرى المنشودة، واختزلت
مراحل الطريق نحو العزة والمنعة وحماية الذات وتطوير الحياة.
إلا أن مسيرة الصحوة المعاصرة نحو هذا الهدف تعترضها عوائق لدى
كثير من مفكريها والعاملين لها. في مقدمة هذه العوائق اعتبار
النظام السياسي في الإسلام مشخصا في دولة فوقية تعد سلطة عليا لها
من التفويض الإلهي وصلاحية التقنين ، وأحقية الاستئثار بالحكم
واحتكار القدرة على التمييز بين الواجب والمحرم والمهم والأهم،
وترتيب أولويات البناء والإنجاز والتشييد، وأسبقيات المدافعة
مطاولة ومصاولة، ومشروعية استعمال القوة والإلزام بالتطبيق
والتنفيذ والامتثال، ما يجعلها مطلقة المسؤولية عن تدبير الحياة
الاجتماعية للأمة، وصاحبة الحق الأعلى في الهيمنة واحتكار الخيرات
والمنافع جلبا وتوزيعا.
من هنا كانت بداية الانفراج في زاوية الانحراف عن النهج الإسلامي
الرشيد، ومن هنا أيضا ينبغي أن تبدأ محاولة الإصلاح والترشيد،
بتوثيق عرى ما انتقض، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما العائق الثاني لهذه المسيرة فانحصار تفكير منظريها بين منهجين
لا يغادرونهما ولا يبرحون ساحتهما، منهج النظم الديمقراطية ومنهج
فقه الأحكام السلطانية، وذاك ما عرقل الاجتهاد وثبط الهمم عن
مواصلة السعي لبناء تصور سليم لنظام الحكم في الإسلام.
إن سجن الاجتهاد السياسي في دائرة مصطلحين غريبين عن روح الإسلام
ونهجه، مصطلح الديمقراطية ومصطلح الأحكام السلطانية، ليس من شأنه
إلا أن يحول دون النظر السليم للحل الأمثل والخطو القويم نحو
الهدف.
ذلك أن النظام الديمقراطي وما استنبته الغرب من تراث اليونان، مما
يهرف به الحداثيون المسلمون وبعض منظري الصحوة الإسلامية المعاصرة،
لا يستطيع استيعاب الشأن العام للأمة المسلمة عقيدة وشريعة ونظام
حياة، نظرا لمحدودية مضمونه، واقتصاره على الشأن الدنيوي المادي
الصرف، واستبعاده أمر الدين عن نظام الدولة والمجتمع. ولئن كان لا
يتعارض مع ديانة الغرب المسيحية التي انكفأت في كنيستها وغيبياتها،
فإن من المتعذر انسجامه مع الإسلام الذي نظم دقيق أمور الحياة
المادية والروحية وجليلها.
أما مصطلح " الأحكام السلطانية " الذي ابتدعه فقهاء المسلمين
ومتكلموهم وفلاسفتهم، لإضفاء الشرعية على نظم فردية قامت بعد سقوط
الخلافة الراشدة، وتبرير تصرفات حكامها، فإنه كذلك قاصر عن استيعاب
مستجدات العصر في جميع مجالات النشاط الإنساني، وعاجز عن مسايرة
الرشد الذي بلغته البشرية المعاصرة.
إن أقصى ما بحثه الفقهاء لم يتجاوز في أهم مفرداته مواضيع أنهكوها
شرحا وبحثا، بما لا يتجاوز نظام حكم فردي مستبد ، مستظهرين بأدلة
لا تتعدى نصوصا متعسفة التأويل، ظنية الثبوت أو الدلالة، أو أمارات
قياس فاسد واستصحاب غبي، أو مصلحة هوى رئيس، أو اتقاء فتنة تعكير
مزاج أمير.
إن هذا الفقه منذ أسسه معاوية ميدانيا، والماوردي تنظيرا
وتبريرا، لم يتجاوز في أهم مباحثه قضايا متعلقة بالإمامة وأهل
الاختيار وولاية العهد وتقليد الوزراء والأمراء وولاة الاستكفاء
والاستيلاء، والمظالم وإمامة الصلوات الخمس والحج والقضاء والصدقات
والفيء والغنيمة والجزية والخراج وملكية الأرض مواتا وحمى ووقفا
وإقطاعا وركازا، وأحكام العقوبات حدودا وتعزيرا، وأحكام الحسبة
أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.
هذه المباحث أوسعها السلف من الفقهاء والمتكلمين على مدار التاريخ
الإسلامي دراسة وتحليلا ومحاولات فاشلة للتطوير، وأنهكها الخلف
المعاصرون تلقيحا بالفكر الغربي دون جدوى. ذلك أن مثلبة عدم
ملاءمتها للنظام السياسي الإسلامي الحق مما لا يجادل فيه متفقه،
أما المثلبة الأخرى فقصور أحكام هذا الفقه عن تغطية مستجدات العصر
وعجزه المطلق عن فهمها واستيعابها ووضع الحلول المناسبة لها.
ذلك أن البشرية قد بلغت في راهن زمننا، بيقظة فطرتها وعميق وعيها
بكرامتها وثقتها بثقافتها واعتدادها بنضج عقلها، مبلغا أصبح به
متعذرا تعايشها مع كل ضروب الحكم الفردي، فقامت بذلك في كثير من
الأقطار نظم تحاول ترويض الاستبداد ولجم القهر والاستغلال، وضمان
العيش الكريم لكافة طبقات المجتمع؛ كما زلزلت عروش رفضت مسايرة
عصرها في أقطار أخرى بثورات وانتفاضات شعبية مستقاة شعاراتها من
فلسفة الديمقراطية أوفقه الأحكام السلطانية التراثية، وإن كان جوهر
غاياتها التمكن من حق تدبير شأنها العام بنفسها دون وصاية أو تحكم.
ولئن كان الغرب بما أوتي علماؤه ومفكروه من سلوكيات ثقافية راقية،
تحفزهم إلى مواصلة البحث والتنقيب، مهما بلغوا ويبلغون، دون كلل أو
ملل أو قصور همم وطموح، قد ساهم في تطوير تراثه اليوناني السياسي
بما يضمن مستوى من المشاركة في تدبير الشأن العام، باختيار الحكام
ومراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم أو إقرارهم عند الحاجة، فإن الفقه
السياسي لدى المسلمين ظل يراوح مكانه في حلقة مفرغة من فقه سلطاني
مموه بصباغ من الشريعة باهت أو تلفيقات من ثقافة غربية شفافة.
إن فقه الأحكام السلطانية لدى القدامى والمحدثين عجز عن مغادرة
شرنقة حاكم فرد بيده جميع السلطات عظيمها وهينها عمليها ونظريها
دينيها ودنيويها، يعين المسؤولين أو يعزلهم، ويوزع العقارات أو
يحتكرها، ويقيم الحد أو يعفي منه، ويعزر على الجنحة تعزيره على
الجناية، ويطلق زوجات المخالفين ويزوجهن لمن يشاء، ويقتل العلماء
أو يسجنهم أو يجلدهم للشبهة والظن.
فقه سلطاني هذا شأنه، كيف يستوعب الرشد الذي بلغته البشرية حاليا،
وصارت به تواقة إلى نظم سياسية تجعل قرارها بيدها تأسيسا وتنفيذا
ومراقبة ومحاسبة وتطويرا، نظم تبني بها حياة كريمة تضمن الحريات
العامة رأيا وتعبيرا واجتماعا وتنقلا وتعليما وتكافلا، على قواعد
تسود فيها إرادة الجماعة على إرادة أجهزة التسيير والتنفيذ
والترويض؟
كيف يستوعب نظما حديثة ومتطورة، غايتها بناء الدولة الخادمة للأمة
، بمؤسساتها العامة وزارات وهيئات، وقواعدها المعقدة للتوظيف
والترقية والمحاسبة، وإداراتها المركزية والمحلية منشآت ومرافق
ومراكز تجارية واقتصادية وصناعية وعلمية، وتشريعاتها المتطورة
ميزانية وضرائب ومستحقات وديونا وقروضا وطنية وأجنبية، ومراكزها
المتخصصة في تطوير العلوم والصناعة والاقتصاد والبيئة بما يوفر
للدولة احترامها وسيادتها ومكانتها اللائقة بها بين الدول؟
كيف يستوعب مناشط للحياة متطورة ومشاكل حوادث وأحداث مستجدة، يضيق
عنها جراب تراثه، بنظام قضائي اتسعت شعبه ومراتبه، فعرف القضاء
الجالس والواقف، والتقاضي الابتدائي والاستئنافي ومراجعات النقض
والإبرام؟ واتخذت له القواعد المكتوبة المنشئة للأحكام والمنظمة
لمساطر الإجراءات، واستحدث فيه نظام الاختصاص في المنازعات
الجنائية والمالية والتجارية والأسرية… ضمانا للعدل والمساواة
والحرية والأمن والحقوق.
هذه المجالات التي عرفتها البشرية وتحاول ضبطها وتنظيمها وتطويرها،
لا قبل لفقه الأحكام السلطانية التراثية باستيعابها أو تغطية
مساحاتها وحل إشكالاتها، وذاك ما يؤكد أنه مجرد فقه بشري لا صلة له
جوهرية بالنظام السياسي الذي وضعه رب العباد، ولا عبرة بما موه به
من تبريرات انتقائية وصباغ شرعي باهت.
إنه إذا كان الإسلام قد نظم دقيق شؤون الفرد والجماعة وجليلها، في
جميع مجالات العبادة والمال والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، نصوصا
واستنباطا من النصوص وقواعد وتنزيلا للقواعد، فمن غير المنطقي أن
يكون قد أهمل أخطر آلية لبناء الأمة الشاهدة، والعبادة الكونية
الشاملة، وتركها للعفوية والارتجال أو للاقتباس من أمم لا تدين
بدينه ولا تتجه صوب قبلته، وهذا يشير إلى عدوانية الجاحدين، وتقصير
الموالين.
لكل هذا وذاك أصبح لزاما وحتما أن يتدارك الأمر مفكرو الصحوة
المعاصرة، ويبذلوا الجهود الكافية لبلورة نظام تدبيري للأمة
المسلمة، منبثق انبثاقا طبيعيا أصيلا من الكتاب والسنة، وما يحمل
عليهما ويقرانه.
فهل آن أن نشمر عن ساعد الجد ونقتحم العقبة لاكتشاف ما وضعه رب
العباد من نظم سياسية وتدبيرية تكون لنا مرجعا وقاعدة ومنطلقا؟
إن الطريق إلى هذه الغاية شاق وطويل، وإن الزاد من العلم
والتجربة ضئيل، وقد ران على البصر ماران من الغبش والغشاوة، أما
معضلات السير والمسير فذات شعب مترامية، ومسارب في عتمة التراث
ضاربة، منها ما يتعلق بالتأسيس والبناء، ومنها ما يتعلق بالتفسير
والتثبيت، ومنها ما يتعلق بالتطوير والتسيير والحماية.
وليس لنا في هذا البحث إلا أن نستهله بالاقتصار على المفردات
الارتكازية التي تمثل سدى النظام السياسي الإسلامي ولحمته، تاركين
ما سوى ذلك إلى ما بعد اتضاح النهج واستواء الجادة.
ذلك أن هذا النظام إن كان مبنيا على الشورى الجماعية التي تعيد
الاعتبار للجماعة ولا تخرج عن الكتاب والسنة، كما هو مشروح في
كتابي السابق " فقه الأحكام السلطانية محاولة نقدية للتأصيل
والتطوير "، فإن اتضاح سبيله القاصدة المؤدية لقيام الخلافة
الراشدة الثانية المنتظرة، لا يتم إلا بآليتين ضروريتين تمثلان
سداه ولحمته:
1 – آلية بناء هذا النظام على صعيد النظر والتطبيق، ممارسة ميدانية
جماعية متساوية عادلة، وتشييدا لهياكله متينة قوية متماسكة،
وتثبيتا لأركانه حماية وتطويرا ومناضلة ومدافعة.
2 – آلية الاجتهاد الخاص بملء الفراغ التشريعي، بواسطة منهج رشيد
شوروي يضع الحلول المناسبة الناجعة لما لم يرد به حكم في الكتاب
والسنة، ولا يحتمل الرد إليهما بمختلف ضروب الاستنباط الأصولية
قياسا واجماعا.
المبحث الثاني
النظام السياسي في الإسلام:
شرعية الوجود وآلية التأسيس
والتشريع والتسيير
إن ابن خلدون عندما صاغ نظريته في
نشوء الدول على العصبية بقوله:" إن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب،
والغلب لا يكون إلا بالعصبية ( المقدمة ص 132)، وزعم أن أعمار
الدول كأعمار الأشخاص في التزيد إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع
هرما وانقراضا( المقدمة171)، كان قد لامس بكثير من الوضوح، أهم
معضلة سياسية يعانيها الفكر السياسي لدى المسلمين وإن لم يضع لها
حلا، معضلة نشوء الدولة وشرعية تأسيسها واندثارها.
ولئن كانت نظريته تصب في اتجاه النشأة
الفوقية، شأن نظم الاستبداد عادة، لأن العصبية القبلية لديه معززة
بالدعوة الدينية، لا تنتج إلا سلطة عليا مهيمنة ومتحكمة، فإن مختلف
أصناف الفكر السياسي الذي عرفته الساحة الإسلامية منذ سقوط
الخلافة الراشدة كان على هذا النهج أو ما يقاربه.
ذلك أن نظم الملك الجبري والعضوض التي
أسسها الأمويون واستمرت إلى عصرنا هذا، لم يكن فقه الأحكام
السلطانية الذي نشأ عنها وبتأثيرها إلا تبريرا لسلطتها الغاشمة
الفوقية وحماية أيديولوجية لها.
لقد نشأت جميع دول هذا الاتجاه
الخلدوني - الماوردي خارج المجتمع المسلم وفوقه، ثم انغرست مقلوبة
في أرض الواقع بقوة القهر والغلبة، جذورها في الهواء وفروعها في
الماء. كما هو شأن النظم الوضعية التي سادت الأرض قبل البعثة
النبوية والخلافة الراشدة وبعدهما.
كذلك باختلاف يسير نشأت النظم
الديمقراطية التعددية، يقوم حزب تحت غطاء ديماغوجي وقيادة فردية
ودعم خلفي من جهاز رسمي أوجماعة ضغط ذات مصلحة، ببسط هيمنته على
الدولة، والانغراس مقلوبا في أرض الواقع.
ولئن كانت الديمقراطية في جوهرها
متعارضة مع طبيعة المجتمعات المسلمة لكونها تعني سيادة الشعب
المحتكرة بيد الحزب الحاكم وقيادته على حساب سيادة الشرع وحاكميته،
فإنها في موطنها على الأقل وصلت من التطور حدا جعلها تستطيع تحقيق
نوع من التداول الطوعي على السلطة بين قادة الأحزاب والمنظمات.
أما في الدول الإسلامية عربية وعجمية،
فإنها لم تستطع أن تؤثر في رأس السلطة إيجابا أو سلبا، وبقيت
محاصرة في دائرة معارك طواحين الهواء، برلمانات وأحزابا وصحفا
خجولة متعثرة.
كذلك كان النشاط الفكري لدعاتها في
أوطاننا، منذ بروز هذا الاتجاه في بداية القرن التاسع عشر على يد
الطهطاوي وعبده والأفغاني ورضا، إذ لم يتجاوز لحد الآن محاولة
مزاوجة فجة بين الاستبداد السافر في الأحكام السلطانية التراثية
والاستبداد المقنع في ديمقراطية بلد المنشأ.
طفحت كذلك في مجتمعاتنا فكرا وممارسة
دول اشتراكية ماركسية تحمل خصائص الاستبداد، وطبائع الأجسام
الغريبة التي تغرس في الفضاء مقلوبة، أنف في الماء وقاعدة في
السماء، فلم يتم لها نتاج.
ينطبق الحال كذلك على دول قومية لم
تسلم من عاهة الاغتراب عن الأرض والمجتمع، أسسها مغامرون تسللوا
إلى السلطة مستثمرين فساد أنظمة " لأحكام سلطانية " سادت في عصرهم،
كما في الحالة التركية آخر أيام العثمانيين.
هذه النماذج السياسية التي عرفتها
الساحة المسلمة فشلت كلها في إسعاد شعوبها كما أخفقت في إقامة
الأمة الشاهدة والدولة الرائدة التي تقف أمام غيرها من الدول بندية
وكفاية وكامل سيادة وتمام حرمة.
من أجل ذلك ظهرت حاليا دعوات جديدة
تنظر لنظام تلفيقي من جميع هذه التجارب الفاشلة، وكأنما جمع
الأصفار إلى بعضها ينتج غير الصفر.
إن محاولة تلفيق نظام جديد هويته
الثقافية إسلامية كما يتخيلون، وهويته الذاتية قومية كما يخرصون،
وهويته الاجتماعية والاقتصادية ماركسية، وهويته السياسية لبرالية،
ليست إلا شطحا بهلوانيا ينتج كيانا أشوه غير قابل للحياة، فيه
شركاء متشاكسون وعقائد متعارضة متضاربة ومناهج متناقضة، حتى لو زرع
في التربة لا في الهواء – على رغم استحالة ذلك - فإن التربة تمجه
وتلفظه.
كل هذه النظم التي عرفتها الساحة
المسلمة – سلطانية وديمقراطية وقومية واشتراكية وتلفيقية – نشأت
أولا عن طموح غير مشروع للتسلط من قبل مؤسسيها ، ثم وُرِّثَتْ
للأبناء من بعدهم بمختلف ضروب التحايل والقهر والقمع، ملكيات كانت
أو جمهوريات أو مشيخات أو إمارات، وغرست ثانيا في الأرض مقلوبة
أعلاها في الماء وأسفلها في السماء، وهي لذلك لا تشعر بشعور الأمة
ولا تمثل ضميرها وآمالها وآلامها وما تتوق إليه.
من ثم يبدو جليا خطل مطالبة بعض
الحركات الإسلامية المعاصرة ومفكريها بتطبيق الشريعة في ظل هذه
النظم، لأن طبيعة نشأة هذه الأنظمة ونهجها لا تمكنها موضوعيا من
تطبيق الشريعة والقيام بمستلزماتها، كما أن افتقادها لشرعية الوجود
يجعلها في حالة تناف مع نفسها إذا ما حاولت تطبيق الشريعة.
هذه هي المعضلة التي تعانيها شعوب
المسلمين وتغفلها دعوات المفكرين والدعاة، فهل يعقل أن يطبق
الشريعة من لا يؤمن بها أومن يفتقد في أساس كيانه ونشأته عنصر
الشرعية؟
لذلك كانت نقطة البدء في كل إصلاح،
تأسيس النظام الشرعي القادر على تطبيق الشرعية والشريعة، وإقامة
أمر الإسلام الجامع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا...
إن شرعية أي نظام لا تتأتى من عبارات
تدبج في الدساتير، أو يرطن بها في الخطب والتصريحات، أو تعرض جيدة
التنسيق في المجلات والصحف، ولكنها تتحقق من طبيعة نشأته وبداية
أمره ومراحل نموه وتفاعله مع مجتمعه، وتعامله مع منهج ربه.
إن النظام الإسلامي - على عكس النظم
الأخرى – تماثل نشأته نشأة النبات، تدفن بذرته في التراب أولا، لأن
مبدأ الحياة دائما أن تنغرس بذرته في عمق الأرض والأرحام، وما نبت
مما لم يدفن لا يتم نتاجه ولا تنبعث فيه حياة، ثم يرمي جذوره ويخرج
شطأه، ويمد فروعه في الفضاء الرحب، ينشر الفيء والظلال، ويغدق على
الكائنات الحية الخير والثمار والغلال، فهو بذلك مائدة الله للكون،
مهداة بخير عميم، وتعايش حر كريم، لا خوف ولا غبن ولا ظلم ولا غصب،
للمؤمن وغير المؤمن، للأسود والأبيض والأحمر على السواء.
إن أول خطوات التأسيس الشرعي للدولة
أن تنشأ الجماعة المسلمة ( الأمة) حول بذرة العقيدة وتتفاعل بها
ومعها ومن أجلها، وتنظم شأنها العام بواسطة الشورى الجماعية قرارا
وتنفيذا ومحاسبة ومراقبة، بمنأى عن التراتبية السلطوية الهرمية،
بما يحقق التعاطي الإيجابي البناء، بين الأمة وقيادتها الخدمية
التنفيذية، دون احتكار للخيرات، أو مصادرة للرأي والحريات، أو سقوط
في شراك الفتن الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو الطبقية أو
الحزبية، لأن كافة المواطنين في دولة الشرعية سواسية أمام عقيدة
سمحة وشريعة عادلة ونظام هو ملك لهم جميعا.
ذلك ما نصت عليه وعملت به أول وثيقة
إنسانية نظمت حياة الناس في الأرض، وثيقة المدينة التي كتبها رسول
الله صلى الله عليه وسلم في أول هجرته إلى يثرب، تنظيما لساكنتها
من المسلمين وغير المسلمين، لجما لطغيان الطوائف والعصبيات على
بعضها، وإقرارا لمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، في سماحة
وعدالة لم تعرفهما أحدث القوانين الوضعية المعاصرة ولم تقترب منها.
إن هذه الوثيقة لم تشر من قريب أو
بعيد إلى حكومة أو رئاسة أو مجالس أهل حل وعقد أو مسؤولين على صعيد
المناطق والقبائل والجيوش والدواوين، بل أرست قواعد المجتمع
المتكامل المكون لجميع الأطياف مهاجرين وأنصارا ، ومن لحق بهم
واعتنق دعوتهم، أو جاورهم أو ساكنهم من ذوي الديانات المخالفة
يهودا ومشركين، في ظل المواطنة الصالحة تكافلا وتعاونا وتناصرا،
تقريرا وتنفيذا. من غير ظلم أو حيف أو تخاذل أو تعال واستكبار ، مع
المحافظة على نقطة الارتكاز العقدي بما يحفظ للأمة مبدأ ولائها
وبرائها، ويعصمها من التحلل والذوبان.
لقد كانت هذه الوثيقة المدونة أول
تعاقد سياسي رسمي أسس للدولة في الإسلام أركانها وقواعدها ومنهج
سيرها.
قال محمد بن إسحاق فيما أورده ابن
كثير في تاريخه (3- 224):
( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم
كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم
على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم ).
أما المبادئ المميزة والخطوط العريضة
التي رسمتها هذه الوثيقة فيمكن تلخيصها في النقط التالية:
1 – مبدأ المواطنة المشتركة في الدولة
الإسلامية:
يقول صلى الله عليه وسلم إنها بين:
- المؤمنين والمسلمين من قريش( أي
المهاجرين)، ويثرب( أي الأنصار)، ومن تبعهم ولحق بهم( أي من عامة
الناس)، وجاهد معهم ( بالدفاع عن الإسلام والمسلمين).
- وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر
والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
بهذه النصوص الواضحة الصريحة تبلورت
لأول مرة في التاريخ فكرة المواطنة بمعناها الحضاري، حقا في
الإقامة على أرض مخصوصة، واكتسابا لجنسيتها، وتمتعا بالعضوية
الكاملة في المجتمع، على أساس المساواة والتعاون المشترك، من غير
تمييز بين الألوان والأعراق والأديان، مما لم تستطع الديمقراطية
اليونانية استيعابه، ولم تفكر فيه الديمقراطية الحديثة إلا في
القرن
العشرين، أما الديمقراطيات الهجينة المستنسخة في العالم الثالث فلم
تستوعبه لحد الآن.
2 – مبدأ التكافل الاجتماعي، تقول
الصحيفة:
- وأن على اليهود نفقتهم وعلى
المسلمين نفقتهم.
- وأن بينهم ( أي المسلمين وغير
المسلمين ) النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
- وأن الجار ( أي مسلما كان أو غير
مسلم ) كالنفس غير مضار ولا آثم.
- وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا ( أي
مثقلا بالديون كثير العيال ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو
عقل.
- وأن المؤمنين يبـيء ( أي يساوي )
بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله.
- وأن النصر للمظلوم.
3 – مبدأ المحافظة على أمن الدولة
والمجتمع، تقول الصحيفة:
- وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه.
- وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم
أدناهم.
- وأن المؤمنين المتقين على من بغى
منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين،
وأن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم.
- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه
الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر
أن ينصر محدثا أو يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله
وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
- وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم
أو آثم.
4 – مبدأ المساواة والتسيير الذاتي
للمجتمع، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
- وأن المؤمنين يبـيء ( أي يساوي)
بعضهم بعضا.
- المهاجرون من قريش على ربعتهم
يتعاملون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على
ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف
والقسط بين المؤمنين . ثم ذكر كل بطن من بطون الأنصار وأهل كل دار
بني ساعدة وبني جشم وبني النجار وبني عمرو بن عوف وبني النيبت.
5 – مبدأ الدفاع المشترك بين جميع
المتساكنين ، تقول الصحيفة:
- وأن بينهم ( أي سكان المدينة مسلمين
وغير مسلمين ) النصر على من دهم يثرب.
- وأن بينهم ( أي مسلمين وغير مسلمين)
النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
6 – مبدأ حرية الاختيار وتقرير المصير
للمخالفين، تقول الصحيفة:
- وأن من تبعنا من يهود فإن لهم النصر
والإسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
- وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن
بالمدينة إلا من ظلم أو أثم.
7 – مبدأ سيادة الشريعة وحاكمية
الكتاب والسنة، تقول الصحيفة:
- وأن ما كان من أهل الصحيفة من حدث
أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
- وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن
مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه
بعض أركان البناء الشرعي للدولة كما وردت في صحيفة المدينة، ثم
توالت بعدها حركة التشييد عملا ميدانيا وقدوة نبوية ووحيا يتنزل.
وإذ أرسى صلى الله عليه وسلم في الأسماع والقلوب والمهج آخر ما نزل
من القرآن (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )
المائدة3، أقام آخر أعمدة تدبير الشأن العام للأمة في خطبته الغراء
بجبل الرحمة يوم عرفات في حجة الوداع ( السنة العاشرة للهجرة )،
مبشرا بكمال الدين وتمام النعمة، حريصا على وضوح قوله وسماع صوته،
وتبليغ رسالته، باتخاذه ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي مسمعا لخطبته
وكان صيتا، قائلا له بين الفينة والفينة : " اصرخ "، مشهدا سامعيه
على نفسه وبلاغه، يقول لهم: ( هل بلغت؟ فيقولون: بلغ رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فيقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب) ، محذرا
المسلمين من إهدار هذه الفرصة والمناسبة قائلا: (أما بعد: أيها
الناس اسمعوا مني ما أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد
عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام
إلى أن تلقوا ربكم...).
كانت معظم توجيهات الرسول الأكرم صلى
الله عليه وسلم في هذه الخطبة متعلقة بتدبير الأمر العام للأمة،
تتميما وتذكيرا وبلورة لما ورد في الصحيفة التأسيسية الأولى (
وثيقة المدينة). مما يمكن إيجازه فيما يلي:
1 – وحدة أعضاء المجتمع المسلم
ومساواتهم بقوله صلى الله عليه وسلم في خطبته:
- أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم
واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي
على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت....اللهم فاشهد، قالوا: نعم
، قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
- إن الله يقول ( يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم ) فليس لعربي على عجمي فضل ولا لعجمي على
عربي فضل ولا لأسود على أبيض فضل ولا لأبيض على أسود فضل إلا
بالتقوى.
- يا معشر قريش لا تجيئوا بالدنيا
تحملونها على رقابكم وتجيء الناس بالآخرة، فإني لا أغني عنكم من
الله شيئاً
2 – تكريس العدل ونبذ الظلم:
- اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا،
ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب
نفس منه، ألا وإن كل دم مأثرة ومال كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه
إلى يوم القيامة.
- أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة ولا
يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
- فلا ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده، كتاب
الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد.
- إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن
حق.
- هذا يوم حرام وبلد حرام، فدماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا اليوم إلى يوم
تلقونه، وحتى دفعة دفعها مسلم مسلماً يريد بها سوءاً، وسأخبركم من
المسلم، المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه
الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب،
والمجاهد من جاهد نفسه
في طاعة الله.
- وأحدثكم من المهاجر؟ من هجر
السيئات، والمؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام
أن يأكله بالغيبة يغتابه، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه
حرام أن يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وماله عليه حرام أن
يظلمه، وأذاه عليه حرام أن يدفعه دفعاً.
- وحرام عليه أن يدفعه دفعة
تعنته.
- هذا اليوم حرام؟، قالوا:
بلى يا رسول الله! قال: فإن حرمتكم بينكم كحرمة يومكم
هذا. أنبئكم من المسلم؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده. أنبئكم من المؤمن؟ المؤمن من أمنه المسلمون على أنفسهم
وأموالهم. أنبئكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات مما
حرم الله عليه. والمؤمن على المؤمن حرام كحرمة هذا اليوم، لحمه
عليه حرام أن يأكله بالغيب
ويغتابه، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه،
وأذاه عليه حرام أن يؤذيه، وعليه حرام أن يدفعه دفعاً يعنـته".
- يا أيها الناس من كانت عنده وديعة
فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
- فإن الله تبارك وتعالى حرم دماءكم
وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا البلد، ألا
ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم. ثم رفع
يديه فقال: "اللهم اشهد".
إن تأسيس الدولة الإسلامية مثال نادر
في مسيرة الإنسانية ونظام تجمعها السياسي، ونموذج فذ لنشوء الدول
والمجتمعات، فقد وضع لبنات قيم ومبادئ ونظم لم تستطع أعرق الدول
الدستورية المعاصرة تجاوزها، بتقريره حدود الدولة وأصناف ساكنتها،
وصفات المواطنة الصالحة فيها، وتفصيله الدقيق للحقوق والواجبات
الفردية والجماعية، وإشارته لآلية اتخاذ القرارات الجماعية
الشوروية، وبناء الأجهزة الخدمية التنفيذية.
إن تكامل التصور الإسلامي لنظام
التدبير العام، كان خاتمة مسيرة الرشد البشري على الأرض، كي تعود
حياة الناس إلى ما فطرت عليه يوم خلق الله السموات والأرض وبرأ آدم
وذريته على أحسن تقويم وقبل أن تجتال بعضهم الشياطين فيردوا أسفل
سافلين.
هذه كانت مهمة النبوة الخاتمة، وغاية
التنزيل الحكيم، وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقوله في أول خطبة حجة الوداع:( أيها الناس إن الزمان قد استدار
فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض, وإن عدة الشهور
عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم أولهن رجب مضر بين جمادي
وشعبان, وذو القعدة, وذو الحجة والمحرم )
وكما أن الزمان في حجة الوداع قد
استدار كهيئته الأولى كما خلقه الله ، بعد أن ناله التغيير بالنسيء
والتبديل والتغيير والتقديم والتأخير على يد الجاهلية العربية.
وكما أن عاقبة الحج أن يرجع الحاج إلى
أهله نقيا مغفور الذنب كيوم ولدته أمه، وكما خلق أول مرة سويا في
أحسن تقويم.
كذلك نظام تدبير الشأن العام لدى
المسلمين، ينبغي أن يعود إلى وضعه الأول السوي، وينبذ كل ضلالات
الاستبداد والتحكم والقهر والتفاضل الهرمي المحتكر للسلطة والجاه
والخيرات.
وذلك سبيل ظهور الأمة الشاهدة المنضبطة مع فطرتها السوية الأولى.
إن أبرز ما يميز هذا النظام الرباني
أن الأمر التكليفي فيه، خطابا قرآنيا حكيما، وتوجيهات نبوية كريمة
موجه إلى جميع الأمة بصفتها مسؤولة عن أمرها مسؤولية مشتركة، كما
أنه لم يتضمن أي إشارة ولو عرضية إلى رئاسة أو قيادة فردية سياسية
كانت أو إدارية أو عسكرية، بل ليس فيه ما يبيح اختزال السلطة في
أفراد معينين أو تكتل خاص للشورى أو الحل والعقد، أو الأعيان أو
الطوائف والمذاهب.مما يؤكد أن النظام الإسلامي لا يقر النظم
السياسية الرأسية التي يقبع فيها على رؤوس الناس متسلط أو متسلطون.
مما يدحض مزاعم دعاة القهر السلطاني السافر والاستبداد الديمقراطي
المقنع.
إن النظام الإسلامي في هذا المجال ليس
رأسي السلطة، يوزع فيها النفوذ بين الأقوياء، في طبقات بعضها فوق
بعض، هذا النزوع العدواني لا يقره القرآن الكريم، والتعاليم
النبوية تحض على نبذه .
إن النظام الإسلامي الحق، بذرته
التأسيسية التي تحتضن بؤرة الانطلاق فيه هي العقيدة وما أتت به من
تشريعات، العقيدة هي الموجهة والمرشدة والحاكمة ، في البدء كانت
العقيدة، ومن نبضها تكونت حولها الحلقة الدعوية الأولى نبوة خاتمة،
ثم من دفق النبوة وشحناتها الربانية انطلقت حلقات موجات الانتشار
الأول للإسلام، مهاجرين وأنصارا والذين جاؤوا من بعدهم إلى يوم
الدين.
إن مثل التدبير العام الأفقي غير
الهرمي في المجتمع الإسلامي، انتشارا دعويا، وإجراء شورويا، كمثل
حجر نزل من السماء في الماء، فتكونت من اهتزازه المادي أو نبضه
الكهربي، في الجسم الناقل الذي هو الماء، موجات تضاغطية أفقية
كثيرة ومتعاقبة، على شكل حلقات تتسع موجاتها فينشأ على رأس كل منها
فضاء هو مجال تفاعل الطاقة المولدة للحركة والتوسع الحلقي.
فالحجر في مثالنا هذا هو العقيدة التي
أنزلت من السماء، وبثت شحناتها الأولى في مجالها الأول الذي هو
النبوة، ثم انطلقت من النبوة الخاتمة ونبضها الرباني حلقات أجيال
المؤمنين، بفضاءاتها الدعوية والتدبيرية على قدم المساواة قرارا
وتنفيذا.
إن هذه الفضاءات المشكلة من حلقات
الانتشار الإسلامي ( انظر الشكل 1 )أو
فضاءات الدعوة كما يمكن أن يطلق عليها، يكون لها في المجال السياسي
دور آخر على قاعدة تدبير الشأن العام، إذ تتخذ شكل فضاءات أخرى
لاتخاذ القرارات وتنفيذها، وتعيين رجال خدمتها ومراقبتهم
ومحاسبتهم، بواسطة الشورى الجماعية، وهي بذلك حينئذ فضاءات شوروية
تشكل صلب نظام الدولة وعنصر الحيوية فيه، كما تمثل في نفس الوقت
تروسا للدفاع عن البيضة، وحماية الحوزة، وترشيد التماسك والتآزر
والتكافل والوعي داخل الأمة ( انظر الشكل 2
).
هذا النظام، نظام الفضاءات الشوروية،
لا مجال فيه للتسلط واحتكار المجد ، كما لا التقاء له بالنظم
الهرمية ذات الطبقات المختزلة أو الملغية لمن تحتها.
ذاك هو النهج الذي عرفه عصر النبوة
الخاتمة قدوة وتعليما، ثم عاشه عهد الخلافة الراشدة الذي يحلب فيه
أبو بكر رضي الله عنه شويهات الأعرابيات، وينام فيه الإمام علي كرم
الله وجهه على الأرض بدون وطاء أو غطاء، ويكتفي فيه عمر رضي الله
عنه بالخبز اليابس والماء.
هذا النظام بخصائصه ومبادئه وقيمه
الربانية وفضاءاته الشوروية، نقطة البدء فيه العقيدة ونقطة الختام
فيه سعادة الدنيا والآخرة، لذلك لا يقبل إلا أن يكون وحده في
مساحته، لا يرقع بأنظمة وضعية ولا ترقع به، فهو غني عن الترقيع،
عصي عن الترويض والتبضيع، والذين يلتمسون من أنظمة استبدادية أن
تطبق الشريعة، إنما يسعون في حقيقة الأمر لتشويهها أو توظيفها
واستغلالها وتحريفها. وما لم يتوفر نظام ما على شرعية الوجود منهجا
نبويا راشدا، فلا مجال لمطالبته بما هو خارج عن طبيعته، وكما أن
الصدقة لا تجوز من ثمار الأرض المغتصبة لانتفاء شرعية تملكها، كذلك
يتعذر تطبيق النظام الإسلامي من فاقد شرعية الوجود.
إن النظام الإسلامي مرتكز على أربعة
دعائم بدونها يفتقد التمثيل الصحيح للإسلام:
1 – شرعية الوجود أولا، ومصدرها حجر
الأساس الذي هو العقيدة.
2 – شرعية التشريع المنبثقة من شرعية
الوجود.
3 – شرعية التسيير والتنفيذ المنبثقة
من شرعية التشريع.
4 – شرعية الهدف المنبثقة من شرعية
الوجود والتشريع والتسيير، وهي التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله
تعالى في الآية 28 من سورة الفتح:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا )، والرسول صلى الله
عليه وسلم بقوله: ( لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ
مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ
الْإِسْلَامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ إِمَّا
يُعِزُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا
أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا ) أحمد.
وكل هذه الدعائم مرتكزة على العقيدة
وما ينبثق عنها.
لقد عرفت الدولة تنظيرا وممارسة منذ
سقوط الخلافة الراشدة ، أشكالا كثيرة لم تتوفر لها هذه الركائز،
وهي بذلك نظم فاسدة لا تحسب تصرفاتها على الإسلام، لأن أول شروط
شرعية أي نظام أن يكون إلهيا ربانيا.
إن الألوهية والربوبية _ شرعا وعقلا
وحقيقة كونية لا مناص من الاعتراف بها – ركنان من العقيدة لا يتم
إيمان امرئ بدون توحيدهما قلبا وقولا وعملا.
ولئن كان توحيد الألوهية يستوجب
وحدانية الخالق واختصاصه بالعبادة والتوجه، فإن توحيد الربوبية من
مقتضى ذلك بداهة، لأن الذي خلق لابد أن يكون هو المدبر لما خلق،
وشمولية إبداعه للكون تتضمن شمولية تدبيره للكائنات. لذلك كان
التدبير الإلهي ( الربوبية) تعبيرا صادقا عن الألوهية المطلقة
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ
الأَمْرَ) يونس3 (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى
الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ...) السجدة 5 (وَلَقَدْ
خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ
الْخَلْقِ غَافِلِينَ ) المؤمنون 17، (الَّذِي لَهُ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن
لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ
تَقْدِيرًا) الفرقان 2.
من هذه الزاوية تأكد أن ما عرفه
المسلمون عقب سقوط الخلافة الراشدة من نظم ، لا تمثل المنهج
الرباني في أبرز صفاته انسجاما مع ربانية السير العام للحياة، لأن
انتفاء صفة الربانية فيها تنعكس عليها انتفاء لانتسابها للإسلام
نظاما للحياة.
إن عجز هذه الأنظمة السياسية عن تشخيص
ربانية التدبير العام دليل بين على المروق عن النهج الذي اختاره
الله عز وجل لعباده.
هذا الفسوق عن الربانية كان له وقع
الكارثة على البشرية، منذ استسلمت لأنانيتها وتعالي بعضها على بعض.
إن الاستبداد ينشأ أول الأمر تعاليا
ونرجسية وعبادة للذات، وطموحا غير مشروع للتحكم في الغير، حتى إذا
تم للمستبد السيطرة على شعب ما، فرض تألهه وجبروته، واستخف قومه،
باسم الأسرة أو القبيلة أو الطبقة أو الحزب.
هكذا ينشأ الاستبداد ويستفحل ويتضخم
على الصعيد القطري ثم على الصعيد العالمي...ولنا في المنطقة
العربية نماذج أنظمة استبدت على شعوبها، ثم انتقلت للاستبداد على
جيرانها وأبناء عمومتها، أما على الصعيد العالمي فلنا نموذج التسلط
النازي الذي بدأ طموحا فرديا وانتهى بحربين عالميتين أحرقتا الأخضر
واليابس.
إن منهج التدبير العام إما أن يكون
ربانيا ينشر الخير والفضيلة والسلم والرخاء والعدالة والأخوة
المنتسبة إلى أب واحد وأم واحدة خلقا من نفس واحدة بث الله عز وجل
منها رجالا كثيرا ونساء، وإما أن يكون بشريا سمته العدوانية،
وثماره الشقاء وسَقْيُ زرعه دماء المظلومين ودموع الثكالى
والمحرومين.
إن الألوهية المطلقة لرب العباد ينبغي
أن يقابلها التوحيد الإرادي الطوعي المتجلي في الخضوع المطلق
للرسالة السماوية بمناهجها للحياة الفردية والجماعية، وذلك ما نطلق
عليه ربانية التدبير العام في حياة المؤمنين، أو شرعية الوجود
للنظام الإسلامي المنشود.
المبحث الثالث
التشريع في
الدولة الإسلامية
إذا كان شكل الخلافة الإسلامية فضاءاتٍ شورويةً أفقيةً غيرَ هرمية،
منبعثةً من مركزها العقدي وحوله، فإن جوهر هذا النظام هو قوله
تعالى في الآية 104 من سورة آل عمران (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
)، أما هدفه فقوله عز وجل في الآية28 من سورة الفتح:( هُوَ الَّذِي
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ).
هاتان الآيتان تختزلان الكيان السياسي للإسلام في ثلاثة أقانيم،
شكل الدولة وهو الأمة الشاهدة، وجوهر رسالتها وهو الدعوة إلى الخير
وما يستتبعها من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وغاية سيرها التي هي
الظهور الخيري حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
يؤكد هذه المعاني كلها بناء لغويا، أن حرف " من " في قوله تعالى "
ولتكن منكم " ليس للتبعيض وإنما هو للتبيين، كأن يقال مثلا " لفلان
من أولاده جند " أي أن جميع أولاده جنود له، كما يوضحها شرعا أن
الله أوجب الدعوة إلى الخير على كل أفراد الأمة، ولا تحصل هذه
الدعوة تامة إلا إذا كانت أمتها متآلفة متحدة متحابة متعاونة،
ولذلك عقب تعالى على هذا الأمر بقوله (وَلاَ تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ
الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) آل عمران
105.
إن الأمر الإلهي بتأسيس هذه الأمة مبينا بالسنة النبوية قولا وعملا
وتأسيا بوثيقة المدينة وخطبة حجة الوداع وما بينهما، ومعززا
بإشارات كثيرة منبثة في ثنايا سور القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:
-
( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللّهِ ) آل عمران 110.
-
( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
يَعْدِلُونَ ) الأعراف 181.
-
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء 92.
-
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن
بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي
شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ ) النور 55.
كل ذلك يضفي على لفظ " الأمة " في هذه السياقات معناه الأصيل مشخصا
في جماعة واحدة ذات منطلق واحد ومنهج حياة واحد ووجهة سير واحدة،
هي الدولة الشاهدة بقيمها ومبادئها ونظمها، وينفي عن التعبير
القرآني " الأمة" كل اشتراك لفظي متوهم، سواء كان حقيقيا أو مجازيا
أو شرعيا.
إن وجوب قيام هذه الأمة له مدلول واحد هو حتمية نهوض دولتها التي
تشرف على تنفيذ ما نيط بها من مهام؛ وإذا كانت الأهداف القرآنية لا
تتحقق إلا بتأسيس النظام السياسي الإسلامي، فإن تشخيص هذا النظام
في كيان على الأرض واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إن الإسلام باعتباره منهجا متكاملا للحياة، وكيانا عقديا تدبيريا
لها، جعل قيام الدولة جزءا منه لا يستقيم له أمر إلا به، ولا يتم
له الدين وتحمى بيضته إلا بوجود نظامه السياسي ظاهرا على سطح الأرض
شكلا ومضمونا، ومشخصا في أمة عدل موحدة، يشارك أعضاؤها جميعا في
التقرير والتسيير والتنفيذ والمراقبة والمحاسبة، وهذا يتعارض مع أي
نظام وضعي فوقي معزول عن شعبه، معرض للفساد والتحلل، ومهدد بما
يحتمل أن يؤول إليه أمر رئيسه منتخبا كان أو معينا أو وارثا، من
انحراف أصيل أو طارئ.
ولئن كان نظام هذه الدولة هيكلة وبناء قد تم شرحه في المبحث
السابق، فإن الجانب الجوهري فيه، وهو الدعوة إلى الخير المطلق
العام لجميع البشر عبادة ومعاملة وتنظيما وتقنينا وتطويرا وتنمية
وحرية وعدالة ومساواة، قد ظل محل نزاع مذهبي وفقهي طيلة عهود
الاستبداد التي خيمت على الأمة منذ سقوط الخلافة الراشدة. بل هو
حاليا ثغرة ينفذ منها المارقون نحو ضلالات الملل والنحل محلية
ومستوردة، ويمالئ منها ضعفة النفوس والهمم مراكز القوة داخليا
وخارجيا.
لذلك وجب إيفاء هذا الجانب نصيبه من البحث والنقد والسبر، لإحقاق
ما به من حق، واستبعاد ما شابه من غبش أو تدليس أو خلط وتلبيس.
إن آية الأمر بإقامة " الأمة/ الدولة " توضح بصريح العبارة مهمة
هذا الكيان السياسي الموحد، وهي خير البشرية اجتماعا واقتصادا
وتجارة وعلاقات وفض منازعات واكتفاء ذاتيا، ومنعة ومساواة وندية،
وذلك ما أهل الأمة المحمدية لمرتبة الشهادة على الناس، التي شرفها
الله تعالى بها بقوله في الآية 143 من سورة البقرة: (وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )، فرتب كونها
شاهدة على صيرورتها " وسطا "، أي عدلا، ترتيب الجزاء على الشرط،
لأن قيامها بالشهادة يستوجب أن تكون عادلة وخيرة في نفسها وغيرها.
إن درجة الشهادة هذه توجب أن يكون نظامها الجامع في مستوى هذا
التكريم الإلهي، لا سيما وقد وضعت به رابع شهود الآخرة، وهم:
-
الملائكة (وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) ق
21، (لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ
بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا
) النساء 166.
-
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا
دُمْتُ فِيهِمْ ) المائدة 117.
-
شهادة الجوارح على صاحبها (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ) النور 24.
-
شهادة أمة محمد صلى الله عليه وسلم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة 143.
إن إقامة الدولة الشاهدة على ركائز العدل والحق وقيم الإيمان
والفضيلة في أشد الحاجة اليوم إلى إعادة مراجعة للفهم والسبر
والنقد والتصنيف والتقنين والتحيين، بما يناسب مستجدات الزمان
والمكان، وما استحدث من نظم الحياة وعادات المجتمع وتقاليد
الإنسان، لا سيما وقد استبعد التشريع الإسلامي مبكرا عن الشأن
السياسي عقب انكفاء علمائه مكرهين في زوايا البحث الفقهي الخاص
بالشأن الفردي عبادة ومعاملة وعلاقات وأخلاقا.
لكن هذا الواقع لا يعني إلغاء الفقه الإسلامي أو الاستهانة بجهود
علمائنا الأبرار طيلة الأربعة عشر قرنا الماضية، لا يقول بهذا عاقل
أو منصف، فتراثنا الفقهي على رغم ما قد يوجه له من نقد، مفخرة
ومأثرة ندر مثيلها بين الأمم والشعوب، وما أنجزه من تطوير لوسائل
البحث والتنقيب والاستنباط والتدوين يعد أداة فعالة في مجال تنظيم
الشأن العام والخاص، وتزويده بمختلف الأحكام الشرعية المستندة إلى
النصوص تصريحا وتلميحا، استدلالا وقياسا وقواعد وأمارات؛ إلا أن
عاصفة التحديث والتغيير والتطوير التي نالت زماننا بشرا وبيئة
ونظما، قد أحدثت من المشكلات المعقدة ما احتاج إلى أقضية جديدة،
وأنشأت من الأوضاع ما فرض ارتياد ساحات لم تكن متوقعة أو متخيلة،
والتماس محاولات رشد يؤهل لما نيط بنا من مهام وغايات، وما
حُمِّلْنا من تكاليف وواجبات.
إن الفقه الإسلامي يحتفظ في مجال تدبير الشأن العام، على رغم
استضعافه من قبل حكام الاستبداد، بما لا يجوز التغاضي عنه ولا يجمل
الإعراض عن استثماره، من الأحكام والتشريعات المستنبطة من الكتاب
والسنة أو المحمولة عليهما أو التي لا تتعارض معهما، إلا أن تنزيل
كثير منها على واقع عصرنا زمانا ومكانا وحالا صعب المنال، ومحتاج
إلى كثير من الجهد المتأني الفعال.
كما أن حالات أخرى جديدة ومستحدثة، ونماذج من الحياة العصرية
مبتدعة، لا يكاد يجد المرء للقضاء فيها أو تنظيمها أو تصنيفها
وترتيب أوضاعها مرجعا في الفقه نصوصه وأصوله وفروعه وقواعد ضبطه
واستنباطه، وإن كان فقه المذاهب كلها قد اجتهد في دراسة كثير منها
واستنبط للعديد مما اعترضه في أمرها أحكاما رآها شرعية وداخلة ضمن
الأحكام الخمسة، مما رفع من وتيرة الخلاف الفقهي المذهبي واشتداد
الجدل والمناظرة حولها.
وزاد شقة هذا الخلاف اتساعا كونه واسع الأكناف متشعب الأطراف وله
صلة بعدة علوم ، كعلوم القرآن ، والحديث ، والفقه والأصول
والقواعد الفقهية ، والتعارض والترجيح ، والمنطق والبحث
والمناظرة ، كما أن له ارتباطا بواقع الأمة سياسياً واجتماعياً
واقتصادياً .
لقد نشأ هذا الخلاف أول ما نشأ بعد وفاة الرسول
r
واضطرار المسلمين لاستنباط أحكام قضايا من نصوص يوهم بعضها
بالتعارض ، أو أحكام حوادث توهم بأن ليس لها في الكتاب والسنة حكم
معين . فالخلاف في هذا العهد كان مبنيا على فهم النصوص والحمل
عليها حملاً عفوياً تلقائياً ، ثم أضيف إلى ذلك إجماع الصحابة
المستند إلى النصوص .
ثم بعد جيل الصحابة تتابعت أدوار التشريع واحدا تلو الآخر ،
فنشأ علم الفقه واتسع الاستنباط بكثرة الحوادث، لأن النصوص متناهية
والحوادث متجددة غير متناهية ؛ وعكف طائفة من التابعين على الفتوى
كسعيد بن المسيب في المدينة وعلقمة وإبراهيم النخعي بالعراق ،
معتمدين في استنباطاتهم على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة
وفتاواهم ، ينهج بعضهم نهج القياس ، وينهج آخرون نهج المصلحة إن
لم يكن نص .
ثم بزغ عصر الأئمة المجتهدين ، فاتضحت أساليب الاجتهاد وتميزت
طرق الاستدلال واتسع الخلاف بين الأئمة تبعاً لمناهجهم . فكان أبو
حنيفة ثم مالك رضي الله عنهما.
ثم جاء الشافعي – رضي الله عنه – فجمع مقاصد العلم ومناهجه في
الرسالة ، وكان بذلك أول من صنف قواعد الاستنباط ورتبها ورسم
معالمها ، وجمع فيها بين منهجي النعمان ومالك ؛ وهذا ليس بغريب
منه ، فهو تلميذهما ووارث سرهما وابنهما البر ، ولا اعتبار لما
اختلف فيه الأتباع وشجر بينهم بعنف تجاوز حده ، وتوتر عصف بأسباب
الود .
ثم تتابع تطور هذا العلم من قبل مدرستي المتكلمين والفروعيين ،
وارتقى الحوار والتأليف والتصنيف فيه إلى نشوء علم جديد هو " علم
الخلاف " المبني على المنطق والمناظرة ، وهو علم يعرف به كيفية
إيراد الحجج الشرعية ، ودفع الشبه وقوادح الأدلة بإيراد البراهين
القطعية . فدارت بين الفقهاء الخلافيين مناظرات في أعيان المسائل
الفقهية المنسوبة إلى أئمتهم ، مما شحذ العقول ووسع المدارك وفتح
آفاقاً للتشريع والتنظير ، وفهم دقائق المشاكل الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية فهماً لم يتيسر لغير الفقه الإسلامي على
مدار تاريخ الإنسانية .
ولو لم تعترض طريق الأمة ، محنة انهيار نظم الحكم والمجتمع ، وتوقف
حركة العلم والفكر والاجتهاد ، لكان للفقه الإسلامي شأن في حياة
البشرية المعاصرة على اختلاف أديانها واتجاهاتها ومللها ونحلها .
ومع ذلك ، بأدنى مراجعة لتشريعات الغرب الحالية يتضح أن معظمها –
قوانين ومساطر إجرائية – ، متأثر بالفقه الإسلامي أصولاً وفروعاً
وقواعد ومناهج .
ونحن إذا ما استعرضنا مجالات الخلاف في الأحكام الشرعية
العملية المستنبطة وأسبابه ، على مدار مراحل التشريع المتعاقبة ،
ألفينا أنها لا تكاد تخرج عن صنفين من الأحكام :
·
صنف راجع إلى نصوص هي الأدلة النقلية كتاباً وسنةً وإجماعاً ، أو
حملاً عليها بالقياس .
·
صنف راجع إلى أمارات هي ما سوى الكتاب والسنة والإجماع والقياس ،
مثل الاستحسان والاستصحاب وسد الذرائع وفتحها والمصلحة المرسلة
والعرف، والعدول عن القياس الجلي الضعيف إلى القياس الخفي القوي ،
وما سوى ذلك من أمارات تكاد تصل الخمسين .
أما الصنف الأول فمن أهم أسباب الخلاف فيه :
- قطعية دلالة النصوص وظنيتها . فالنص قطعي الدلالة هو ما دل
على معنى متعين فهمه منه ، ولا يحتمل تأويلاً ، ولا مجال لفهم غيره
منه . والنص ظني الدلالة هو ما يكون محتملاً لأكثر من معنى واحد .
- النصوص الموهمة بالتعارض مثل أن يحكم الرسول صلى الله عليه
وسلم حكماً في حالة ، وحكماً آخر بالنسبة للمسألة ذاتها في حالة
أخرى . فيتوهم المجتهد التعارض ، ولا تعارض لاختلاف الحكمين
باختلاف الحالتين .
- منهج الفقيه في قبول أخبار الآحاد وسبرها ونقدها . فابن
حنبل مثلاً يستغني بخبر الآحاد ولو ضعيفاً عن القياس والرأي ،
ومالك يشترط موافقة الصحيح لعمل أهل المدينة ، والظاهرية يعتبرون
الآحاد قطعية توجب العلم اليقين في العقيدة والعمل .
- قد يبين الشرع طريقتين أو طرقاً لبعض التصرفات الشرعية ،
والأخذ بأيّ منها جائز . فيتوهم بعض المجتهدين تعارضاً بين هذه
الطرق .
- قد يكون الخلاف بسبب وقوع نسخ لم يعلم به الفقيه .
- قد يرد في الكتاب والسنة لفظ عام يراد به العموم ، وآخر عام
يراد به الخصوص ، وقد يرد بصيغة الخصوص فيبدو من ظاهر الألفاظ
التعارض ولا تعارض.
- كيفية تناول ألفاظ النصوص كتاباً وسنةً ، وتأويلها ، وتمييز
نصها من ظاهرها ومحكمها من مفسرها ، وخفيها من مشكلها ،ومجملها من
مبينها .
- الاختلاف في تعيين دلالات الألفاظ وهل هي بإشارة النص أو
مفهوم الموافقة أو الأولى أو الاقتضاء ، أو المخالفة ، أو مفهوم
اللقب ، أو الوصف ، أو الشرط ، أو الغاية ، أو من حيث دلالة الشمول
في اللفظ عاما وخاصا ، مطلقا ومقيدا، حقيقة ومجازا وكيفية تخصيص
العام بالمتواتر أو الآحاد أو القياس أو المصلحة.
- الخلاف العارض من جهة الاشتراك في موضوع اللفظة الواحدة أو في
أحوالها التي تعرض لها من إعراب وغيره، أو من حيث تركيب الألفاظ
وبناء بعضها على بعض.
وهذه الشمولية في مجال الاختلاف ليست عيبا في الفقه
الإسلامي . بل هي من مميزات كماله ومرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان
وحال . ومن خصائص شريعته الربانية ودينه الذي نسخ ما سبقه من
أديان ، ونبيه الذي ختمت به النبوة ، وأحكامه التي هي حجة للناس أو
عليهم إلى يوم القيامة .
أما الصنف الثاني : من الاستنباطات الفقهية الراجعة إلى ما
سوى الأدلة الأصلية ، كتاباً وسنةً وإجماعاً وقياساً ، فلابد في
أمره من أن نشير أولا إلى نموذجين لاختلاف طرق الاستنباط فيه،
نموذج متشدد وآخر أشد منه، وهما منهجا المذهبين الحنبلي والظاهري.
ذلك أن المذهب الحنبلي يعد أشد المذاهب الأربعة حرفية في
تناول الكتاب والسنة والإجماع ، وفراراً من الرأي والحيل الشرعية
والاستحسان ؛ حتى إن فقهاءه لا يقيسون إلا عند الضرورة ، ويفضلون
على القياس خبر الآحاد أو الخبر الضعيف . وأدلة الشرع عندهم ثلاثة
أضرب : أصل ، ومفهوم أصل ، واستصحاب حال . والأصل عندهم ثلاثة :
الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة . والكتاب عندهم ضربان : مجمل
ومفصل . والسنة ضربان : مسموعة من النبي
r ،
ومنقولة عنه . والمنقول عنه
r :
متواتر وآحاد ، قول وفعل .
أما المذهب الظاهري فيكتفي بأدلة الكتاب والسنة وإجماع
الصحابة، وينكر القياس والتقليد والاستحسان ، وسد الذرائع ، وعمل
أهل المدينة ، والمصالح المرسلة ، وما في حكم ذلك من الأمارات … ؛
وفقهاؤه يستندون في رفضهم لهذه الأدلة على ما فهموه من الكتاب
والسنة وإجماع الصحابة والمعقول .
فمن الكتاب قوله تعالى :
) وَلا
تَقْفُ ما لَيْسَ لَكِ بِهِ عِلْمٌ ( الإسراء
36 .
وقوله تعالى :
) يا
أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ
وَرَسُوْلِهِ (
الحجرات
1 .
وقوله تعالى
) وَأَنْ
تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُوْنَ (
الأعراف 33 .
ومن السنة : قوله
r :"
إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا
تعتدوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم
غير نسيان فلا تبحثوا عنها " .
وقوله
r
: " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك الذين من قبلكم
بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم . ما نهيتكم عنه فاجتنبوه
وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم " . الحديث الأول عن
أبي ثعلبة الخشني – ( جامع المسانيد والسنن 13/454 ) . والحديث
الثاني رواه البخاري ومسلم .
ومن الإجماع أن كثيراً من الصحابة قد ذم الرأي وسكت الباقون ،
فاعتبر هذا إجماعاً . وقد نقل عن أبي بكر - رضي الله عنه - قوله :
( أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي ) .
وقال عمر رضي الله عنه : ( إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ،
أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ) .
ومن المعقول عندهم أن الله تعالى ذم المنازعة والخلاف في
القرآن الكريم ، ونهانا عن الفرقة والتشتت فقال عز وجل :
)
أَنْ أَقِيْمُوا الدِّيْنَ
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيْهِ (
الشورى 13 . وصريح القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه
اختلافا كثيراً ، لأن الاختلاف سببه اشتباه الحق وعدم ظهوره ،
لانعدام العلم الذي يفرق بين الحق والباطل . والقياس يتضمن اشتباه
الحق وعدم ظهوره لأنه من غير الله ، فهو تشريع بشري ، والتحاكم
إليه تشريع بغير ما أنزل الله .
)
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّيْنِ ما لَمْ
يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ( .
الشورى 21 .
) اِتَّخَذُوا
أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُوْنِ اللهِ (
التوبة 31 . وقد سئل داود الظاهري : ( كيف تبطل القياس وقد أخذ به
الشافعي ؟ ) فقال : ( أخذت أدلة الشافعي في إبطال الاستحسان
فوجدتها تبطل القياس ) .
إن هذين الصنفين معا، الاجتهاد المستنبط من النصوص مباشرة، أو
بالاستناد إليها إجماعا وقياسا، والاجتهاد الراجع إلى ما سوى ذلك
من الأمارات المختلف فيها، لا سيما في القضايا المستجدة المعاصرة،
يمثلان أكبر معضلة تشريعية تواجه مشروع الدولة الإسلامية وتقتضي
سرعة البث والحسم فيها.
هاتان المعضلتان، المتعلقة أولاهما بضرورة تحيين الفقه الإسلامي
المبني على النصوص، وهو ما يمكن أن نطلق عليه ( منطقة التشريع
النصي )، والمتعلقة ثانيتهما بالاجتهاد خارج النصوص في مجال
التصرفات الفردية والتدبير العام أو ما يمكن تسميته ( منطقة الفراغ
التشريعي )، هما ما ينبغي تركيز الجهد عليهما لاستقصاء أمرهما،
وتجلية الغموض واللبس عنهما، وذلك فحوى المبحثين التاليين بإذن
الله تعالى.
المبحث الرابع
منطقة التشريع النصي:
دولة إسلامية جامعة أم دولة مذهبية قامعة؟
يعني التشريع النصي الأحكام التي تستنبط من النصوص أو تحمل عليها
بالقياس والإجماع ، أو بالاعتماد على مختلف الأمارات والقواعد
الفقهية، وضروب السياقات اللفظية ومفاهيم الموافقة والمخالفة
وغيرها...
هذه الثروة التشريعية التي ندر مثلها، تنظم في إطار الأحكام
الخمسة( إيجابا وتحريما وكراهة وندبا وإباحة) مساحات شاسعة من
العبادات والمعاملات والعلاقات والسلوكيات الفردية والجماعية،
وقوانين التجارة والاقتصاد والقضاء والحروب، وهو ما يجعل الفقه
الإسلامي أكثر قابلية للحياة المتجددة عبر الحقب، إذا تتبعته
بالتطوير والتشذيب والتهذيب عقول نيرة وأفئدة صادقة مخلصة.
إلا أن هذا التشريع تعتوره حاليا شوائب متعلقة بالخلاف بين المذاهب
أولا، والاختلاف داخل المذهب الواحد ثانيا، مما يجعل العمل ببعض
بنوده في شكله الحالي محل نظر إذا ما أريد تطبيقه في دولة إسلامية
جامعة، ذات تعددية مذهبية ومرجعيات دينية مختلفة؛ حينئذ يثار أخطر
سؤال متعلق بهوية هذه الدولة والغاية من التشريع فيها، وهل يشرع
فيها لدولة مذهبية كما كان الشأن في الخلافة العثمانية الحنفية، أم
لدولة إسلامية جامعة؟
إن التمزق المذهبي والطائفي الحالي بين المسلمين لا يؤدي أصوليا
وفقهيا وتشريعيا إلا إلى دولة مذهبية أو طائفية، وهو ما نراه حاليا
على صعيد أقطار إسلامية كثيرة في مقدمتها الجمهورية الإيرانية
الإمامية والمملكة العربية السعودية الحنبلية، والمغرب المالكي.
هذه المعضلة تنتصب عائقا في أغلب حالات التشريع النصي، تنتصب في
مجال الاجتهاد وميدان القضاء وساحة الفتوى، وفضاءات تدبير الشأن
العام، كما يذر قرنها عند التقعيد للأصول والفروع ومناهج
الاستنباط، وأحكام العبادات والمعاملات.
هذه الإشكالية هي التي حملت حكاما أقدمين( مماليك مصر والشام مثلا
) على اتخاذ قاض لكل مذهب في كل ولاية، ومنبر للصلاة خاص بكل
طائفة، فكان الحرم المكي حينئذ تعاد فيه الصلاة الواحدة بعدد
المذاهب الوافدة إليه، مالكية وحنبلية وشافعية وحنبلية وإمامية
وإباضية....
نفس الإشكال يبرز بحدة في مجال التشريع النصي لدى الدولة الإسلامية
الجامعة متعددة المذاهب، إذ يتعذر الاتفاق على حكم واحد لكثير من
القضايا الخلافية التي يراد التشريع لها، لأن مصادر الخلاف
والاختلاف تتجلى في كافة مفاصل التشريع المذهبي:
تتجلى أولا في مناهج التعامل مع القرآن الكريم وتفسيره،لا سيما وقد
اتخذ كل مذهب من فهمه للقرآن أداة لنقض اجتهادات غيره ، ملتمسا
الحجة التي تؤيد رأيه وتعزز اجتهاده، فاتسعت شقة التنافي بين
التشريعات، ونشأ بين المدارس التشريعية الإسلامية ما يمكن أن نطلق
عليه مصطلح " التهادم التشريعي "؛ وصار لكل مذهب تفسيره التشريعي
الخاص به لا يرجع معه إلى غيره:
للحنفية من تفاسيرها التشريعية " أحكام القرآن " لأبي بكر أحمد بن
على الرازي الجصاص.
وللمالكية " أحكام القرآن " لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي
المعافري الإشبيلي.
وللحنابلة " الإكليل في المتشابه والتنزيل" لأحمد بن تيمية.
وللشافعية " أحكام القرآن " لأبي الحسن الطبري ( الكيا الهراسي) .
وللزيدية "منتهى المرام في شرح آيات الأحكام" لمحمد بن الحسين بن
القاسم.
وللجعفرية "كنز الفرقان في فقه القرآن" للمقداد السيوري.
وللإباضية تفسير كتاب الله العزيز للشيخ هود بن المحكم الهواري
أما مجال الحديث النبوي فالاختلاف فيه أكثر من أن يحصر، وعلى رغم
أن جهابذة من العلماء قد حرروا غوامضه ودقائقه، وأفذاذا من
المحدثين في كل عصر قد بذلوا من الجهود المضنية ما قربه للإفهام
وميز أسانيده صحيحها من عليلها، وقويها من سقيمها، فإن الخلاف فيه
ما زالت شقته متسعة، والأحكام التشريعية المستندة إلى كثير من
نصوصه لدى المذاهب مختلفة متهادمة تأصيلا وتفريعا.
أنا لا أزعم لنفسي حق نقض هذه الاجتهادات المتعارضة، ولا القدرة
والجرأة على ذلك، فكل مجتهد إن صدقت نيته له أجره مصيبا أو مخطئا،
كما ورد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، لكن الهدف من الإشارة إلى
هذه الحالة التشريعية هو التنبيه إلى تأثيرها في نظام الدولة
الإسلامية الجامعة.
كذلك زاد اختلاف طرق الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة، أمر التشريع
النصي إشكالا وتعقيدا.
فقد كان الإمام مالك يسير على نهج خاص به في الأخذ من الكتاب
والسنة بالاستناد إلى عمل أهل المدينة والإجماع، وعلى ما اشترطه في
رواية الحديث من ضرورة أن يصحبه عمل، وألا يخالف عمل أهل المدينة،
وعلى قبوله المرسل ، مرسل التابعي وتابعي التابعي بإطلاق.
أما الإمام أبو حنيفة فمنهجه الكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة،
فإن لم يجمعوا تخير من آرائهم لا يخرج عنها، ولا يأخذ برأي التابعي
وتابعي التابعي لأنه يراهم رجالا مثله، كما كان له أسلوبه في الأخذ
بالقياس والاستحسان واعتبار العام قطعيا لا يخصصه إلا قطعي أو خبر
مشهور، فإن خصص بأحدهما صار ظنيا، أما أحاديث الآحاد فكان يشترط
فيها إلى جانب الثقة بالراوي وعدالته ألا يخالف عمله روايته، كشأن
رده رواية أبي هريرة في الكلب إذا ولغ في إناء أحد أن يغسله سبعا
إحداهن بالتراب، لأن الراوي أبا هريرة كان لا يعمل به، أما المرسل
فمقبول عنده سواء كان مرسلا للتابعي أو تابعي التابعي.
أما الإمام الشافعي الذي هو أول من صنف قواعد الاستنباط ورتبها
ورسم معالمها، فقد كان يرد الاستحسان ولا يأخذ بالمصالح المرسلة،
ويعد العمل بهما تشريعا بغير ما أنزل الله، ولا يأخذ من أخبار
الآحاد إلا ما استوفى شروط الرواية الصحيحة، ويشترط في المرسل أن
يكون تابعيه قد لقي كثيرا من الصحابة كسعيد بن المسيب في المدينة
والحسن البصري في العراق، ولا يأخذ مرسل تابعي التابعي.
أما المذهب الحنبلي فيتميز بالتشدد والحرفية في تناول الكتاب
والسنة والإجماع، والفرار من الرأي والحيل الشرعية والاستحسان،
واجتناب القياس إلا عند الضرورة القصوى، وتفضيل أخبار الآحاد ولو
ضعيفة على القياس.
أما المذهب الظاهري فهو أكثر المذاهب تشددا في منهج الاستدلال،
لأنه لا يعتمد إلا على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وينكر القياس
والتقليد والاستحسان وسد الذرائع وعمل أهل المدينة والمصالح
المرسلة، ويكثر من الاستصحاب وإبقاء الشيء على ما كان عليه ما لم
يرد نص.
فإذا أضفنا إلى هذه المعضلة، أخرى هي اختلاف الأحكام التشريعية
داخل المذهب الواحد ما بين أقوال مؤسسه وأقوال فقهائه ومجتهديه،
ازدادت شقة الابتعاد عن الوحدة التشريعية اتساعا.
ولئن سعى كل مذهب إلى محاولة وضع مقاييس للترجيح بين الآراء داخله،
فإن الإجماع على رأي واحد بقي متعذرا لا يحسم أمر الوحدة
التشريعية مطلقا، ولو على صعيد المذهب الواحد.
وإذا ما اتخذنا من المذهبين المالكي والحنفي مثالين لهذا الموضوع ،
تأكد لدينا ما نذهب إليه في هذا الأمر.
ذلك أن
الترجيح بين الأقوال والروايات والآراء داخل المذهب المالكي معقد
ولا يحسم بمجرد الاعتماد على قول
مالك وحده أو
ابن القاسم
تلميذه ،
برغم فضل
التلميذ
ولزومه مالكاً رضي الله عنه ما يزيد عن عشرين سنة ، وعدم مفارقته
إياه حتى وفاته ، وعلمه بالمتأخر والمتقدم من أقواله . إذ لابد أن
يميز في القضية بين حال المرجح المقلد وحال
المرجح المجتهد ، وبين
ما إن ورد عن مالك قولان أو ثلاثة ولا يعلم المتقدم والمتأخر
منها ، وهل الترجيح بالنظر أو بالأثر …
الخ . وعلى كل ، فإن ما صار عليه شيوخ المذهب أن المسألة إن كانت
ذات أقوال وروايات ، فالفتوى بقول مالك رضي
الله عنه ، فإن اختلف الناس في مالك فالقول ما قاله ابن القاسم .
إلا أن هذا ليس على الإطلاق ، فقول مالك في المدونة أولى من قول
ابن القاسم فيها لأنه إمامه . وقول ابن القاسم في المدونة أولى من
قول غيره فيها لأنه أعلم بمذهب إمامه . وقول غيره في المدونة أولى
من قول ابن القاسم في غيرها نظراً لصحتها ،
والمنهج المتبع عنده في القضاء،
كتاب الله تعالى ، فإن لم
يجد فسنة النبي
صلى الله عليه وسلم
التي صحبها العمل ، فإن كان خبراً صحبت غيره الأعمال قضى بما صحبته
الأعمال . وكذلك القياس عنده مقدم على أخبار الآحاد،
فإن لم يجد في السنة شيئاً نظر في أقوال الصحابة فقضى بما اتفقوا
عليه فإن اختلفوا قضى بما صحبته الأعمال من ذلك ، فإن لم يصح عنده
أن العمل اتصل بقول بعضهم تخير من أقوالهم ولم يخالفهم جميعاً .
وكذلك الحكم في إجماع التابعين ، وكل إجماع ينعقد في كل عصر . فإن
لم يكن إجماع قضى القاضي باجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد ، فإن
كان مقلداً على مذهب من يرى تولية المقلد القضاء ، يلزمه المصير
إلى المشهور ، أو ما جرى به القضاء والفتيا في المذهب . على اختلاف
في تعريف المشهور ، وهل هو الأشهر أو غيره ، وهل هو ما قوي دليله
أو هو ما كثر قائله ، وهل هو ما شهره المغاربة والمصريون ، أو ما
شهره العراقيون .
أما في المذهب الحنفي فقد قسموا المسائل الفقهية إلى ثلاث طبقات ،
يختار منها الفقيه عند التعارض ما هو من الدرجة العليا ، ولا يرجح
الدنيا :
الطبقة الأولى :
مسائل الأصول ، وهي مسائل ظاهر الرواية المروية عن أبي حنيفة
وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن . وكتب ظاهر الرواية ستة ، هى كتب
محمد : المبسوط ، الجامع الصغير ، الجامع الكبير ، السير الكبير ،
السير الصغير ، الزيادات . جمعها الحاكم الشهيد في كتابة " الكافي
" الذي شرحه السرخسي في " المبسوط " .
و الطبقة الثانية :
هى مسائل غير ظاهر الرواية ، التي رويت عن الأئمة الثلاثة ، في غير
كتب الأصول (كتب ظاهر الرواية) . مثل كتب محمد : الكيانات التى
جمعها لرجل يسمى كيان . والجرجانيات التى جمعها في جرجان .
والهارونيات التى جمعها لهارون . والرقيات التي جمعها حين كان
قاضياً بالرقة . أو كتب غير محمد كالمجرد للحسن بن زياد . ونوادر
ابن سماعة . ونوادر هشام . ورستم وغيرهم .
الطبقة الثالثة :
وتسمى الفتاوى ، أو الواقعات . وهي مسائل استنبطها المتأخرون من
أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهم مثل : النوازل لأبي الليث ،
و الواقعات للناطفي ، وفتاوى قاضى خان
… الخ .
والمعتمد في المذهب قول أبي حنيفة أولاً ، ثم قول أبي يوسف ، ثم
قول محمد ، ثم قول زفر ، ثم الحسن بن زياد . فإن خالف الإمام
صاحباه فالخيار للمجتهد . وقيل الترجيح بقوة الدليل .
وفي مجال القضاء عندهم إن اتفق الثلاثة (أبو حنيفة ومحمد وأبو
يوسف) . لا ينبغي للقاضي أن يخالفهم ، لأن الحق لا يعدوهم . وإن
اختلفوا ، قال عبد الله بن المبارك : يؤخذ بقول أبي حنيفة رحمه
الله ، لأنه كان من التابعين وزاحمهم في الفتوى . وقال المتأخرون
من الشيوخ : إذا اجتمع اثنان منهم ، وفيهما أبو حنيفة يؤخذ
بقولهما ، وإن كان أبو حنيفة في جانب والآخران (محمد وأبو يوسف) في
جانب، فالقاضي المجتهد يتخير في ذلك . فإن لم يكن من أهل الاجتهاد
يستفتي غيره من المجتهدين .
ويزداد الأمر تعقيدا إذا كان مذهب القاضي غير مذهب الإمام، فتطرح
قضية شرعية القاضي وشرعية أحكامه، ولكل مذهب رأي في ذلك، لاسيما
إذا اشترط الإمام على القاضي أن يحكم بمذهب معين، فيكون العقد
والشرط باطلين لدى شيوخ المالكية، لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد
الذي هو الحكم بالحق كما يراه القاضي، وعند أهل العراق تصح الولاية
ويبطل الشرط.
إن هذا الارتباك التشريعي الذي تواجهه الدولة الإسلامية الجامعة
تظهر آثاره الخطيرة جلية في كثير من الأحكام الشرعية التي يمكن أن
تصوغها وتلزم بها ، لاسيما المتعلقة منها بالدماء والأموال
والحقوق.
فمن عزره القاضي مثلا فمات في تعزيره يكون دمه هدرا عند أبي حنيفة
، ويكون الضمان على الإمام عند الشافعي.
والرجل إذا قتل لقيطا يستوفي الإمام من قاتله القصاص عند أبي
حنيفة، ولا يستوفى منه عند الشافعي.
والمرأة إذا زنت بصبي أو مجنون لا حد عليها عند أبي حنيفة ويقام
عليها الحد عند غيره.
وأموال الأيتام ليس عليها زكاة عند أبي حنيفة، وتزكى عند غيره.
وفي حال غيبة الزوج عن زوجته يؤقت مالك للغائب بأربع سنوات ، ثم
تطلق عليه الزوجة . أما أبو حنيفة فلا يفرق بين الزوج وزوجته
بالغيبة ، لقوله
صلى الله عليه وسلم
في أرملة المفقود : " إنها
امرأته حتى يأتيها البيان " ولقول علي رضي الله عنه : ( هي
امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق ) . ، ولأن القضاء على
الغائب وللغائب لا يجوز.
وشهادة الأطفال تقبل في الجراح والقتل ولا تقبل في الأموال لدى البعض،
ولا تقبل عند غيرهم في الجميع ، والمالكية في ذلك على ثلاثة
أقوال : الجواز لمالك ، والمنع لابن عبد الحكم ، والجواز في الجراح
دون القتل لأشهب ، وعند ابن أبي ليلى تجوز في الجراحات وتمزيق
الثياب التي تكون بين الأطفال في الملاعب ما لم يتفرقوا . والمنع
الأصل . وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة . والجواز لعله للاضطرار، إذ
لو لم تقبل شهاداتهم لأدّى ذلك إلى هدر جنايات كثيرة، والقول
بالجواز مقيد بأحد عشر شرطاً مفصلة في كتب فقه المالكية . وعن أحمد
رواية أنها لا تقبل ، ورواية أنها تقبل في الجراح إِذا كان الأطفال
اجتمعوا لأمر مباح ، وقبل أن يتفرقوا . ورواية ثالثة أنها تقبل في
كل شيء.
وحق قبض زكاة الأموال الظاهرة للإمام حصرا عند أبي حنيفة، فإن بادر
صاحب المال بإعطائها إلى الفقراء كان للإمام أخذها منه ثانية، وعند
الشافعي ليس للإمام ذلك.
وفي الشهادة على الخط داخل المذهب
المالكي خلاف كبير،
فقد روي عن مالك جوازها ، كما روي عنه أنها لا تجوز . والجواز هو
المعمول به في المذهب . والمنع خوف الاشتباه بين الخطوط، وقال ابن راشد : " الشهادة على الخط حصل فيها
حاسة البصر وحاسة العقل ، فالبصر رأى خطاً فانطبع في الحاسة
الخيالية ، والعقل قابل صورته بصورة ذلك الخط ، يعني خط الرجل الذي
رآه يكتب غير مرة حتى انطبعت صورة خطه في مرآته . . . الخ " .
كما
اختلف علماء المذهب فيما تجوز فيه الشهادة على
الخط ، ذهب بعضهم إلى أنها لا تجوز في طلاق ، ولا عتاق ، ولا
نكاح ، ولا حد من الحدود ، ولا في كتاب القاضي إلى القاضي بالحكم ،
ولا تجوز إلا في الأموال خاصة . وحيث لا تجوز شهادة النساء ولا
اليمين مع الشاهد لا تجوز الشهادة على الخط . وحيث يجوز هذا يجوز
هذا . وقال ابن راشد " وهذه التفرقة لا معنى لها ، والصواب الجواز
في الجميع "
.
إن الاختلاف في استنباط الأحكام لم يكن في بداية ظهوره سببا في
النزاع أو الفرقة والانقسام، بل كان عبادة ووسيلة إلى البحث عن
الحق، ثم صار مرآة تنعكس عليها مبادئ الإسلام التي تكرس السماحة
والمرونة وقواعد الحرية الفكرية والحوار المنتج، إلا أنه مع ما آل
إليه أمر المجتمع الإسلامي من تخلف، أضحى إسفينا لشق الوحدة وبث
الفرقة والتنازع، وبدأت آثاره السلبية تهيمن على الحياة الفكرية
والتشريعية، وتعوق عملية توحيد الأمة على منهج رشيد واحد وقيام
دولتها الجامعة.
إن انتماء الدولة ذات التعددية المذهبية في شعبها، إلى مذهب واحد
معين، له من المخاطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يتعذر
حصره وإحصاؤه وتلافيه، كما أن التخلص من المذهبية ليس قضية هينة أو
علاجا لمرض عابر، ولكنه مطلب إنقاذ لكامل الأمة وركيزة قيام لأمرها
الجامع.
ذلك لأن التمزق المذهبي وما ينشأ عنه من طائفية، يفرز في كل زمان
ومكان عوامل مزمنة للتفتيت والتقسيم والتناحر على جميع الصعد:
- على صعيد المشاعر السلبية النفسية والاجتماعية التي تتحول بها كل
طائفة إلى كيان منعزل عن المجتمع، رافض له، مخرب لجميع وشائجه
وعلاقاته الإنسانية.
- وعلى صعيد التنافي المتعسف في مجال أحكام العبادات والمعاملات
والتشريعات، ليصبح كل مذهب دينا مستقلا عن بقية المذاهب الأخرى.
- وعلى صعيد التناحر السياسي بين النخب والزعامات المذهبية التي
تستثمر المشاعر السلبية والتنافي الفقهي لتكريس مواقعها وسلطتها،
وتوظيف ذلك للأهداف الشخصية، ولتخريب الوحدة الوطنية تحت غطاء
الدفاع عن المذهب وطائفته.
- وعلى صعيد استثارة صراعات جانبية أخرى، قومية وعرقية وطبقية كانت
نائمة، تستيقظ فتتحول بها الأمة إلى شظايا، والمذاهب نفسها إلى
عرقيات، عرب سنة، و بربر سنة، وأكراد سنة، وتركمان سنة، وشيعة عرب
وشيعة فرس وشيعة أفغان وشيعة أكراد...
- وعلى صعيد الولاء للأمة ودولتها الجامعة، فتنشأ عن الوضع إحدى
حالتين: أولاهما لجوء بعض المذاهب ردا على ما ينالها من ظلم وتهميش
وإقصاء إلى الاستقواء على الدولة الجامعة بالقوى الأجنبية، كما حدث
في حالات تاريخية سابقة، وكما يحدث حاليا من استقواء بعض الحركات
الدينية والمذهبية بالأجنبي على دولها العلمانية والقومية الظالمة.
وثاني الحالتين أن تحاول الدولة المذهبية الحاكمة تصفية الأقليات
المذهبية أو قمعها وترويضها، فتتهمها بالخيانة وترميها بالتآمر
وممالأة الأجنبي، وضعف الولاء للأمة والوطن والدين، وهذا ما له
شواهد من التاريخ الماضي والواقع الحالي.
- وعلى صعيد أمر الدين الإسلامي نفسه، إذ بمجرد ما اكتشف
العلمانيون المعاصرون قوميين ولبراليين وماركسيين هذه الثغرة في
واقع المسلمين، سارعوا إلى توظيفها للسيطرة على الدول الإسلامية،
وفرض نظم لائكية، استبعدت الدين عن الدولة، ومهدت لتسيب عقدي خطير
وردة عظيمة مردية.
إن الإشارة في هذا المبحث إلى مخاطر المذهبية وأثرها على وحدة
الأمة وثقافتها وقوتها ومنعتها وسلامة أرضها، ليست هي صلب الموضوع
الذي نحن بصدد بحثه، فهذه المخاطر أكبر من أن تحيط بها إشارة
استطرادية في سياق غير سياقها؛ وما التعريج عليها حاليا إلا لعرض
عوائق قيام الدولة الإسلامية الجامعة، والبحث عن علاج ناجع يرجع
إليه لحل إشكاليات التشريع النصي وتنافيه المذهبي، وهو ما يمكن أن
نطلق عليه" تنازع الأحكام الشرعية داخل الدولة متعددة المذاهب ".
ولعل من المؤسف حقا أن نعترف بأنه لم يكن لدينا منذ سقوط الخلافة
الراشدة إلا نموذج واحد لحل هذه المعضلة، نموذج الدولة المتعسفة
التي تفرض مذهبها على المذاهب الأخرى بواسطة النطع والسيف، ولا
تترك لها إلا الخضوع المذل أو الثورة الدموية. وذاك ما عرفته
الدولة العباسية في بغداد، والصفوية الشيعية في إيران، والعثمانية
الحنفية في تركيا والفاطمية الشيعية في مصر والسعودية الحنبلية في
الجزيرة العربية.
نحن هنا لسنا بصدد محاكمة مناهج هذه الدول ومحاولاتها تصفية
التعددية المذهبية في محيطها وساحاتها، وطرقها في التوحيد القسري
للأمة، لأن نتائج تصرفاتها تلك، وإفرازات شططها وتعسفها، هي ما
يحاكمها حاليا ويبين لها ما عميت عنه أو تغابت عن فهمه.
ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن هذه الأقليات المذهبية والطائفية
في الوطن الإسلامي حاليا، هي السلاح التدميري الأشد خطورة، الذي
تمسك به قوى العدوان الأجنبي ، وتستخدمه جحافل الغزو في العراق
واليمن والجزيرة وأفغانستان وغيرها.
ليس لنا مفر من الاعتراف بشذوذ مناهجنا السياسية منذ سقوط الخلافة
الراشدة، عن قواعد الإسلام، ومبادئ الإنسانية الرشيدة، وقيم
العدالة والحرية والمساواة، وهذا يجعلنا بين خيارين لا ثالث لهما،
خيار مواصلة " السقوط الحر " الحالي في هاوية من التخلف لا قرار
لها، أو خيار النهوض لمدارسة الكتاب والسنة من جديد وصياغة منهج
سياسي لتدبير الشأن العام، يباركه الله عز وجل ويرضى به وعنه ساكن
الأرض.
وليس لنا حاليا - حسب رأيي – إلا منهجان أحدهما جذري، تحول دونه
عوائق وحواجز وسدود يفتقر اقتحامها إلى شدة مراس وإصرار على
النجاح، وطائفة متمكنة في العلم قادرة على تحدي الصعاب. وثانيهما
مرحلي يقوم به رجال منكرون لحظوظ دنياهم متنكرون لهوى أنفسهم.
·
أما الجذري فالمبادرة بحركة علمية مثابرة لا تتوانى، يقوم بها نخبة
من العلماء الذين يجمعون بين الكتاب والسنة ومختلف علوم العصر
سياسة واقتصادا واجتماعا، ينتمون إلى جميع المذاهب الإسلامية،
مالكية وحنبلية وحنفية وشافعية وإمامية وإباضية، في مجلس علمي
متفرغ تفرغا تاما لمهمة توحيد التشريع المذهبي الخاص بتدبير الشأن
العام، على أساس:
·
تحديث وتوحيد مفاهيم المذاهب كلها لآيات الأحكام.
·
تحديث وتوحيد مفاهيم المذاهب كلها لأحاديث الأحكام.
·
تحديث وتوحيد طرق استنباط الأحكام الشرعية وتحديد مدى الاعتماد على
الأدلة المختلف فيها والتعبد بها.
·
إعادة تصنيف نصوص السنة النبوية الصحيحة والحسنة سندا ومتنا، لدى
جميع المذاهب حسب مرتبة إجماعهم عليها:
- مرتبة الأحاديث التي تجمع على صحتها المذاهب الستة.
- مرتبة الأحاديث التي تجمع على صحتها مذاهب خمسة.
- مرتبة الأحاديث التي تجمع على صحتها مذاهب أربعة.
- مرتبة الأحاديث التي تجمع على صحتها مذاهب ثلاثة.
- مرتبة الأحاديث التي يجمع على صحتها مذهبان.
- مرتبة الأحاديث الصحيحة لدى مذهب واحد.
ويبقى في نهاية المطاف بعد تحقيق هذه المرحلة من التحديث والتوحيد
التشريعي، سؤال محوري مهم وخطير يتعلق بالدولة التي تبادر بتطبيق
محصلة هذا الجهد، وتقيم به أمر الإسلام الجامع.
لكن شعار العقل المؤمن دائما هو أن على المرء دائما أن يعمل، والله
عز وجل فعال لما يريد (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ
تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) الواقعة 63- 64.
أما الحل الثاني المرحلي، فتقوم به دولة إسلامية صادقة ولو كانت
مذهبية، تنذر نفسها لمهمة تجاوز المذهبية التشريعية على مراحل جادة
ومتأنية:
·
تعترف أولا بالتعددية المذهبية داخل المجتمع الإسلامي كحالة
واقعية، وتصون بذلك عمليا جميع حقوق المذاهب حرية وتشريعا وفقها
ومشاركة في اتخاذ القرار السياسي ضمن الفضاءات الشوروية الإسلامية
المعتمدة.
·
تقر كل ولاية على مذهبها، وتعطيها حق التشريع المذهبي بما لا
يتعارض مع وحدة الدولة وأمنها العام وتماسك مجتمعها.
·
تؤسس على مستوى التراب الوطني مجلسا علميا مركزيا للرقابة
التشريعية، يمثل جميع ولايات الدولة، مهمته مراجعة التشريعات
المذهبية المحلية الصادرة، والبث في مدى قرآنيتها، والفصل في قضايا
تنازعها، وما يستتبع ذلك من خلافات سياسية واقتصادية واجتماعية
وجنائية...
·
تؤسس مجلسا علميا من جميع المذاهب موازيا لمجلس الرقابة التشريعية،
مهمته الإعداد علميا وعمليا لمرحلة تجاوز المذهبية في مجال تدبير
الشأن العام، وهي المهمة التي أشير إليها آنفا تحت عنوان " الحل
الجذري ".
المبحث الخامس
منطقة الفراغ التشريعي
لتوضيح ما نذهب إليه في هذا الأمر نضرب الأمثلة الأربعة التالية:
- إذا ما رفعت إلى المحكمة قضية للفصل فيها، فإن نصوص الشرع
الصريحة تلزم القاضي بالنطق بالحكم، وعدم قيامه بذلك أو امتناعه عن
استيفاء الحقوق لمستحقيها كتمان للعدل، تحريمه بالكتاب والسنة
والإجماع لم يخرمه خارم.
لكن إذا كانت القضية المعروضة على القاضي ذات وجهين مثلا، وجه
جنائي وآخر تجاري، فحكم في أحد وجهيها، ودفع في الوجه الثاني بعدم
الاختصاص، هل يعد هذا الفعل منه مخالفة شرعية وكتمانا للحق ورضوخا
للقانون الوضعى؟
- كذلك إلزام الدولة مواطنيها باتباع مسطرة إجرائية للتقاضي في
المحاكم، كضرورة تحرير الشكوى في ورق رسمي وأداء رسوم مالية نظير
تسجيلها، وإيداعها لدى مكتب خاص غير مكتب قاضي النازلة، وكل ذلك
غير مشمول بنصوص الشرع صراحة أو تأويلا، ولكنه تنظيم إداري محض
لشكل ممارسة التقاضي، فهل يعد الامتثال لهذه المسطرة تحاكما إلى
قوانين وضعية محرمة أو امتثالا لشرع من حق الدولة وضعه، ويحرم على
المواطنين مخالفته؟
- وعندما تصدر الدولة مثلا، أمرا بمنع صيد البر والبحر في فصول
التوالد، هل يعد هذا الأمر مخالفا للشرع الذي أباح الصيد بقوله
تعالى (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ) المائدة 2، وقوله
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ
وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا
دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ ) المائدة 96. وهل يجب على المرء الامتثال لأمر الدولة
أم يجوز له التمتع بما أباحه الشرع؟
والوقوف بالسيارة عند الإشارة المرورية الحمراء حتمي في إطار
التنظيم المدني للحياة، وعدم الوقوف عندها مخالفة، إلا أن هذا
الإلزام سلبا وإيجابا لا يعد أمرا دينيا إلا بتأويل، فإن نتج عن
المخالفة ضرر غير مقصود تدخلت النصوص الصريحة لرفع الضرر.
هذه الأمثلة الأربعة توضح ما نحن بصدده:
في المثال الأول يجمعون على صواب نطق القاضي بالحكم في الوجه الأول
للقضية ، وعلى تخطئته في الامتناع بعدم الاختصاص في الوجه الثاني،
إلا ما كان من المالكي الذي قد يتردد بين التأثيم للامتناع،
والإقرار للمصلحة المرسلة. ولئن كان تعارض امتناع القاضي عن الحكم
لعدم الاختصاص مع أحكام الشرع مجرد تعارض شكلي، لأنه في الجوهر
إحالة للقضية إلى قضاء آخر متخصص، فإن هذا المثال يثير إشكالية
تعارض متوهم لظواهر النصوص مع بعض النظم الإجرائية.
وفي المثال الثاني المتعلق بمسطرة التقاضي يرى الحنبلي ذلك بدعة
وزيادة في الدين، وأكلا لأموال الناس بالباطل، ويراه الحنفي حقا من
حقوق ولي الأمر، ويقبله المالكي للمصلحة المرسلة، أما الشافعي فهو
لديه بدعة وأكل للسحت وإضافة للدين غير مشروعة.
وفي المثال الثالث الخاص بتعارض الإباحة بنص الكتاب مع أوامر
الدولة بالمنع، لا يرى الحنبلي والشافعي أصلا لأمر الدولة في
الشرع، لكن المالكي لا ينكره استصلاحا والحنفي يجيزه استحسانا.
وفي المثال الرابع تنظيم إجباري لأمر يستصحب الإباحة الأصلية وهو
السير في الطرقات، يراه الظاهري حكما بغير ما أنزل الله، وتحريما
لما أباحه، ويراه المالكي واجبا للمصلحة المرسلة وسدا للذريعة،
ويراه الحنفي استحسانا مقبولا.
هذه الأمثلة وغيرها مما لا يكاد يحصى، تبرز في كثير من أوجه النشاط
الإنساني المعاصر، مما لا توجد له نصوص شرعية حاكمة في الكتاب
والسنة أو فيما يحمل عليهما بالقياس والإجماع، إلا إذا تدخلت مثلا
بنوع من التأويل أدوات للاستنباط مختلف فيها، كالاستصلاح المالكي
والاستحسان الحنفي والاستصحاب الظاهري. بل قد لا نجد لها من أدوات
الأصوليين ما يشفي الغليل.
هذا المجال التدبيري في حياة الدولة والأفراد هو ما نطلق عليه
مصطلح " منطقة الفراغ التشريعي "، وهو ما نحن بصدد توضيح أمره.
ولئن كانت جميع القوانين الوضعية قد عرفت هذا الميدان التشريعي
ووضعت لإشكالاته حلولا وأحكاما، بحيث إذا لم يوجد في القانون
الجنائي مثلا نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضى بانعدام الجرم
المستحق للعقوبة ، بناء على مبدأ " لا جريمة ولا عقاب إلا بنص" ،
وإذا لم يوجد في القانون المدني كذلك نص حكم القاضي بمقتضى مبادئ
الشريعة إن وجدت، ثم بمقتضى العرف إن وجد، ثم بمقتضى مبادئ القانون
الطبيعي وقواعد العدالة إن وجدت، فإن مصطلح " الفراغ التشريعي"
مستحدث في ساحة الاجتهاد الإسلامي المعاصر، وإن كان العمل بمقتضاه
قد عرفه الصحابة رضي الله عنهم عقب وفاة الرسول صلى الله عليه
وسلم، وعالجه الفقهاء من بعدهم على مر العصور تحت مسميات مختلفة.
ذلك أن الشريعة الإسلامية قد حددت أحكاما ثابتة مستندة إلى نصوص
الكتاب والسنة، في وقائع وأحداث وحالات وقضايا معينة، وتركت أحوالا
أخرى شاغرة لم تحدد لها أحكاما، وأذنت للأمة في التشريع لها بما
يناسب ظروفها ومصلحتها وخط سيرها، وبما لا يتنافى أو يتعارض مع
ثوابت الدين عقيدة وشريعة ونظام حياة، كما هو الشأن في قضايا
معاصرة من النشاط التجاري والاقتصادي والسياسي والإداري والصناعي
والاجتماعي والزراعي والطبي والثقافي، تعاملا مصرفيا وتأمينا
تجاريا وشخصيا وعلاقات سياسية داخلية وخارجية وقوانين إدارية
ونقابية وحزبية وضبطا لشؤون الملكية الفكرية والقرصنة الصناعية
والتقنية والجمركية...
ولئن كان الاجتهاد في مجال ثوابت الأحكام النصية مبنيا على
الموازنة بين الأقوال والأدلة، والترجيح بينها والانتقاء منها
والاختيار فيها، بما يراه المجتهد أقوى حجة وأقوم حكما، فإن
الاجتهاد في منطقة الفراغ التشريعي يعد عملا إنشائيا إبداعيا، لأنه
ورد في ما لا حكم ثابت للشرع فيه، أي في منطقة العفو، طبقا لما
أخرجه أبو داود عن ابن عباس قال:( كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء
ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم،
وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال وما حرم
فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو ) وتلا ( قل ما أجد فيما أوحي إلى
محرما...) إلى آخر الآية.
وسواء كان موضوع القضية من هذا الصنف قد أنشأ له بعض القدماء حكما،
أو طرح حديثا لأول مرة على مائدة البحث والاستنباط، فإنه دائما محل
اجتهاد متجدد ومتغير بتغير الظروف والأحوال تبعا للقاعدة الفقهية "
لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ".
وسواء كان الأمر متعلقا بإنشاء أحكام جديدة في المباحات من أنشطة
الناس وتصرفاتهم، أو بما يستجد مما لم يعرف من قبل ولم يكشف الوحي
كتابا وسنة عنه رحمة وتوسعة وإفساحا لحرية الاختيار فيما تقتضي
الحياة تكييفه وتنظيمه وتطويره، فإن ذلك كله من مجالات منطقة
الفراغ التشريعي.
إن هذه القضايا المتعلقة بهذا الصنف من الاستنباط من غير الأدلة
الأصلية ، حقيقة واقعة في المجتمع ، حدثت وتحدث ، ويتجدد شبيه لها
ومخالف لها في كل عصر . والفقه الإسلامي واحد في هدفه ومواضيعه .
ينبع من أصل واحد هو الكتاب والسنة . إلا أنه يتأثر بالبيئة التي
يعمل فيها ، تجارية أو سياسية أو اجتماعية ، سلماً أو حرباً . ولا
بد من تنظيم حياة الناس في هذا المجال ، واستحداث حلول تساير
النشاط البشري دفعاً للتظالم ، وتحقيقاً للعدل والسلم ، وتوفيراً
لظروف تساهم في رقي الأمة ونهضتها . ولذلك رأى الفقهاء من كل
المذاهب سنية وشيعية، باستثناء الظاهرية، ضرورة استنباط أحكام
شرعية لهذه القضايا.
هذا الموقف عكس مرونة التشريع الإسلامي وصلابته وبعد غوره ،
وإعجازه وصلاحيته لكل ظرف وحال . لكن مربط الفرس في الخلاف بين هذه
المذاهب وبين المذهب الظاهري ، هو جواز اعتبار هذه الاستنباطات
تشريعاً إسلامياً أو عدم جواز ذلك . فإذا اعتبرناها تشريعاً
إسلامياً خضعت للأحكام التكليفية الشرعية الخمسة ودخلت تحت طائلة
الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة ، وما يستتبع ذلك من
جزاءات دنيوية وأخروية ، باعتبار مخالفتها ذنباً له وزره .
ففقهاء المذاهب الذين جشموا أنفسهم مشقة الاستنباط ، رأوا أن
لكل قضية حكماً لله فيها يجب على المجتهد إظهاره ، و إلا أثمت
الأمة كلها . لأن الاجتهاد فرض كفاية وفقهاء المذهب الظاهري يرون
أن هذا الصنف من القضايا متروك على أصل البراءة ، والحكم فيه بقاء
ما كان على ما كان ؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بحكمه فيه رحمة بنا
وتوسعة علينا .
إلا أن إهمال هذه القضايا وعدم تنظيم
حياة الناس فيها مما يؤدي إلى الفوضى والتناقض ، ويساهم في انتشار
الظلم ، ويعوق حركة المجتمع الإيجابية . ونحن في هذا الأمر بين
رأي الظاهرية الذين يكادون يكفرون المجتهدين فيه ، وبين فقهاء
المذاهب الأخرى الذين يرون ترك الاجتهاد فيه إثماً وتفريطاً . ولكل
فريق رأي وجيه إن جرد من التشنج والتعصب . فكيف نوفق بين الموقفين
؟ كيف ننظم حياة الناس في هذه المجالات المستحدثة المتجددة ، دون
أن نكون قد تدخلنا في التشريع الإلهي ، وحكمنا بغير ما أنزل الله ،
ودون أن نأثم بالتوقف عن الاجتهاد والمساهمة في حل مشاكل المسلمين
؟
ولئن كان المذهب الظاهري قد عمل على
حل إشكال الفراغ التشريعي بالمغالاة في استعمال دليل الاستصحاب إلى
حد الوقوع في تناقض غير مقبول، فإن لكل من المذاهب الأخرى منهجا
خاصا بالاجتهاد في هذه المنطقة عليه مآخذ وله سلبيات، سواء تعلق
الأمر بالتصرفات الفردية أو بقضايا التدبير العام للدولة.
فالاتجاه السني مالكيا وحنفيا وشافعيا
وحنبليا عالج التصرف الفردي تحت مظلة شرعية هي أن المجتهد مأجور
مصيبا أو مخطئا، بعناوين المصلحة المرسلة والاستحسان والعرف
والاستصحاب وشرع من قبلنا، وما سوى ذلك من الأمارات والقرائن،
واستحدث للشأن العام و الأحكام السلطانية ما دعاه " السياسة
الشرعية"، واعتبر ما استنبطه في هذا الباب منضبطا بالأحكام الخمسة
إيجابا وتحريما وكراهة وندبا وإباحة، وهو ما يعترض عليه الظاهريون.
أما الاتجاه الشيعي فإن منه من أقر
مصطلح " الفراغ التشريعي" وجعل أمره خاصا بولي الأمة، يبث فيه بما
تقتضيه المصلحة، استنادا منه على الاعتقاد بأن للرسول صلى الله
عليه وسلم صفتين، صفة نبوية باعتباره مبلغا عن الله عز وجل، وصفة
قيادية بصفته حاكما ووليا، والأحكام النصية الواردة عنه بصفته
رسولا ثابتة لا تتغير لأنها وحي إلهي، أما ما يصدر عنه بصفته قائدا
سياسيا فهو قابل للتبديل والتغيير حسب المصلحة التي تقدر في زمانها
ومكانها. وهذا النظر يكاد يلتقي مع ما ذهب إليه الفقيه المالكي
القرافي بتقسيمه تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أربعة
أنواع، تصرفات بمقتضى الرسالة، وتصرفات بمقتضى الفتوى، وثالثة
بالقضاء، ورابعة بالإمامة.
كما أن في هذا الاتجاه الشيعي نفسه
نظرا آخر مخالفا يرى أن لا فراغ في التشريع الإسلامي ، لأنه مسدد
بالوحي، وكل ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم وحي من
ربه ، لقوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحْيٌ يُوحَى ) النجم 3/4. وقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا
يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف 203. أما حل
إشكال الفراغ التشريعي لديه فيكمن في ثلاث مراتب للاجتهاد هي:
التشريعات التي تضمنها الكتاب والسنة
وما يستنبط منهما.
تشريعات القضايا المستجدة التي لم
توجد لها أحكام واضحة ويرجع الفقيه المجتهد فيها إلى عمومات
الشريعة وأدلتها الثانوية.
تشريعات في قضايا لم يسبق أن عرفت،
مثل ما يتعلق بالاكتشافات والصناعات والأسلحة الحديثة والاستنساخ
والتلقيح الصناعي، وهي من اختصاص الفقيه المجتهد.
أما مجال النظام السياسي للأمة فإن
الولي الفقيه هو الذي ينشئ أحكامه لدى الفريقين، لأن سلطته تكاد
تكون مطلقة في الاجتهاد التشريعي.
إن أول ما يؤخذ على مناهج الاستنباط
في ميدان الفراغ التشريعي لدى هذه المذاهب سنية وشيعية هو ما لاحظه
الظاهريون من شبهة الافتيات على الشرع بالتدخل في أمر التحريم
والتحليل الذي استأثر الله به ورسوله ، مما يتعارض مع نصوص محكمة
قطعية الثبوت والدلالة، قال تعالى في محكم التنزيل:
·
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ
قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ( الانعام 140)
·
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا
أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ (المائدة 87)
·
وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ
عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ
بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ (الانعام 119)
·
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا
حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ
يُفْلِحُونَ ( النحل 116)
·
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ
فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ
لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ( يونس59)
ولئن كان الله تعالى بحكمته وقيوميته
قد ترك هذه الساحة التصرفية بدون تشريع توسعة على الخلق وتوفيرا
لليسر في علاقاتهم ومعاشهم فإن من باب أولى ألا يضيقها الفقهاء
عليهم بإدخالها تحت مظلة الحرام والواجب باعتبار المخالفة فيها
وزرا مسؤولا عنه في الدنيا والآخرة.
وثاني ما يؤخذ على هذه المناهج أن
احتكار الفقهاء لسلطة التشريع في قضايا جعلها الله تعالى لعموم
الأمة، أنشأ تماسا خطيرا بين اجتهادهم وبين الاستبداد السياسي
والتسلط الفردي على الشأن العام، ولطالما اقتسم بعض الفقهاء النفوذ
مع السلاطين والملوك وأذاقوا الأمة سوء العذاب، بفتاوى ظالمة من
هؤلاء وسيوف مصلتة من أولئك.
وثالثة الأثافي قضية أخرى لا تقل
خطورة عن سابقاتها، متعلقة بإقصاء الأمة عن أمر هو من صميم
اختصاصها وشأنها، بداهة عقلية ونصوصا صريحة.
ذلك أن عصمة الأمة في اجتماعها
وقيامها شورويا بأمرها، وردت بهما آيات التنزيل الحكيم والأخبار
المتواترة سنة قولية وعملية، وقد سلطت الأمة بذلك شرعا على قضاياها
الدنيوية لتسخيرها فيما خلقت له ومن أجله، واستئثار فقهاء المذاهب
بهذا الصنف من التشريع إلغاء لمرجعيتها وتسفيه لاجتهادها فيما هو
من صميم عملها، ونهج يؤدي حتما – وقد أدى- إلى احتكار فئة قليلة
لحق التمييز بين الصواب والخطأ والمصلحة والمفسدة ، وإلى قيام
النظم السياسية الاستبدادية الظالمة.
ومأخذ رابع على هذا النهج هو ما يثيره
فقهاء المذاهب باجتهاداتهم المختلفة المتنافية والمتعارضة، من
توسيع لشقة التفرق والتمزق والتناحر الطائفي بين المسلمين مما لا
يخفى على أحد، وقد سارت بذكره الركبان عبر ما مضى، وتقصفنا به
وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة في زماننا هذا.
أما موقف المذهب الظاهري من قضايا الفراغ التشريعي فإن مفهومه
لأصل البراءة فيما ترك فيه التشريع رحمة ، ليس مبرراً لتركه فوضى ،
بدعوى أن النص لم يبينه ، أو أنه منعنا من تنظيمه وتقنينه ؛ لأن
الرحمة لا تعني ترك النظام والتنظيم ، ولكن تعني عدم المساءلة
الأُخروية فيه . مما يجعل وجهة نظر المذاهب الأخرى مقبولة ، من حيث
وجوب تنظيم حياة الناس في هذا الصنف من القضايا ؛ إلا أن جعل ما
يستنبطونه فيه شرعاً إسلامياً صرفاً فيه نظر . ولا شك أن
استنباطاتهم هذه نابعة من صميم الشريعة الإسلامية ، وناشئة في ظلها
وبتوجيهاتها العامة وحكمتها ومقاصدها ورحمتها . إذ من الطبيعي أن
تنشأ في ظل كل تشريع أو قانون ، تشريعات أو قوانين جزئية نابعة من
روحه . فالقوانين الوضعية في أغلب البلاد الإسلامية مثلاً ، ناشئة
من روح القوانين الأوربية وفي ظلها ، والقوانين الأوربية الحالية
ناشئة من روح القوانين الرومانية الوثنية وفي ظلها .فإذا كانت هذه
الاستنباطات الفقهية في هذا الميدان ناشئة من روح الشريعة
الإسلامية وفي ظلها ، وكان للدولة الإسلامية أن تتبنى بعضها
وترفعها إلى مستوى قوانين ملزمة ، وتقرر لمخالفتها جزاءات تنظيمية
وإدارية وتعزيرية ، من غير أن تدخلها تحت طائلة الإثم والمخالفة
الدينية ، نكون قد وفقنا بين المذاهب ، وقربنا شقة الخلاف ، وفتحنا
باب الوحدة التشريعية بين المسلمين ، وفسحنا المجال لتطور المجتمع
وتسريع حركة التجدد فيه .
هذه الخطوة الاقتحامية الجريئة في
مجال توحيد أمر المسلمين تقتضي منا جميعا موقفين شجاعين هما:
- اعتبار المذاهب الإسلامية كلها مجرد مدارس علمية فقهية لا
غير ، تتكامل فيما أصابت فيه وتتناصح فيما أخطأت فيه ، وتتعاون
لتنظيم شؤون الناس المتروكة لاجتهاد البشر رحمة من رب العالمين ،
تحت راية القرآن والسنة . إذ التفريط فيها يضر بالتشريع الإسلامي
نفسه ، والتفريط فيما حول الحمى يعصف بالحمى ، والمحافظة على
المندوب تحفظ الواجب ، والذريعة إلى الإخلال بالمروءة إخلال
بالمروءة في واقع الأمر .
- مراجعة شاملة ودقيقة لكل الاجتهادات الفقهية في هذا الميدان ،
وتصنيفها والاستفادة منها . وسوف نكتشف أن مجرد أحادية نظرتنا
وتشنجنا ، هو الحائل بيننا وبين الاستفادة منها . ولنضرب مثلاً
لذلك ، قضية فقهية بسيطة هي ما عرف بإزالة النجاسة بما سوى الماء ،
كالخل مثلاً . وهي جائزة عند أبي حنيفة ولا تجوز عند الشافعي .
لكننا إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر ، وجدنا أن فقهاء جميع المذاهب
أصبحوا يعملون بديهة منهم وسليقة برأي أبي حنيفة ؛ لأنهم يرسلون
ملابسهم إلى المغاسل الآلية العامة التي تنظف بغير الماء ، أي
بالمواد الكميائية . فالمذهب الحنفي مثلاً في هذا الموضوع متقدم
جداً على غيره . وكذلك نجد أن كل مذهب آخر متقدم على غيره في مجال
آخر .
المبحث السادس
الفراغ التشريعي والسياسة الشرعية
لم يعرف الفقه الإسلامي في أول عهده مصطلح " السياسة الشرعية "،
وكان لفظ " حكم الله " أو " الشريعة " ينتظم كل مفردات الأحكام على
صعيد التصرفات الفردية وصعيد تدبير الشأن العام للأمة. والخلفاء
الراشدون أنفسهم كانوا إن وجدوا نصا للنازلة حكموا به، فإن أعوزهم
النص جمعوا المسلمين لاتخاذ القرار فيها شورويا.
ثم لما قامت الملوكية الجبرية واستأثر الأمويون ومن جاء بعدهم
بالسلطة، ساروا على نهج استبدادي واحد هو السمع والطاعة والتأييد
والإقرار لكل ما يصدر عن السلطان، وافق الشريعة أو خالفها.
هذا الانحراف السياسي في خط سير الدولة ساعد على ظهور فقه تبريري
لدى فئتين من الفقهاء:
فئة البطانة المستفيدة والحاشية الانتفاعية.
وفئة أخرى يئست من إمكانية تأسيس السلطة السياسية على مبادئ
الإسلام العادلة فلجأت إلى محاولة تكييف الأحكام الشرعية مع واقع
الاستبداد والقهر، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
حينئذ أخذت معالم ما أطلق عليه فيما بعد مصطلح " السياسة الشرعية "
تتبلور وتتضح وتتطور وتلبس لكل حالة لبوسها.
ولعل أبرز معلمة في مسيرة تطور هذا المصطلح الجديد وتحديد وجهته،
هو ما قام به عمرو بن العاص من استغفال لأبي موسى الأشعري في قضية
التحكيم المشهورة، بين الإمام على كرم الله وجهه، وبين معاوية بن
أبي سفيان، مما كان له أبلغ الأثر في تحديد القبلة السياسية لنظم
الحكم لدى المسلمين فيما بعد.
لقد بدأت مسيرة " السياسة الشرعية " في مجال التدبير العام منحرفة
آيلة للسقوط ، منافية لمبادئ الإسلام، تصرفا استبداديا ظالما
مخادعا يفرض نفسه على الأمة بالسيف البتار والدرهم والدينار، ثم
محاولة فقهية تبريرية صيغت لها قواعد فقهية سائبة من مثل " أمر
الإمام يرفع الخلاف " و " أمر الإمام نافذ " و " للسلطان أن يحدث
من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات "، ثم تبنيا رسميا لمصطلحها
العلمي وتطويرا له وتوسيعا لمجالاته، ثم في عصرنا هذا دعوة إلى أن
تعد"السياسة الشرعية " علما مستقلا عن المباحث الفقهية ونصوصها في
الكتاب والسنة، وأن تتخذ مرجعا في جميع مرافق الدولة وآليات
تأسيسها وتسييرها.
إن الزعم بأن الدولة لدى المسلمين بعد سقوط الخلافة الراشدة،
انبثقت من الشريعة الإسلامية، تعتوره كثير من المآخذ، في مقدمتها
أن العصبية القبلية والأسروية هي التي أسستها وأنشأتها وأقامت لها
القواعد ومهدت لها السبيل.
كذلك القول بأن ما عرف بالسياسة الشرعية انبثاق سليم من نصوص
الكتاب والسنة، ليس له ما يؤيده أو يرجحه، لأن السياسة الشرعية
التي عرفناها في مصنفات القوم ليست إلا نتاجا لفقه التكيف مع واقع
الظلم، ومحاولة تلطيف فاشلة لجو الاستبداد، بعد العجز عن إقامة
الدولة على أسس شرعية سليمة. إن السياسة الشرعية لديهم ترويض
للشريعة الغراء ولي لأحكام نصوصها الثابثة، وإخضاع لها لأهواء
الحكام والظالمين.
إن فقه السياسة الشرعية الذي استنبت في الساحة الإسلامية، ليس إلا
وليدا لنهج الحكام في ضبط ممالكهم، وترويضها، وإخضاعها، وفصل قضايا
الأمن فيها عن سلطة القضاء الشرعي، بتوظيف مجال الفراغ التشريعي
واستحداث عقوبات جائرة فيه، مموها عليها ببعض التأويلات الفقهية،
وببعض المخالفات المتروك أمر البث فيها وردعها للأمة.
لقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، مجمعين على أن النظر في
كل ما يعرض لهم مرجعه الكتاب والسنة، ثم الشورى إن أعوزهم النص،
بما في ذلك ميدان القضاء الذي كان من صميم عملهم، إلا ما كان من
أمر عمر إذ كثرت أشغاله واتسعت حروب الجهاد في عهده، ففوض القضاء
إلى غيره، واستعان فيه بأبي الدرداء بالمدينة، وشريح بالبصرة، وأبي
موسى الأشعري بالكوفة.
أما ما تعلق من أمر المسلمين بقضاياهم العامة ( السياسة العامة
للدولة) فإن الراشدين كانوا يشرفون عليه بأنفسهم بواسطة الشورى
العامة بالمساجد.
وعندما قامت الملوكية في عهد الأمويين بقيت
الأحكام الشرعية منازعات فردية وعقودا تجارية واجتماعية ومعاملات
مالية وحدودا شرعية بيد القضاء؛ وما تعلق بالسياسة العامة كان
الملوك يباشرونه بأنفسهم أو يوكلون به أهل عصبيتهم بالنسب
والمصاهرة والولاء.أما المظالم غير المنصوص عليها وكان جزء منها
متعلقا بأمن الممالك، ومحتاجا كما يقول ابن خلدون إلى سطوة السلطنة
ونصفة القضاء فكانوا في كل من دولتي الأمويين بدمشق والأندلس،
ودولة العباسيين ببغداد، والعبيديين بإفريقية، يشرفون عليها
مباشرة، بعيدا عن سلطة القضاء الشرعي، بواسطة صاحب الشرطة ( أو
متولي المظالم ). فأدى ذلك إلى شطط شديد في استعمال النفوذ ومعالجة
التهم وعمليات التعزير والتأديب والردع والعقوبة على النوايا
والشبهات والظنون والاحتمالات.
كذلك الأمر عندما تقلص ظل الخلافة الملوكية
المركزية، واستقل السلاطين بأقطارهم، واستفحل أمر النظر في
المظالم، وقطعت الصلة بينها وبين الأحكام الشرعية بصفة تكاد تكون
مطلقة.
إن الأصل في الشريعة الإسلامية أنه لا جريمة ولا
عقوبة إلا بنص، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأنه لا يأثم
امرؤ بوزر غيره، ، وأن الاجتهاد قضاء وإفتاء ينبني على علمين علم
بواقعة المسألة وحالها
وملابساتها، ثم علم بحكم الله فيها أو
في مثلها، ثم يطبق الفقيه علمه بحكم الله على علمه
بواقع المسألة وما سوى ذلك عفو، وأن أمر الجماعة الإسلامية ( الأمة
) في منطقة العفو (الفراغ التشريعي) لا حق لأحد في احتكاره
والاستئثار به، ملكا كان أو رئيسا أو خليفة أو ذا شأن، وأن متولي
البث فيه هو مجموع الأمة في فضاءاتها الشوروية العامة،كما ترشد
إليه آيات القرآن الحكيم والسنة النبوية قولا وعملا؛ إلا أن
استبعادها عن أمر هو لها واحتكاره بيد الحكام مباشرة أو بواسطة
ولاة مظالمهم وقادة شرطتهم وأمراء جيوشهم من ذوي الولاء الأسري أو
القبلي أو الانتفاعي، كان له أبلغ الآثار وأخطرها على الدين
والمجتمع والوحدة ماضيا وحاضرا ومستقبلا. لا سيما وقد استبعد هذا
الأمر أيضا حتى عن سلطة القضاء الشرعي وعولج تحت مظلة مصطلح غير
منضبط دعي تعزيرا، واستحدثت له أحكام زجرية يحرم إيقاعها على
الحيوان، بله بني الإنسان، أحكام تتراوح بين الجلد والقتل والصلب
والتحريق والعصر والتوسيط والنفخ من الدبر حتى الموت، مما عد
تعزيرا شرعيا وتعزير سياسة، فما هو هذا المذهب الجديد والنظرية
المستحدثة لردع المخالفات وتقويم المنحرفين عن الدولة وفيها؟
المبحث السابع
التعزير سياسة: نظرية مستحدثة في الفقه
في البداية كان الحكام المسلمون فيما بعد الخلافة
الراشدة، إذا غضبوا من أحد بطشوا به وإن ارتكب مخالفة مضرة بأمنهم
نكبوه، من غير أن يحاولوا أو يفكروا في إضفاء الشرعية على تصرفهم.
إلا أن إنكار العامة بوازعهم الديني وحسهم الإنساني، وتنديد بعض
العلماء الصادقين لما استحفظوا من كتاب الله، أدى إلى تجنيد بعض
فقهاء السلطة، في موجات تبرير وحملات تمويه ومحاولات " شرعنة"
للظلم والقائمين به، فكان مبحث " التعزير" في الشريعة الإسلامية
أيسر مدخل وأوطأ كنف في هذا المضمار.
والتعزير لغة من أسماء الأضداد، يفيد التعظيم
والتبجيل والنصرة كما في قوله تعالى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) الفتح 9، كما يفيد الردع والرد والتأديب كما
في المباحث الفقهية التي عرفته بأنه تأديب بضرب وغيره دون الحد أو
أكثر منه، في الحدود التي لم تتكامل أركانها وتقتضي معاقبة مرتكبها
كما فعل عمر إذ جلد أبا بكرة في داره وأمر زوجته أن تكتم - المبسوط
للسرخسي 9/44-، وفي المخالفات والجنايات التي لم ترد النصوص بأحكام
فيها، وفي الجرائم السياسية ضد الدولة ورموزها، وفي كل ما يرى فيه
الحاكم مصلحة تقتضي إيقاعه.
ولقد حاول الفقهاء من مختلف المذاهب التمييز بين
الحد وبين التعزير، وذكروا فروقا بينهما كثيرة من أهمها:
-
أن الحد مقدر شرعا والتعزير غير مقدر شرعا ومفوض فيه إلى رأي
الحاكم.
-
أن الحد يدرأ بالشبهات والتعزير يجب بالشبهة.
-
الرجوع في الإقرار يعمل به في الحد ولا يعمل به في التعزير.
-
الحد لا تجوز فيه الشفاعة والتعزير تجوز فيه.
-
الحد لا يجوز للإمام تركه والتعزير فيه الترك.
-
الحد يسقط بالتقادم والتعزير لا يسقط.
-
الحدود واجبة النفاذ واختلف في وجوب التعزير.
أما مشروعية التعزير فقد اختلف فيها الأئمة الأربعة.
وإذ يرى الشافعي أن التعزير ليس بواجب وأن للإمام حق إيقاعه وتركه،
يرى الحنابلة أن ما كان من التعزير منصوصا عليه واجب، وما لم يكن
منصوصا عليه فالأمر لنظر الإمام إن شاء عزر وإن شاء ترك، ويذهب
مالك وأبو حنيفة إلى أنه واجب، ، لورود أحاديث موقوفة فيه، مثل ما
روي عن علي كرم الله وجهه فيما أخرجه ابن الجعد في مسنده عن عبد
الملك بن عمير قال: سئل علي عن قول الرجل للرجل:" يا فاجر يا خبيث
يا فاسق "، قال:" هن فواحش فيهن تعزير وليس فيهن حد "، وما أخرجه
عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن صيفي أن عمر كتب إلى أبي موسى
الأشعري "ولا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطا ".
ولئن كان الحديث النبوي الوارد في أمر التعزير متكلما فيه، على رغم
اتفاق البخاري ومسلم على تخريجه عن أبي بردة، وهو قول الرسول صلى
الله عليه وسلم:( لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله
)، فقد بلغ الاختلاف في تأويله وتقدير العدد فيه مدى بعيدا.
رأى مالك أن تحديد قدر التعزير يكون على قدر العقوبة وصاحبها،
ويخير الإمام بين العشرة وبين ما فوق الحدود الشرعية جلدا وقطعا
وقتلا وصلبا، وذهب بعض المالكية إلى أن عدد العشرة مقصور على زمن
النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الرأي في غاية الضعف، وذهب أشهب إلى
العمل بظاهر الحديث.
ورأى الشافعي ألا يبلغ بالتعزير ما هو مقدر في الحدود، فلا يزاد
على تسع وثلاثين ضربة، أي أقل من الأربعين التي وردت عنه صلى الله
عليه وسلم، وذهب بعض الشافعية إلى أن حديث " العشرة" منسوخ بفعل
الصحابة، وهذا ضعيف جدا لأنه لم يثبت إجماع من الصحابة على نسخه،
ورأى القاسم بن القفال الشاشي من الشافعية عدم تجاوز العشرة عملا
بظاهر الحديث.
كما يستشهدون على حق الحاكم في إيقاعه وتركه وتقديره وتعيين
مستحقيه بحديث ضعيف ورد في جامع الترمذي و مسند الشهاب هو (اتقوا
فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل) وفي رواية كنز العمال
عن عروة مرسلا (إن لكل قوم فراسة وإنما يعرفها الأشراف) وبحديث آخر
متكلم فيه ورد في " نوادر الأصول " للحكيم الترمذي والمعجم الأوسط
عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن لله عباداً يعرفون
الناس بالتوسم "
وذلك ما ذهب إليه ابن قيم الجوزية بقوله في كتابه
"الفراسة المرضية في أحكام السياسة الشرعية" :[وقول أبي الوفاء ابن
عقيل ليس هذا فراسة، فيقال ولا محذور في تسميته فراسة، فهي فراسة
صادقة، وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه فقال
تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) وهم
المتفرسون الآخذون بالسيما وهي العلامة يقال تفرست فيك كيت وكيت
وتوسمته وقال تعالى (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ
فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ) وقال تعالى (يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم
بِسِيمَاهُمْ) وفي جامع الترمذي مرفوعا (اتقوا فراسة المؤمن فإنه
ينظر بنور الله) ثم قرأ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِّلْمُتَوَسِّمِينَ)].
وكلا الحديثين لا ينطبق معناهما ولو كانا صحيحين
على حالات التعزير سياسة من قبل الحكام الظلمة، فما من أحد منهم
كان ينظر بنور الله لتكون له تلك الفراسة، وما من أحد منهم كان من
رجال الله الذين يعرفون الناس بالتوسم.
أما الاستشهاد بقوله تعالى في الآية 75 من سورة
الحجر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) وقوله
مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية 30 من سورة محمد
(وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
أَعْمَالَكُمْ )، وقوله في الآية 273 من سورة البقرة (يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم
بِسِيمَاهُمْ) فأبعد عن موضوع التعزير سياسة بعد الأرض عن السماء،
لأن الآية الأولى متعلقة بضرورة الاعتبار بما وقع لقوم لوط، لمعرفة
قوة الله وجبروته وغيرته لانتهاك حرماته، والثانية متعلقة بوحي من
الله تعالى لنبيه في شأن المنافقين. والثالثة في أمر الصدقات
والفقراء الذين لا يكاد يعرفهم الجهلاء، وليس الحكام ممن يخسف الله
الأرض انتقاما لهم من عصاتهم، ولا ممن يوحي إليهم في شأن أعدائهم،
وما ورطهم فيما يرتكبون إلا الجهل.
إن بناء العقوبة على الفراسة والتوسم والظن
والتخمين والشبهة والتهمة واعتمادا على نظر الحاكم ومزاجه وما يراه
مصلحة يعد بابا مشرعا للفتن والظلم والجور والاستبداد.
وقد غلط ابن قيم الجوزية في كتابه "الفراسة
المرضية في أحكام السياسة الشرعية" إذ دافع دفاع المجادل المستميت
على نظرية الفراسة وجعلها من أهم محاور الحجة في الموضوع ووصفها
بأنها ( مسألة كبيرة عظيمة النفع جليلة القدر إن أهملها الحاكم أو
الوالي أضاع حقا كثيرا وأقام باطلا كثيرا ...).
وإلى ذلك ذهب ابن تيمية أيضا بقوله في كتابه "
السياسة الشرعية ":( وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا
كفارة....فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه
الوالي )، وبعد أن بين أن التعزير يكون بالإيلام قولا أو فعلا، كما
يكون بالحبس أو تسويد الوجه وإركاب المعاقب على دابة مقلوبا، ذكر
أن مالكا وبعض الحنابلة جوزوا البلوغ بالتعزير إلى القتل للإفساد
ولو بدون ردة، كما في حالة القدرية مثلا.
ولئن كان الفقهاء قد حاولوا الاستشهاد على شرعية ذلك ببعض الأحاديث
الضعيفة أو الموضوعة واصطياد ما انتحله الأخباريون من روايات، أو
القياس على بعض حالات الحرب التي لها أحكام خاصة، فإن الرسول صلى
الله عليه وسلم لم يثبت أنه قد عزر خارج الحدود الشرعية، بل كان
يعفو ويصفح حتى في حالات الإساءة إليه، وقد أخرج مسلم في صحيحه أن
رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في
شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى
عليهم فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم للزبير:" اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك"
فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه نبي
الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:" يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى
يرجع إلى الجدر" فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في
ذلك ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا
في أنفسهم حرجا..).
وأخرج أيضا عن عبد الله قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم
قسما، فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قال فأتيت النبي
صلى الله عليه وسلم فساررته، فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه
حتى تمنيت أني لم أذكره له، ثم قال:" قد أوذي موسى بأكثر من هذا
فصبر ".
وفي المستدرك على الصحيحين: عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصبت حدا، قال: فلم
يسأله عنه، وأقيمت الصلاة فصلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ
من صلاته قال: يا رسول الله أصبت حدا فأقم في كتاب الله، قال:"
أصليت معنا الصلاة؟ " قال: نعم قال:" قد غفر لك " .هذا حديث صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: إني أخذت امرأة في البستان فأصبت منها كل
شيء إلا أني لم أنكحها فافعل بي ما شئت، فلم يقل له شيئا ثم دعاه
فقرأ عليه هذه الآية ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن
الحسنات يذهبن السيئات ).
لقد نشأت نظرية العقاب خارج إطار الحدود الشرعية
في حضن مسوغات فقهية مختلف فيها، ولكنها أخذت في التطور مع مرور
الزمن وترامي رقعة السلطة، وفشو الفقه واتساع شقة الخلاف فيه، وبعد
أن كان التعزير محصورا في المخالفات الشرعية غير المنصوص على حكم
فيها كالغش والكذب والحدود التي لم تكتمل أركانها، عرف التعزير
للمصلحة المرسلة المقدرة بنظر الحاكم، والتعزير للتهم بالإساءة
للدولة وأمن السلطنة، والتعزير بالشبهة والظن والفراسة والتوسم،
واتخذ لكل هذه التعازير اسم جامع هو التعزير سياسة.
من ثم عرف الفقه الإسلامي مصطلح "السياسة" الذي
تطور مع الزمن فصار " سياسة شرعية" بيد الحاكم يصرفها كيف شاء وأنى
يشاء وفي من يشاء.
كان الأصل في الشريعة أن العقوبة لا تكون إلا حدا،
ثم صارت حدا وتعزيرا، ثم حدا وسياسة، ثم سياسة شرعية، وعرف الفقه
الإسلامي بهذا التطور الجلد حدا والجلد سياسة، والقطع حدا والقطع
سياسة، والقتل حدا والقتل سياسة، ومصادرة الأموال حقا ومصادرتها
سياسة، ثم خلعت ربقة التقيد بالنصوص وتوالت المظالم على الأمة
بالصلب سياسة وتقطيع الأطراف سياسة والقتل بالعصر سياسة والقتل
بنفخ الضحية من الدبر حتى الموت سياسة، وفي عصرنا هذا عرف تذويب
الضحايا في حامض "الأسيد" سياسة.
إن هذه النقلة النوعية من مصطلح " التعزير شرعا "
إلى مصطلح "العقاب سياسةً " قد رفعت الحرج الديني عن الحكام، ووسعت
عليهم باستعمال لفظ غائم ضبابي، يبتلعه العامة ويستسيغونه ما دام
الفقهاء يستعملونه للتعبير عن شرعية أي تصرف.
فلفظ " سياسة " جذره اللغوي مشترك، منه " سَوِسَ "
- كسَمِع - الشيءُ إذا وقع فيه السوس، والسُّوس أيضا معناه السجية
والخلق والأصل.
وساس البهائم والدواب إذا رعاها وروضها.
وساس الرعية أمرها ونهاها وروضها على السمع
والطاعة.
ومن المجاز قولهم سَوَّسه القوم أي جعلوه يسوسهم.
ومنه تقسيمهم الناس إلى ساسة وسوقة، ساسة تسوق
وعامة تساق.
ومنه قول الشاعر:
فبينا نسوق الناس والأمر أمرنا
إذا نحن سوقـة نتنصف
فأف لدنيا لا يـدوم نعيمهـا
تقلب تارة بنـا وتصرف
إن هذا المصطلح المستحدث "لشرعنة" تصرفات الحكام
لا تقره مبادئ الإسلام وتعاليمه شكلا ومضمونا، لما يحمله من معاني
استعلاء فئة على فئة، وما يعطيه للحاكم من حق التصرف في الشأن
العام استبدادا تاما لا معقب له، وما يفتحه من أبواب للفتن
والمظالم على جميع الصعد:
على الصعيد السياسي إذ تمت تحت غطائه السيطرة على
أمر الأمة، وسخر للأهواء والمصالح الفردية ونهب المال العام، أمام
عين الأمة الخائفة من هذه العقوبة المستحدثة غير المقدرة عقلا أو
شرعا، والموكولة إلى مزاج الحاكم وعفوية ما يصدر عنه في حالات صحوه
وسكره، غضبه وزهوه، قتلا أو بترا أو صلبا أو جلدا أو مصادرة.
وعلى الصعيد الاجتماعي فرض على الأمة الفقر
والفاقة والخدمة الذليلة في أعتاب الحكام وأمراء الشرطة والجيش وفي
قصور النخب الفاسدة ذات النفوذ والجاه.
وعلى صعيد السيادة الوطنية فتحت البلاد للغزو
الأجنبي عسكريا وثقافيا وعقديا.
وعلى صعيد التواصي بالمعروف والتناهي عن المنكر،
أجبر الدعاة على لزوم الصمت وملازمة الظل تحت طائلة التعزير سياسة
وما ينتج عنه من قتل وسحل وانتهاك أعراض.
قال ابن نجيم في البحر الرائق: ( السياسة هي فعل
شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي).
وقال ابن القيم في الطرق الحكمية: ( عن ابن عقيل
قال: السياسة ما كان فعلا مع الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن
الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به الوحي،
ومن قال لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فقد غلط).
ومن الفقهاء المعاصرين يقول الشيخ البوطي:( أما
التنفيذ فإن الشارع يعطي الحاكم طائفة واسعة من الأحكام تسمى أحكام
السياسة الشرعية، يملك أن يتحرك تحت مظلة هذه الأحكام ...)
وقال الطرابلسي في "معين الحكام": ( السياسة ما
يحتاجه الحكام والولاة من إيقاع بعض العقوبات ردعا وزجرا لتوصد
أبواب الفتن).
إلا أنه في نفس الكتاب " معين الحكام " ينتبه
لمخاطر السياسة وينبه إليها محذرا بقوله في الحكم بالفراسة – ص
168-: ( فالحكم بالفراسة مثل الحكم بالظن والتخمين وذلك فسق وجور
من الحاكم ) ثم يعقب على ذلك بتفصيل المظالم التي تنشأ عنها قائلا:
( اعلم أن السياسة شرع مغلظ ، والسياسة نوعان سياسة ظالمة فالشرعية
تحرمها وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم...وهي باب واسع تضل فيه
الأفهام وتزل فيه الأقدام وإهماله يضيع الحقوق ويعطل الحدود ويجرئ
أهل الفساد ويعين أهل العناد والتوسع فيه يفتح أبواب المظالم
الشنيعة ويوجب سفك الدماء وأخذ الأموال غير الشرعية....)
ولئن ترك الطرابلسي في هذه الفقرات منفذا لتمرير
بعض تصرفات الحاكم بإشارته إلى ما سماه السياسة الشرعية، دون أن
يضع لها تعريفا دقيقا أو آلية واضحة دقيقة أو مقياسا تعرف به، فإن
الفقيه المالكي الإمام القرطبي في تفسيره – 10/ 44 - قد وضع حدا
لكل تأويل في هذا الشأن فقال عن الفراسة التي هى ركيزة أحكام
السياسة:
( قال القاضي أبو بكر بن العربي:" إذا ثبت أن
التوسم والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا يترتب عليه حكم ولا
يؤخذ به موسوم ولا متفرَّس، وقد كان قاضي القضاة الشامي المالكي
ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الأحكام، جريا على طريق
إياس بن معاوية أيام كان قاضيا، وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر
الشاشي صنف جزءا في الرد عليه، كتبه بخطه وأعطانيه، وذلك صحيح، فإن
مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة منها ).
إننا إذ ننقض ما دعي "أحكام السياسة" في مجال
المخالفات والجنايات التي لم يرد من الشرع حكم فيها، وعُدَّتْ في
منطقة الفراغ التشريعي، لا نقصد ترك علاقات الناس فوضى، ولا إهمال
التناصف بينهم فيما يحدثونه من مظالم، ولكن لنؤكد حقيقة شرعية هي
أنه لا يجوز أن يستأثر بهذه القضايا حاكم فرد أو فقيه مجتهد، لأنها
أمر عام، ليس أحد بأحق بالإشراف عليه من أحد، ولأن مصلحة العامة في
مجال الفراغ التشريعي يستحيل أن يحيط بها إحاطة جامعة فقيه أو حاكم
أو مجلس حكم، ولأن الفرد مهما بلغت تقواه وإحاطته بأوجه العلم لا
يستطيع تحقيق الموضوعية والتجرد فيها،ولأن آلية تنظيمها والتشريع
لها وضبطها كتابا وسنة هي الشورى الجماعية.
المبحث الثامن
الفراغ التشريعي والعلمانية
لا شك في أن موجة ما دعي " علمانية " تجتاح عالمنا الإسلامي مدججة
في المجال الفكري بمختلف العلوم الإنسانية المعاصرة فلسفة واجتماعا
وعلم نفس ومنطقا وديماغوجية ، وفي مجال العلوم التطبيقية بأدق ما
وصلت إليه الاختراعات الحديثة والاكتشافات العلمية، وفي مجال
التأثير النفسي والاجتماعي والتوجيه المعنوي بكل وسائل الاتصال
المسموعة والمرئية والمقروءة، وفي المجال العسكري بأحدث أساليب
الضغط والتهديد والغزو والتدخل السريع المباشر والبطيء المتسلل.
ولئن كان تأسيس دول علمانية في العالم الإسلامي يعد من ركائز هذا
الاجتياح، فإن ظاهرتي الأمبريالية الحديثة والعولمة الرأسمالية
الشرسة وهيمنتهما على مراكز القرار السياسي والاقتصادي، وآفة
الفلسفة الداروينية بإسقاطاتها الفكرية في ميادين التلقي العلمي
والتربوي مدرسة وجامعة وإعلاما، وعاهة المجندين من المستشرقين
والمستغربين وبعض النخب العربية والشعوبية ذات الأصول الإسلامية
والمسيحية، من أخطر أدوات هذا الاجتياح العلماني للعقيدة الإسلامية
أرضا وبشرا ومنهاج حياة.
إن ظاهرة العلمانية المدججة بكل ما هو أجنبي، ومحاولاتها دس أنفها
في الشأن الإسلامي بحربائية ومحاولة تأقلم تارة، ومصاولة هجومية
كاسحة تارة أخرى، تقتضي تعبئة وسائل الدفاع الفكرية والسياسية
والاجتماعية والعقدية ليتم دحر هذا الغزو الاستعماري الجديد في
ثوبه الحديث.
ولعل من البديهي أن نعرج في هذا المنحى على معنى هذا المصطلح في
أصوله اللغوية ، ليتم لنا معرفة ما وراءه من نوايا وأهداف وعقائد.
ذلك أن لفظ " العلمانية " هو تعريب لما اشتق من أصله اللاتيني (
SECULAR
(
ومعناه " اللادينية " كما ورد في معجم أكسفورد، ثم عرب بألفاظ "
الدنيوية، المادية، العلمانية " تجنبا لأي حساسية دينية قد تثار في
المجتمع المسلم الذي هو الهدف الأصيل للاجتياح. كما اقترح بعض
دعاتها أخيرا استعمال لفظي" الديمقراطية العقلانية " بدل هذه
المصطلحات التي استثارت قوى الدفاع الذاتي لدى الأمة ، على اعتبار
أن العقلانية في صميمها تستبعد الغيب وتقصيه عن شؤون الدنيا.
ومن هذا المعنى اللغوي للمصطلح يبدو أن هذه الدعوة قديمة قدم
الصراع بين الإيمان والكفر، والتدافع بين الحق والباطل، لأن
معتنقيها لا يؤمنون إلا بعالم المادة ولا يلتزمون إلا بما يلزمهم
إياه مجتمع الدنيا، وهم بذلك ينكرون الغيب والألوهية وعالم ما بعد
الموت حسابا وجزاء. ولئن حاولوا التدليس بتحديث ما أطلق عليهم
قديما، وانتحال مصطلحهم الجديد " علمانية "، فإنهم عرفوا طيلة
التاريخ الإسلامي تحت عنوان "الدهريين"، وهم الذين أنبأنا الله
تعالى خبرهم بقوله في الآية 24 من سورة الجاثية (وَقَالُوا مَا
هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ
إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ).
ولئن كان الاختلاف داخل دوائرهم التنظيرية حول صياغة تعريف
للعلمانية تكون مقبولة لدى المسلمين، فما ذلك إلا لاضطراب عملية
اجتياحهم للمنطقة، ولما اعترض سبيلهم من حواجز وسدود، ولما عجزوا
عن فهمه من إشكاليات التعاطي مع المجتمع المسلم ذي الموروث الثقافي
المنبثق من أصل العقيدة، مما أدى بأحد عتاة الدهريين العلمانيين
المعاصرين ( أركون ) إلى أن يصرخ متضورا:( هكذا نجد أننا غاطسون في
محيط إيديولوجي كامل ، ولا يوجد أي تفكير جاد أو سليم في مثل هذا
الجو المهيمن على العالم الإسلامي. وبالتالي فإن العلمنة تبدو
مستحيلة تماما في مثل هذا الجو. بل ويصل بنا الأمر إلى حد القول
بأن الوظيفة النبوية قد تشيطنت ..)، ثم يعزو ذلك إلى حركات الدعوة
الإسلامية بقوله:( ولكن الحركات الإسلامية الحالية ذات تأثير كبير
حتى في أوساط هؤلاء الشباب الراغبين أولا في تأكيد أنفسهم سياسيا،
وخطابها يتغلغل بسهولة في أوساط الجماهير الغفيرة).
هذه الصعوبات التي اعترضت سبيل الدهريين المعاصرين ( العلمانيين)،
ظهر نتيجة لها ووسيلة لتلافيها نهجان مسلوكان ذوا هدف واحد هو نشر
اللادينية تحت عنوانيها المعلنين" العلمانية والديمقراطية "، نهج
استئصالي مطاول مرحلي، ونهج استئصالي مصاول متعجل.
يدعو النهج الأول إلى فصل الدين عن الدولة، والسلطة التشريعية عن
السلطة الدينية، ويقدم العلمانية بأسلوب انتقائي، بصفتها مجرد
أفكار وممارسات عملية لتطوير المجتمع وإخراجه من دائرة التخلف، وفي
الحالة المغربية يدعو إلى " لادينية " المجتمع والحكومة، وإسلامية
المؤسسة الملكية التي يجب أن تختزل الدين في جبتها ريثما يرمى بها
وبما في جبتها إلى سلة التاريخ. وقد ظهرت آثار هذا النهج واضحة في
مجالات العلوم والإعلام والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية، لاسيما لدى النخب الفاسدة من ذوي المال والجاه والنفوذ،
الذين حوصروا في مراكز سلطتهم المغتصبة مدججين بالدبابات المحلية
وأرتال الدعم الأجنبي. أما جمهور المسلمين فقد تترسوا بعقيدتهم في
مواجهة هذه الهجمة الشرسة، وتقوقعوا في مجتمعاتهم الدينية بعد أن
عجزوا عن إقامة نظم سياسية تناسبهم.
أما الاتجاه الاستئصالي المصاول فيأخذ على الأول تردده وبطء
أساليبه وغبش رؤيته، لأن العلمانية الأصيلة في نظره تعني فصل القيم
الإنسانية والدينية عن الحياة الفردية والجماعية للأمة فصلا مطلقا،
تمهيدا لإلغائها وتحرير الناس من إسارها، والتمكين للعلمانية
اللادينية الملحدة الصريحة، والنفوذ بها إلى أعماق المجتمع اعتقادا
وفكرا وإديولوجية وممارسة ونظام حياة. وهو ما جاهر به القطب
العلماني اليهودي" كرلستول " بقوله: ( إن العلمانية رؤية دينية
شاملة لها مقولاتها عن الحياة الإنسانية حاضرا ومستقبلا، وتأثيرها
الفعال في العقائد الدينية التي لم تندثر بعد في هذا العصر
العلماني ). وأيده في ذلك اللاديني السوري هاشم صالح الذي دعا إلى
تحرير الفرد والمجتمع من قيود المطلق والغيبي ( الدين ).
هذا الاتجاه يتعامل مع قضايا الدين بصرامة شديدة وحدية مطلقة، ولا
بديل لديه عن استئصال كل ما له علاقة بالغيب من أنماط تفكير وسلوك،
وأصناف علاقات وجدانية ووشائج أسرية وإنسانية، وبناء مجتمع جديد
مصدر الأخلاق فيه والممارسات الخاصة والعامة هو المعرفة المادية
اللادينية.
وبين الاتجاهين هذين ( المطاول والمصاول) يقبع اتجاه تتأرجح
تصريحاته بين المرونة والتشدد، وإن كان جوهريا منضبطا في السياق
العام لمسيرة العلمانية اللادينية الاستئصالية الحدية ومنهجها
الاجتياحي.
يمثل هذا الاتجاه زمرة من ذوي الأصول العربية والشعوبية، على رأسها
كل من حسن حنفي ومحمد أركون.
وإذ يرى الأول في بدء ظهوره أن العلمنة مجرد فصل للدين عن الدولة،
يتحول فجأة إلى اعتبارها منهجا كاملا له رؤية شاملة للكون تنبثق
عنها قيم ومبادئ مهيمنة على كل مجالات الحياة، وتعد مرجعية شاملة
لها، مما يتنافى مع كل مرجعية غيبية ماورائية.
أما أركون فعلى رغم تدليسه على قرائه بادعاء الانتماء إلى الثقافة
العربية الإسلامية، وهو مجرد خريج من المدرسة العلمانية اللائكية
الفرنسية، لم يتعلم اللسان العربي إلا في شيخوخته، والانتساب
العرقي إلى أسرة مسلمة ليس دليلا أو حجة على اعتناق الدين الإسلامي
الذي يتنافى مع العلمانية ويكفر بها، وعلى رغم تنديده التمويهي
بالتيار " العلمانوي الصراعي " كما دعاه، فإنه في جوهر موقفه
العقدي علماني لاديني واستئصالي متطرف، يبدو ذلك واضحا من خلال
كتاباته التي أهال عليها من المساحيق والضبابية والغبش ما ظنه
كافيا للتدليس والتلبيس، فالعلمانية بالنسبة إليه ( موقف للروح؟!
وهي تناضل من أجل الحقيقة أو التوصل إليها ) و ( وهي عمل لا ينتهي
ولا يغلق ) و هي( تجاوز من الباحث كل الخصوصيات الثقافية
والتاريخية وحتى الدينية التي ولد عليها المرء ) و ( وهي تفرض
نفسها بشكل متساو وإجباري على الجميع دون استثناء ) و ( والخصومة
قائمة أيضا دائمة بين العلمنة والدين كما مورسا في بلدان الغرب
نفسه) و ( إذا كان المسلمون يتعلقون اليوم بقوة وعنف بالقرآن فإن
ذلك عائد إلى وجود فراغ تاريخي ينتظر ملأه) و ( والإسلام بحد ذاته-
أي المجتمع الإسلامي كما يفهم من السياق- ليس مغلقا في وجه
العلمانية، ولكي يتوصل المسلمون إلى أبواب العلمنة فإن عليهم أن
يتخلصوا من الإكراهات والقيود النفسية واللغوية؟! والإديولوجية؟!
التي تضغط عليهم وتثقل كاهلهم ) و ( والعقائد والقوانين المشتقة من
الوحي تشكل حتما سياجا دوغمائيا مغلقا – أي عقديا متعصبا- يقبل
العقل البشري في أن ينحصر داخله) وتؤازرها في هذا المنحى كل
العبادات صلاة وصياما وحجا ..أي ( الشعائر والطقوس التي تلعب دورا
هاما بصفتها دعامة وسندا ) و ( والموقف العلماني يتميز بإحداث
القطيعة الجذرية مع كل ما يشرط الموقف الديني ويتحكم به، وهو يفترض
أن فرضية الله أو وجود الله ليست ضرورية من أجل العيش ) و (
والأديان في مجتمع ما هي عبارة عن جذور، ولا ينبغي التفرقة بين
الأديان الوثنية وأديان الوحي، لأن التفرقة بينها تعسف، والنظرة
العلمانية تعلن أنها تذهب إلى أعماق الأشياء، إلى الجذور من أجل
تشكيل رؤية أكثر صحة ) و ( العلمانية مهمة عملية يومية يمارسها كل
مدرس يجد أمامه عقولا طازجة؟! شابة أو بالغة ، ولكن عاجزة عن
الدفاع عن نفسها؟!! ) و ( هي معاشة كتوتر مستمر من أجل الاندماج في
العالم الواقعي ونشر ما نعتقد أنه الحقيقة في الفضاء الاجتماعي -
أي المجتمع -، والمدرس لا يكفي أن يكون محايدا في تعليمه لكي يتوصل
إلى المثال العلماني ويعانقه ) و ( والعلمانية ينبغي أن تتطور
تطورا طبيعيا بمنأى عن إيديولوجيا إسلام معين ومتصور على أنه دعامة
للمقاومة ضد الإمبريالية الاستعمارية ) و ( والعلمانية يجب أن
تهيمن على الفضاء الاجتماعي وساحاته الدينية والسياسية والفكرية
والاقتصادية والثقافية ) و لتحقيق الاستقلالية الكلية للعقل لابد
من ( قطيعة أساسية وجذرية مع الوحي ).
إن المطلع المتعجل على هذه الاتجاهات العلمانية وما تتقاصف به من
نقد وتجريح متبادلين، يتوهم بينها تعارضا وتنافيا ، ولكن النظرة
الفاحصة سرعان ما تكشف أن اختلافها تكامل، وتنوعها تأقلم مع الساحة
التي تعمل فيها. فهي إذا ما دعت إلى مجرد فصل الدين عن السياسة
والدولة فلكون المجتمع الذي تنشط فيه شديد التدين غير قابل لما سوى
هذا الهدف. أما في مرحلة الاستئناس بالعلمانية فتدعو إلى اقتحام
بوابتها على يد أمثال حسن حنفى وأركون، وإذا ما تأسست ركائزها
الأولى تدخل التيار الاستئصالي الحدي لإكمال ما بقي من المراحل،
بنفي الدين عن الأمة أفرادا ومجتمعا، والبلوغ في ذلك إلى مرحلة
القمع لاجتثاث جذور الإيمان من القلوب.
هكذا يتجلى بوضوح تام أن القاسم المشترك لدى العلمانية اللادينية (
الدهرية المعاصرة ) بجميع إيديولوجياتها الليبرالية والماركسية
والقومية والوجودية والعبثية والحداثية وما بعد الحداثية تلتقي في
مبدأ إنكار الوحي وفكرة الدين، و تسعى إلى تأسيس قيم ومبادئ جديدة
منبتة مقطوعة عن أصل الغيب ألوهية ومعادا، أساسها المادة والمصلحة
المنبثقة عنها، واختزال ذلك كله فيما عرف حاليا بالعولمة الرامية
إلى فرض الهيمنة الثقافية الدولية بأخلاقها ونظمها وقوانينها
وتجارتها واقتصادها وآدابها وفنونها، وإسقاط الهوية الدينية
وإلغائها وسحقها، للوصول إلى مجتمع لاديني محض.
إن القطيعة بين العلمانية وبين الدين تأسست في مستهل الحياة
البشرية، وذلك عندما تأسس الدين كلمة ربانية من الله عز وجل لآدم
عليه السلام، نشأت بها وفي كنفها القيم الإنسانية الرفيعة والمبادئ
القيمة الراقية التي لا يد ولا فضل للماديين في تأسيسها والتبشير
بها، ثم ظهر الكفر تمردا للشيطان عن أوامر ربه وإغواء لعباده،
فكان الوحي قبلة للمؤمنين، والشيطان قبلة للماديين العلمانيين
بجميع مسمياتهم في جميع العصور. ومنذئذ انقدح الصراع والتدافع بين
الإيمان والكفر والحق والباطل والتدين واللاتدين( وَلَوْلاَ دَفْعُ
اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ
وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) البقرة251،
وعلى مدار التاريخ البشري، كلما تقلص دور الدين وتنوسيت تعاليم
النبوات عقائد وشرائع ذر قرن العلمانية فردية استبدادية حاكمة أو
تحركا جماهيريا منحرفا ضالا، ولئن كانت مسيرتها في المجال الإسلامي
غير ما هي عليه لدى الدول الغربية، فإنها تلتقي لدى الطرفين في
الهدف المشترك الذي هو إعلاء شأن الإلحاد والتحلل من كل القيم التي
بشرت بها الأديان.
إن جميع المجتمعات البشرية في فترة الضلال الذي يجتاحها مرة بعد
مرة عرفت الإلحاد، وأنكرت الألوهية والغيب كما تنكره العلمانية
حاليا، وما الدهريون السلفيون إلا أصولا للعلمانيين الخلفيين
المعاصرين، تجمعهم المقولة الموغلة في القدم:" ما هناك إلا أرحام
تدفع وأرض تبلع وما بين هذا وذاك ملعب ومرتع ".
إن المجتمع العربي الإسلامي نفسه كان قد عرف أول حركة إلحاد
علمانية منظمة ومسلحة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري،
أسسها المدعو حمدان بن قرمط، واتخذ لها مركزا في الكوفة سماه دار
الهجرة، وركز في دعوته على المستضعفين والحاقدين والناقمين من
الأجراء والموالي والعبيد، واتخذ من الدهرية مذهبا وعقيدة، منكرا
الرسل والشرائع مستبيحا كل ما يميل إليه الطبع، متوسلا إلى أهدافه
بالبطش والقتل وسفك الدماء، متخذا دستورا وقاموسا لأتباعه من رسالة
عبد الله بن الحسين القيرواني التي يقول فيها: ( ادع الناس بأن
تتقرب إليهم بما يميلون إليه، وأوهم كل واحد منهم بأنك منهم، فمن
آنست منهم رشدا فاكشف الغطاء، وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى
الفلاسفة معولنا، وإنا وإياهم مجمعون على رد نواميس الأنبياء ).
ثم توالت إلى يومنا هذا حركات تمرد على النبوة الخاتمة بعقيدتها
وشريعتها، تبرز فيها الدهرية العلمانية كلما ضعفت الدولة المركزية
وتخبو في حال قوتها، من القرامطة إلى المعتزلة إلى الحشاشين إلى
القومية العربية المعاصرة التي اتخذت من العلمانية محتوى
إديولوجيا، إلى الماركسية صريحة الإلحاد، إلى ما عرف حاليا
بالحداثة والعلمانية والعولمة.
وفي المجال السياسي وتدبير الشأن العام ظهرت العلمانية في شكلها
الاستبدادي الفردي ملوكية جبرية، بقيام دولة بني أمية التي احتكرت
السياسة العامة خارج نطاق الشريعة، استنادا إلى ما تقتضيه مصلحة
البيت الحاكم، واستأثرت لذلك بجميع مرافق الدولة إدارة واقتصادا
وتصرفا في المال العام جباية ومصادرة وإنفاقا وأعطيات، ومارست
تسيير الجيوش مدافعة ومهاجمة، وابتداع العقوبات السلطانية الشرسة
التي لا يقرها دين ولا عرف ولا تقليد، وتوجيه الثقافة أدبا وعلما
وبحثا، وقمع التوجهات الفكرية والعقدية المخالفة والمعارضة.
واستمر هذا الحال على صعيد الدول والدويلات التي قامت في المنطقة
الإسلامية إلى عصرنا الحاضر، من غير أن تعرف هذه العلمانية
الملوكية ما عرفته في الساحة الغربية من تطور، لأن فقهاء السلطة
لدى المسلمين أخذوا على عاتقهم تبريرها وتسويقها للعامة على أطباق
من نظريات للاستصلاح والاستحسان والمقاصد والاستصحاب...
أما في ديار الغرب البعيدة عن دائرة الاستقطاب الديني السماوي في
الشرق العربي مهد النبوات والرسالات، فقد سادت النزعات الوثنية
المادية بكل أصنافها، عبادة للأفلاك والكواكب والنجوم واعتقادا في
الأساطير والخرافات والأوهام، وأفرزت صراعاتها فيما بينها أول
تجربة سياسية مادية علمانية في اليونان، ذات توجه ديمقراطي محتكر
بين طوائف أرباب المال والسلطة والقوة.
ثم بعد أن ظهرت الديانة المسيحية وأفرغت من محتواها التدبيري
للحياة، وشيبت ببعض الطقوس الوثنية، واضطرت من أجل المشاركة في
السلطة إلى التحالف مع الإقطاعيين والأباطرة، ساهمت بفتاواها
وتوجيهاتها في قمع الحريات ونهب الأموال وسفك دماء العلماء
والمفكرين واستذلال الطبقات الفقيرة التي لم تجد بدا للتحرر من أن
تخوض ثورات متعاقبة تدعو فيها إلى العلمانية، على الشكل اليوناني
بعد أن قام مفكرو عصر النهضة بتطويره وتحديثه، وتضمينه ما يكفل
مستوى مقبولا من العدالة وحرية الفكر والرأي والإبداع، خارج
الغيبيات الكنسية واستبداد الإقطاعيين والمستغلين..
حينئذ وبتأثير التطور الصناعي وعوامل الإنتاج، وفي ظل التوسع
الاستعماري عرفت أروبا علمانيتين، أولاهما لبرالية حققت أكبر
انتصاراتها في أواخر القرن الثامن عشر بالثورة الفرنسية التي حجمت
الكنيسة في معابدها، ومكنت للمادية الديمقراطية الرأسمالية على رأس
السلطة.
وثانيتهما اشتراكية ماركسية صريحة الإلحاد، توجت انتصارها بثورة
أكتوبر 1917م، وقيام الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي.
وفي مرحلة المد الاستعماري الغربي التي افتتحت بحملة نابليون على
مصر وامتدت إلى كافة المناطق الإسلامية في إفريقية وآسيا، أخذ
تأثير العلمانيتين الليبرالية والشيوعية يتسلل إلى الحياة
الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتولى الترويج لهما مفكرون عرب
وآسيويون، من مختلف الانتماءات الدينية يهودية ومسيحية ومسلمة، في
محاولة للتخلص من الاستبداد والتخلف والضعف، وكان في مقدمة من سار
في هذا الركب علماء وفقهاء انبهروا بما بلغه الغرب من تقدم مادي
على حساب الكنيسة، منهم جمال الدين الأفغاني والطهطاوي ومحمد عبده
ورشيد رضا وغيرهم، تولوا تسويق الديمقراطية الغربية ومحاولة
أسلمتها والتوفيق بين مفاهيم الدين الإسلامي وبين العلمانية
الليبرالية الرأسمالية؛ ثم ما لبثت الماركسية أيضا أن اتخذت لنفسها
مواقع هامة في مختلف الحواضر الإسلامية عربية وعجمية، وتأسست لها
الجمعيات والأحزاب، وقامت بها دول اشتراكية سرعان ما انهارت
بانهيار المعسكر الشيوعي.
ثم في عصرنا الحالي بلغ المد العلماني في أقطار المسلمين أوجه
بجراءته على نصوص الكتاب والسنة تشكيكا وتأويلا ، وعلى ثوابت الدين
ترويضا وتبديلا، وبسعيه الدؤوب للوصول إلى رأس السلطة المركزية
والاستبداد بها.
وما يجري حاليا من توترات سياسية في الدول الإسلامية ليس إلا صراعا
بين الحكم العلماني الفردي الاستبدادي الموروث عن الملوكية العربية
بهامش ضيق من حرية العبادة الفردية والعلاقات الزوجية والأسرية،
وبين العلمانية الشمولية ذات المحتوى الديمقراطي، يشتد هذا الصراع
كلما خلا الجو للطرفين، ويخف ويخفت إلى حد التحالف واقتسام الغنيمة
كلما ظهر التيار التنويري الإسلامي ذو المحتوى الراشدي.
ولئن كان حكام المسلمين الحاليين قد سمحوا لشعوبهم بحرية تنظيم
عباداتهم وأحوالهم الشخصية على قواعد الشريعة، وتركوا للعلمانيين
حق التشريع فيما سوى ذلك، فإنهم تحت ضغط النخب المعلمنة المدججة
بالقوى الأجنبية لاسيما بعد غزو العراق وأفغانستان واحتلالهما وراء
أكثر من سبعين راية معادية للإسلام، قد سمحوا - مقابل البقاء في
سدة الحكم – للعلمانية باقتحام مجال العبادات وإعادة تنظيم المساجد
والسيطرة عليها، وإلغاء تشريعات الأحوال الشخصية وعلمنتها. وبذلك
تحقق العلمانية كامل هدفها الذي هو اعتبار حياة المسلمين عقديا
وتشريعيا وأخلاقيا وأعرافا وتقاليد منطقة فراغ ينبغي أن يملأ، أو
كما قال ( أركون ): " إذا كان المسلمون يتعلقون اليوم بقوة وعنف
بالقرآن فإن ذلك عائد إلى وجود فراغ تاريخي ينتظر ملأه ".
المبحث التاسع
الفراغ التشريعي بين الاجتهادين الفقهي والوضعي
يطلق مصطلح " التشريع " على عملية إنشاء القواعد والضوابط المنظمة
للنشاط البشري عامة، وهو مرادف للفظ " التقنين " الذي هو وضع
قوانين كلية للمعاملات، تنطبق على جميع جزئياتها التي تتعرف
أحكامها منها.
ولئن كان لفظ "القانون " دخيلا على العربية من الفارسية أو الرومية
كما يقول فقهاء اللغة، فإن مصطلح " التشريع" له جذره العربي في
كلمة" شرع "، وحروف " الشين والراء والعين " كما في معجم مقاييس
اللغة أصل واحد هو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، ومنه شرع في الأمر
إذا خاضه، وشرعت الدواب في الماء شرعا وشروعا إذا دخلت فشربت
الماء، ومنه "الشريعة" أي منحدر الماء، ومورد الشاربة التي يشرعها
الناس فيشربون منها ويستقون، والعرب لا تسمي منحدر الماء شريعة حتى
يكون عِدّاً لا انقطاع له وظاهرا لا يستقى بالرشاء.
ومن استعماله المجازي لفظ " شرع " بمعنى " سَنَّ "، و الشريعة
والشرعة ما سنه الله تعالى من الدين وأمر به، قال الراغب في
مفرداته:( سميت الشريعة تشبيها بشريعة الماء بحيث أن من شرع فيها
على الحقيقة والمصدوقية روي وتطهر).
والشريعة والشرعة أيضا الطريق المستقيم والسبيل الظاهر والمذهب
الواضح، يقال: أشرع له الطريق وشرعه له تشريعا أي فتحه وأنفذه
وأوضحه وبينه، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )الشورى 13، قال الراغب:( في الآية إشارة إلى
الأصول التي تتساوى فيها الملل ولا يصح عليها النسخ كمعرفة الله
تعالى ونحو ذلك...).
ولئن كان التشريع الوضعي ( القوانين الوضعية ) لدى الأمم غير
الإسلامية إنشائيا و غير مقيد في مجمله بما سوى القانون الطبيعي
ومبادئ العدالة والأعراف والمصالح، فإن التشريع الإسلامي له مصادره
الواضحة الملزمة في الكتاب والسنة، وما يحمل عليهما ويستند إليهما،
كما أن له في منطقة الفراغ التشريعي-أي الجوانب التي لا تحكمها
النصوص مباشرة- ضوابط بينة لحركيته الإنشائية انطلاقا وسيرا وتوجها
وغاية، إلا أن عدم ارتكازه مباشرة على النصوص يجعل مجال فاعليته
غير بعيد عن مجال القانون الوضعي، ويضفي على مباحثه من العمومية
واضطراب المفاهيم ما يكاد يربكها، ويطرح في ثناياها جوانب فلسفية
ومعرفية مشتركة بين مختلف الشعوب والأمم، والملل والأديان، خلافا
للتشريع النصي الذي له مصادره المتميزة الضابطة لأحكامه
الاجتهادية.
ولئن كان مجال منطقة الفراغ التشريعي بعد وفاة الرسول صلى الله
عليه وسلم ضيقا لبساطة الحياة حينئذ وبدائيتها، فإنها اليوم أشد
اتساعا وأكثر تعقيدا بما تشهده البشرية من أصناف معيشة، وتنوع
اختراعات ومعارف ومكتشفات، وكثافة تفاعل اجتماعي وتبادل للمنافع
والحاجات، مما يجعل التفكير في تغطيتها تشريعا وتقنينا ضرورة ملحة
لا غنى عنها.
لذلك تشكل هذه المنطقة بين التشريعين الإسلامي والوضعي، نقطة تماس
شديدة الحساسية، وجسر تواصل وعبور متبادلين ، له سماته الإيجابية
والسلبية التي لا يجوز تجاهلها أو إغفالها.
وكما أن لكل من التشريعين ميزته التي يختص بها دون الآخر، فإن
بينهما صفات مشتركة تتأرجح بين السلب والإيجاب، تبعا لقوة
معسكريهما أو ضعفهما ثقافة وعلما ومنعة.
ولعل أبرز هذه السمات المشتركة بينهما تكمن في إنشائية التقنين
والصياغة لديهما أولا، وفي مرجعيتهما المصلحية بأوجهها الفردية
والاجتماعية ثانيا، وفي اضطراب تحديد ضوابط الأهداف والغايات لدى
فقهائهما ثالثا.
أما الإنشائية المشتركة بينهما فإن الوضعيين يعدونها نتيجة
طبيعية لعقيدتهم الدنيوية المادية، التي ليس لها من هدف سوى
المصلحة الفردية أو الجماعية أو التوفيقية ؛ ولئن كان فقهاء
المسلمين يبنون اجتهادهم في هذا المجال على المصالح المرسلة ومقاصد
حفظ الضرورات الخمس بحاجياتها وتحسيناتها فإنهم يضفون فيها على
أحكامهم الصفة التعبدية تحت طائلة الإيجاب والتحريم والثواب
والتأثيم، على رغم أن هذا الموقف منهم قول صريح بالرأي المذموم
المنهي عنه، ومخالفة صريحة لجوهر التشريع الإسلامي، الرامي إلى
اليسر والتخفيف، وتقليص دائرة المحرمات والواجبات، وسد الذرائع
التي تجعل الحياة مجرد أوامر ونواه غير محدودة، وأوزار غير منضبطة
تعكر معيشة المرء وتوتر علاقاته الاجتماعية. وهذا ما يشير إليه
القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع صحابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
فمن القرآن الكريم قوله تعالى:
) وَلا
تَقْفُ ما لَيْسَ لَكِ بِهِ عِلْمٌ
( الإسراء
36 .
)يا
أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ
وَرَسُوْلِهِ (
الحجرات 1 .
)
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا
تَعْلَمُوْنَ (
الأعراف 33 .
)
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ
بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ
(
الأنعام119.
)
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ
سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ
افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ(
الأنعام 140.
)يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا
أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ(
المائدة87.
)
قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم
مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ
أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ(
يونس 59.
)وَلاَ
تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ
وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ(
النحل 116.
ومن السنة : قوله
r :"
إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، ونهى عن
أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا
عنها " ( جامع المسانيد والسنن 13/454 - عن أبي ثعلبة الخشني).
وقوله
r
فيما رواه عمر رضي الله عنه أثناء إحدى خطبه:" قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم :( إن الله أنزل كتابا وافترض فرائض فلا تنقصوها وحد حدودا
فلا تغيروها وحرم محارم فلا تقربوها وسكت عن أشياء لم يسكت نسيانا
كانت رحمة من الله فاقبلوها ). إن أصحاب الرأي أعداء السنن تفلتت
منهم أن يعوها وأعيتهم أن يحفظوها وسلبوا أن يقولوا لا نعلم،
فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم فإن الحلال بين والحرام بين
كالمرتع حول الحمى أوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى وحمى الله
في أرضه محارمه" – كنز العمال-
وقوله r
:" ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم
واختلافهم على أنبيائهم . ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به
فاتوا منه ما استطعتم " رواه البخاري ومسلم.
وقوله r
فيما رواه أبو هريرة " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنما هلكت بنو إسرائيل حين حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم
فوضعوا الرأي فضلوا ".
ومن إجماع الصحابة رضي الله عنهم على
ذم الرأي:
قال الإمام علي كرم الله وجهه:" ثلاثة لا يقبل معهن عمل الشرك
والكفر والرأي، قالوا يا أمير المؤمنين ما الرأي؟ قال تدع كتاب
الله وسنة رسوله وتعمل بالرأي- كنز العمال -
وقال"" لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه،
وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه" -
أبوداود والألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح -.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر:" يا أيها الناس
إن الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا لأن
الله كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف " - أبو داود-.
وقال أيضا: أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها
وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم،
فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم" - ابن القيم في أعلام
الموقعين -.
وعن ابن المنكدر قال: إن العالم يدخل
فيما بين الله وبين عباده فليطلب لنفسه المخرج.
وعن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي
سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل،
فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من
يعذرني من معاوية، أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على
عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا
تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن.
وقال أبو هلال :" سألت قتادة عن مسألة فقال: لا أدري، قال: قلت قل
برأيك، قال: ما قلت برأيي منذ أربعين سنة، قلت: ابن كم كان يومئذ؟
قال: كان ابن نحو من خمسين سنة.
وسئل عبد الله عن شيء فقال: إني لأكره أن أحل لك شيئا حرمه الله
عليك وأحرم ما أحله الله لك.
وعن الشعبي قال: جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال: كان بن مسعود يقول
فيه كذا وكذا، قال :أخبرني أنت برأيك، فقال: ألا تعجبون من هذا ؟
أخبرته عن بن مسعود ويسألني عن رأيي، وديني عندي آثر من ذلك، والله
لأن أتغنى أغنية أحب إلي من أن أخبرك برأيي.
ونقل عن أبي بكر - رضي الله عنه - قوله : ( أي سماء تظلني وأي
أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي ).
وقال ابن عباس رضي الله عنه: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم
تمض به سنة رسول الله لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل –
سنن الدارمي -.
ومن المعقول أن الأحكام الشرعية إيجابا وتحريما وإباحة مصدرها
الغيب بواسطة النبوة الخاتمة، والنبوة غابت بعد أن بلغت دون تبديل
أو تغيير(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) الحاقة
44 - 47، فمن أي مصدر شرعي استقى المبتدعون بالرأي هذه الأحكام؟،
ومن أي غيب استوردوها؟، وكيف جوزوا لأنفسهم انتحال صفة الأحبار
والرهبان؟ قال تعالى:
) اِتَّخَذُوا
أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُوْنِ اللهِ (
التوبة 31، وقال:
)
أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّيْنِ ما لَمْ
يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ( .
الشورى 21 .
إن الرأي المذموم والمرفوض هو ما دخل بين المرء وربه، مضيفا حلالا
أو واجبا أو حراما،
بما لا يستند على النصوص أو يحمل عليها،،لأن هذا من المجتهد
بالرأي إضافة مبتدعة في الدين وقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيما روته عائشة رضي الله عنها: ( من أحدث في أمرنا هذا ما
ليس منه فهو رد ) – ابن ماجه وأبو داود -.
لقد حاول أصحاب الرأي الاحتجاج بأحاديث تجيز إعمال الرأي مقيدا
بالكتاب والسنة، وليس لهم فيها حجة، لأن الاجتهاد العقلي أقر مبدؤه
وأرسيت أسسه واتضحت صورته وتبينت حدوده في زمن الرسول صلى الله
عليه وسلم، الذي كان معصوما من الخطأ مسددا بالوحي مستندا إليه،
وليس بعد الرسول عليه الصلاة والسلام من له هذه الخاصية. ثم هو بعد
ذلك مقيد بالنصوص لا ينفك عنها، وما تحرر منها وخلع ربقتها تقول
وتخرص بغير علم.
إن التفكير العقلي المجرد لا يمكن أن يكون أصلا من أصول الشريعة،
ولكنه في القضايا الدنيوية التي لم يرد فيها نصوص ولا تقبل الحمل
عليها، أداة من أدوات تنظيمها وحل إشكالاتها وضبط مسائلها على يد
الأمة في فضاءاتها الشوروية العامة، من غير أن تربط بالجزاءات
الدينية ثوابا وعقابا، أو تكون ذريعة للمس بثوابت الدين ومقاصده
حذفا و إضافة.
إن تقنين منطقة الفراغ التشريعي وقد خلت من النصوص التي يمكن
الاستناد إليها في عملية الاجتهاد والاستنباط ينبغي أن لا يقحم في
دائرة الأحكام الشرعية العملية الخمسة ، وأن يبقى في مجال التنظيم
العام الذي يقوم به المجتمع منعا وإلزاما تحت طائلة المخالفات
الدنيوية المتعلقة بتدبير الشأن العام. لأن في اعتباره شرعا دينيا
وعملا تعبديا، افتياتا على الشارع ومخالفة لصريح الكتاب والسنة،
وذلك ما أشارت إليه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه
الجماعة إلا البخاري من حديث سليمان بن بردة: (وإذا حاصرت أهل حصن
فأرادوك أن تنـزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن
أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا )، وما
تبرأ منه حال وفاته عليه الصلاة والسلام بقوله مخاطبا أصحابه: (
إني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم
أحرم إلا ما حرم القرآن ) – السيرة الحلبية 3/467 -، كما أنه
تجميد للتطور يتوقف به الزمان عن السير، ويعتقل به الحاضر في
الماضي ويسجن به الخلف في دائرة اجتهاد السلف، ويتخلف به المسلمون
عن مسايرة ركب الحضارة والتجدد، وينقطع به حبل التواصل الإيجابي مع
الثقافات والمجتمعات.
كما أن للاعتراف بالصفة الإنشائية للتشريع في هذه المنطقة ، والعمل
بمقتضاها، مزايا لا ينبغي إغفالها
أو إهدارها، فهي تفتح بابا واسعا للمرونة والارتقاء، وسبيلا
لمسايرة الزمان في تغيره والمكان في تطوره، وتزود الاجتهاد بما
يحتاج إليه من الشجاعة والاقتحامية والجرأة والتجديد والتجدد، ضمن
ضوابط الدين وثوابته، من غير أي انفلات عن أحكامه وتعاليمه، أو خلط
بين الإلهي والبشري في التقريرات والتصرفات.
إن التشريع النصي بثوابته في الكتاب والسنة يعد رأسمال المجتمع
الإسلامي وذخيرته الأزلية ، التي تمده بالقوة والعزة ومصداقية
التصرفات والمعاملات؛ أما التشريع الإنشائي بمرونته وقابليته
للتطور والتجدد فهو إضافة ومكسب وربح ونماء. وبالتشريعين معا تواصل
الأمة مسيرتها لإقامة مجتمع الشهادة والمنعة على دعامتين متينتين
متوازيتين، تحفظ أولاهما كنوز العقيدة وثوابتها تصورا ومنهج حياة،
وترفدها الثانية برصيد التجربة المتنامية والخبرة الواعية،
والتفاعل البناء الإيجابي مع مستجدات الزمان والمكان والأحوال.
أما فيما يتعلق بالسمة الثانية المشتركة بين التشريعين الفقهي
والوضعي، وهي المرجعية المصلحية بأوجهها الفردية والجماعية، فإن
اختلاف مصطلحات التعبير عنها لدى الجانبين لا يلغي جوهر اعتمادهما
عليها وتبنيهما لها.
فالمصلحة في الفقه الإسلامي عامة، أداة لاستنباط الأحكام الشرعية
العملية، سواء فيما اعتبره الشارع منها وقام الدليل على رعايته أو
ما لم يقم دليل على اعتباره أو إلغائه.
ومنذ أفتى الإمام علي كرم الله وجهه، بثمانين جلدة حدا لشارب
الخمر، اعتمادا منه على مبدأ مآلات الأفعال والتصرفات وطلبا لمصلحة
حفظ الأعراض، بقوله:( نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى
المفترين ثمانون )- المستدرك على الصحيحين - إلى عصرنا هذا، لم
تغب نظرية المصالح المرسلة عن الاجتهاد الفقهي، وإن ضاقت دائرتها
لدى البعض واتسعت لدى غيرهم.
منذئذ واصلت هذه النظرية مسيرتها، في الفقه الحنفي استحسانا والفقه
المالكي والحنبلي استصلاحا مطلقا فيما لا يتعارض مع النصوص، ولدى
المدرسة الشافعية توسعا في القياس ثم انخراطا في الاتجاه المالكي
على يد الغزالي ومن تبعه.
لقد كان الفقه في أول عهده استخلاصا صريحا ومباشرا من النصوص، ثم
انبثق عنه اتجاهان متوازيان أحدهما لأهل الحديث وثانيهما لأهل
الرأي المعتمدين في بداية أمرهم على كشف العلل والاستدلال بها، ثم
على الحكمة والاستنباط منها استحسانا واستصلاحا، ولعب علم أصول
الفقه دورا كاشفا عن مساحات شاسعة من الفراغ التشريعي الذي استحثت
له الهمم تنظيرا وتقعيدا.
ومع بداية القرن الهجري الخامس أخذت نظرية المصالح تتضح وتتبلور،
فحصرها الجويني في عناوينها ضرورية وحاجية وتحسينية، وعلل الغزالي
الأحكام الشرعية بما تقضي به من جلب للمصالح ودفع للمفاسد، ورتبها
الآمدي بأولويات أهمها فمهمها، وعمم عز الدين بن عبد السلام
التعليل بها في منطقتي التشريع النصي والفراغ التشريعي، وفتح لها
القرافي بابا مشرعا بتمييزه في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم
وأفعاله وتقريراته بين ما هو مطلق وما هو مقيد بالزمن والمكان
والحال, وبنى عليها ابن تيمية وابن القيم مجمل مباحث السياسة
الشرعية وحاولا التمييز بين دنيويتها الصريحة وشرعيتها الأصيلة.
كما طفح اتجاه سائب على يد الطوفي، وهو فقيه مضطرب المواقف والآراء
متردد الانتماء بين الشيعة والحنابلة، يسعى لجعل المصالح أداة لخلع
الربقة ، واعتبارها مقدمة على النصوص ناسخة لها في حال التعارض
والتنافي.
ثم خطت نظرية المصالح خطوتها النوعية تحت عنوان المقاصد لدى
الشاطبي الذي اعتمد لإثبات قطعيتها على التعاضد بين الظنيات،
وكونها مشخصة لمرامي الأحكام ومآلات الأحوال، ولأن الأعمال الشرعية
في رأيه ليست مقصودة في نفسها غالبا، ولكن قصد بها أمور أخرى هي
معانيها والمصالح المتوخاة منها. وإذ جعل أقصى غاياتها حفظ
الضرورات الخمس التي هي النفس والعقل والدين والنسل والمال في
دائرة الفردية، فإنه أغفل دورها في مجال تدبير الشأن العام للأمة،
واستهان بالقيم الإنسانية ومكارم الأخلاق فجعلها مجرد تحسينات بعد
الضرورات والحاجيات.
وفي القرنين الميلاديين الأخيرين وقد أطبق الاستعمار الغربي على
أرض الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، واصطدم التخلف المحلي
بالاكتساح الأجنبي الشامل عقائد وأخلاقا وأرتالا عسكرية استنصر
الفقهاء بمقاصد الشاطبي على يد محمد عبده وابن عاشور وعلال الفاسي،
وحاولوا توظيفها للتوفيق بين واقع المسلمين ومبادئ دينهم وبين
مختلف المفاهيم والطرائق الوافدة على أسنة الرماح، وكان الانبهار
والإعجاب سمة التعامل معها مما حال دون نقدها وسبر غورها، وحاصر
منظريها تحت سقفها وبين جدرانها.
إننا لا ننكر محاولات المتحمسين لها وجهودهم في مقارعة جائحة الغزو
الأجنبي استيطانا وثقافة وعقيدة، بتوسيع مجال استعمالها دفاعا عن
قيم الإسلام ومبادئه وشريعته ؛ فلقد أضاف ابن عاشور إليها مقصد
الحرية، وأضاف غيره مقصد العرض، ومن المعاصرين من أضاف العدل
والكرامة والأمانة وحقوق الإنسان والتزكية والإحسان والاستخلاف
والعمران البشري، ومن ميز بين المقاصد الحيوية والمقاصد العقلية
والمقاصد الروحية، ومن حاول تحت ضغط الصراع المحتد بين اتجاهات
إسلامية حديثة وبين الغزو الغربي المعاصر للأمة الإسلامية في
العراق وأفغانستان إجمال المقاصد تحت عناوين كلية تستوعبها بنية
معرفية واحدة متناسقة تحكم النصوص، على اعتبارها مجموعة قيم مسالمة
مطواعة تأخذ شكل أي وعاء وضعت فيه، وتتلاءم مع كل متغيرات الأزمنة
والأمكنة والأحوال، وتمثل في رأيهم النزوع الإنساني نحو الوسطية
والاعتدال وحب الخير وعدم التعدي.
وفي نهاية هذا المطاف المعاصر للمقاصد ظهر تيار أحيى " الطوفية"
السالفة، ودعا إلى تجاوز النصوص مطلقا، لكونها في نظره مجرد تعبير
عن حرفية النص، وإلى إخضاع الاجتهاد الفقهي للمصالح والمقاصد التي
يعدها المعبر الوحيد عن روح الإسلام، وفتح الباب مشرعا بهذا التوجه
السائب للتيارات المعادية لجوهر الإسلام، الداعية جهارا لإبطال
الشريعة وتجاوزها والتحلل من ربقتها، كما هو لدى الماركسية
والليبرالية والحداثية وما بعد الحداثية...
هذا تلخيص موجز لنظرية المصالح والمقاصد كما تناسلت في الفكر
الأصولي قديما وحديثا، ولئن كان نقدها يخرج بنا عن سياق ما نحن
بصدده من مقارنة بين التشريعين الفقهي والوضعي، وكان كتابي السابق
" الأحكام السلطانية محاولة نقدية للتأصيل والتطوير " قد تناول
الموضوع بصفة أكثر توسعا، فإن هذا لا يمنع من أن نشير إلى مآخذ
أخرى على هذه النظرية نوجزها في:
1-
أن المقاصد تختلف باختلاف الأهداف والغايات والإرادات والثقافات،
ومراكز القوة والسلطة في الدولة والمجتمعات ( مِنكُم مَّن يُرِيدُ
الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ)آل عمران 152، وهذا
يجعلها لا تعبر مطلقا عن إرادة المجتمع وعموم المواطنين، وما
يستتبع ذلك من فتن الاختلاف والتناحر والتقاتل بين الفئات ذات
المقاصد المتنافية والمصالح المتعارضة.
2-
أن المقاصد باعتبار كونها أداة لتحقيق مصالح الأفراد في خاصة
أنفسهم والجماعة في عموم أمرها وغاية الدين بتكاليفه وقبلة توجهه
وهدايته لما يجمع للدولة ومواطنيها حسنى العضوية في مجتمع الجسد
الواحد وحسنى تحقيق المصالح المشتركة وحسنى بناء الأمة الشاهدة،
يعد احتكار حق تمييزها والتعريف بها وفرض رعايتها من قبل فقيه أو
حاكم أو طائفة أو مذهب، متنافيا مع جوهرها وغاياتها، كما يجعلها
أداة للاستبداد والظلم وسبيلا إلى الطغيان ومصادرة الحقوق. لذلك
شابت هذه النظرية في مفاصلها التاريخية مثالب من عدم الوضوح والخلط
والتعارض، وتنافي علل اعتبارها وطرق تمييزها وتحقيقها وترتيب
أولوياتها وضبط معاييرها، وفقد بذلك الاجتهاد فيها كثيرا من
حياديته وموضوعيته وصفاء التوجه به إلى المصلحة العامة المؤطرة
بإخلاص العبودية لله تعالى.
3-
أن التفكير الأصولي والاجتهاد الفقهي المعاصرين ظلا حبيسين للنظرية
كما وردت عن الشاطبي، ولئن حاولا توسيع مجالها بإضافة مقاصد
مستحدثة، فإنهما عجزا عن صياغة إطار لها عقدي فكري يجمع شتاتها على
أساس وحدانية مصدرها ومنهج عملها وغاية سيرها وربانية قبلتها
وحاكمية مرجعيتها.
4-
أن اختزال المقاصد فيما ذهب إليه الشاطبي وما أضافه الاجتهاد
المعاصر من مصالح الحرية والعرض وحقوق الإنسان... جعلها حبيسة
المنافع الدنيوية فردية كانت أو جماعية، وصهرها صهرا يكاد يكون
تاما في الاتجاه البراغماتي النفعي إن لم يكن المكيافيلي، وهذه
محطة يلتقي عندها الفكر الفقهي والاجتهاد الأصولي بالفكر الغربي مع
بعض الاختلافات الشكلية في المصطلحات والتأويلات.
ولئن كان الفقه الإسلامي قد اختزل ضوابط التشريع خارج النصوص في
نظرية الاستصلاح المقاصدي بما أهال عليها ركاما من الفوضوية
والاضطراب والتسيب، حال دون بلورة قاعدة مطلقة تؤمن سيادة العقيدة
ومقصدها الأعلى في الجزئيات والكليات والتكاليف والغايات، فإن
الفقهاء الوضعيين فلاسفة وقانونيين واجتماعيين كذلك يعانون نفس
حالات الخلط وغبش تعارض المذاهب في محاولاتهم اكتشاف ضوابط تحدد
أهداف القوانين وأولويات غاياتها من بين مختلف المبادئ المرصودة
حرية وعدالة وأمنا وإشباع حاجات.
فبينما يذهب الفرديون إلى اعتبار الإرادة الفردية مصدرا للقانون
مقدما على غيره، والحرية أعظم القيم التي لا يجوز التنازل عليها،
يرى الاجتماعيون أن مصلحة المجتمع مقدمة على مصلحة الفرد وحاكمة
عليها، ويفضل غيرهم التوفيق بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة في إطار
العدالة والنظام والأمن والمواطنة السليمة.
ولئن كانت العدالة قيمة نسبية يحاول القانون الوضعي تحقيقها لتوفير
قدر من التوازن داخل المجتمع الواحد، فإن من المتعذر ضبط معاييرها
بما يضمن سلامة تدخلها بدون مساس بالحرية التي هي مصدر تفجير
الطاقات الإنتاجية واستثمارها، وذلك لتنوع حاجات المجتمعات
الإنسانية واختلاف ظروفها وثقافاتها ومبادئها وآرائها وتقاليدها
وأعرافها، مما يضفي على منظومة القوانين المعتمدة من قبل المشرع
الآمر، والمنفذة من قبل العامة الخاضعة، لبوسا قاتما من التحكم
والديكتاتورية ومصادرة الحريات والاستهانة بما تراه شرائح المجتمع
صوابا وتطالب بتطبيقه.
كما أن مقصد العدالة والمساواة في تحقيق المصالح وتحديد المقاصد
لدى الفقهاء و الوضعيين يطرح تساؤلا حصيفا حول من يحق له صياغة
قوانينها الملزمة، ومن يملك الخبرة الشاملة والمعرفة الدقيقة
بمصالح جميع المواطنين على الجملة والتفصيل، والصفة التي تؤهل
للنيابة عن جميع أصحاب الحقوق والمصالح والتكلم باسمهم.
لذلك نرى أن ما يطبع النظريات الوضعية فيما ذهبت إليه من غايات
القوانين وأهدافها، والنظريات الفقهية في مجال الفراغ التشريعي،
يجعل من العسير التمييز بين إسلامية الاجتهاد الفقهي خارج النصوص
وبين دنيوية التشريع القانوني ووضعيته، لأن المصالح والمقاصد حفظا
للضرورات الخمس بحاجياتها وتحسيناتها هي في جوهرها غايات القوانين
الوضعية المعاصرة حرية وعدالة وأمنا ومصلحة عامة، إن لم نقل إنها
أقل شمولية وتركيزا، وأكثر قابلية لتسويق الاستبداد والظلم ومصادرة
الحريات.
المبحث العاشر
الفراغ التشريعي والحل الشوروي
تأكد لدينا في المباحث السابقة أن
مناهج الفقهاء في محاولتهم ملء منطقة الفراغ التشريعي شانتها
مثلبتان، أولاهما الافتيات على الدين بإضافة أحكام بالإيجاب
والتحريم والإباحة اعتمادا منهم على مجرد الرأي المذموم، وثانيتهما
الافتيات على الأمة بمصادرة حقها في تدبير أمرها واستبعادها عن
البث في قضاياها الدنيوية الموكولة إليها بنص الكتاب والسنة.
واتضح لنا كذلك مدى الخلل فيما دعي
لدى الفقهاء والعلمانيين سياسة شرعية أو قوانين وضعية تروم احتلال
موقع التشريع الإسلامي في حياة الأمة.
اتضح كل هذا، وبقي بكل موضوعية وإلحاح
سؤال البديل الشرعي الكفيل بتغطية منطقة الفراغ التشريعي. ذلك أنه
إذا كان مجال الحاكمية المباشرة للنصوص واضحا لا لبس فيه، فإنه في
القضايا الدنيوية التي لم يرد فيها تشريع حاسم، يزداد تعقيدا
وصعوبة كلما حاولنا استنباط قواعد له ترقى إلى مستوى التشريع
النصي.
إن اشتراطنا لإسلامية الدولة أن يكون
تشريعها بصفتيه النصية وغير النصية وثيق الصلة بالكتاب والسنة،
يجعل منطقة الفراغ التشريعي مفتقرة إلى الشرعية ما لم تنضبط بما
يوثق نسبتها للنهج الإسلامي، ولم تتضح معالم صلتها به على صفة من
الصفات المعتبرة.
وليس لهذا الانسداد من مخرج إلا
باللجوء إلى نظام الشورى الجماعية كما قررها الشرع الحكيم وطبقها
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو ما نعبر عنه بالحل الشوروي
الضارب في عمق العقيدة الإسلامية راكزا ومتجذرا، بصفته منهج تدبير
شامل لما سكتت عنه النصوص، وأداء جادا للمسؤولية، وسلوكا حضاريا
سويا مسايرا للأعصر والأزمنة، وضامنا للحرية والعدالة والمساواة
على صراط قاصد مستقيم نحو إقامة الأمة الشاهدة والخلافة الراشدة.
إن الحل الشوروي لدينا يعني أن يقوم
شعب الدولة الإسلامية في فضاءاته الشوروية بوضع القواعد والقوانين،
مدونة وملزمة، وكفيلة بملء منطقة الفراغ التشريعي في جميع مجالاتها
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والصناعية والعسكرية
والعلاقات الداخلية والخارجية، بما يكفل سيرا مؤسساتيا على وتيرة
متناسقة متكاملة تحقق المصالح الخاصة والعامة والمشتركة، وتصون
البلاد والعباد، وتضمن الحقوق وتيسر سبل القيام بالواجبات.
إن هذا الحل باستناده إلى الشرعية
الشوروية، وإلى الإرادة الجماعية، يجسد على صعيد الواقع الملموس
حرية الأمة ومسؤوليتها في تدبير أمرها العام، واختيارها الجماعي
الحر، وشجاعتها على التحمل الطوعي لنتائج ما قررت وما اختارت.
إن الأمة إذ تقوم في فضاءاتها
الشوروية بوضع تشريعاتها المناسبة لأحوالها والخادمة لمصالحها
والمحافظة على أمنها والدافعة لمسيرة تطورها وتقدمها، إنما ترسم
بذلك دائرة تكامل التقعيد والتقنين والبناء التنظيمي وخطط التعبئة
والسوق نحو المقصد الأعلى لوجودها وتكليفها، وتتسنم بذلك ذروة
الريادة على دعامتين متينتين من تشريع نصي وآخر شوروي يعانقه
ويؤازره ويسايره.
إلا أن هذا الحل الشوروي نظرا لصفته
الإنشائية مضمونا وصياغة، ولتعلقه بقضايا دنيوية لم ترد في شأنها
نصوص الكتاب والسنة، ولتحرره من احتكار طبقتي الحكام والفقهاء وإن
كان لهم حق المشاركة فيه مع عامة الشعب، قد توجه إليه سهام النقد
والاعتراض والتشكيك في شرعيته وجدواه.
أول هذه الاعتراضات أن الحل الشوروي
يعني وضع قواعد وإلزامات من خارج الكتاب والسنة وما يحمل عليهما أو
يستند إليهما، وهو بذلك زيادة في الدين واتهام له بالتقصير وعدم
استيعاب مستجدات الزمان والمكان وتطورات الأحوال، والله تعالى
يقول:( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا
لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ -الشورى : 21 - (مَا فَرَّطْنَا فِي
الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) - الأنعام : 38 -.
وثاني الاعتراضات أن مصدر الحل
الشوروي هو الرأي المذموم وذلك ما عيب على الاجتهاد الفقهي
والتقنين الوضعي في هذا المجال.
وثالث الاعتراضات أن الحل الشوروي
والقوانين الوضعية والاجتهاد الفقهي سواء في إنتاج القواعد
والتشريعات المضطربة السائبة التي لا تحكمها ضوابط إسلامية بينة
واضحة، وذلك يجعلها خاضعة لهوى منشئيها وصاغتها.
ورابع الاعتراضات أن مشاركة العامة
بمستواهم العلمي والثقافي الضحل ، في وضع قواعد الحل الشوروي، أمر
غير مجد وغير متيسر، إن لم يكن مربكا للعملية التشريعية برمتها
وخامس الاعتراضات أن التشريعات
الشوروية والاجتهادات الفقهية والتقنينات الوضعية يجمعها كلها ناظم
واحد هو المصلحة، سواء كانت فردية أو جماعية أو مشتركة، وهذا
الناظم لا يمثل قاعدة عامة ومنضبطة تستوعب جزئيات التشريع وكلياته
وتعصم من التسيب والفوضى التشريعية القابلة للتسخير السياسي
والانحراف عن الجادة.
الاعتراض الأول
الحل الشوروي والحكم بغير ما أنزل الله
بالنسبة للاعتراض الأول ينبغي أن نبين
أنه ناتج عن عدم استيعاب لما نذهب إليه من أمر الحل الشوروي
بأبعاده الفقهية والعقدية. ونحن في نفس الوقت لا ننكر إنشائية
قواعده جوهرا وصياغة، أو عدم انتسابها إلى النصوص حملا واستنادا،
ولا ننفي أنه متعلق بأحكام للتدبير العام مما لم يجمله الشارع أو
يفصله ، من قضايا النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي خاصا
وعاما، واكتفى بجعله تحت مظلة قواعد ومبادئ عامة من عدل وقسط
ونظافة أنفس ومجتمع، وكل هذا يعزز رأي المعترضين ويقوي حجتهم، ولا
يساعد على اعتبار ما يصدر عن الفضاءات الشوروية شرعا إسلاميا
وشريعة ربانية، بل يكاد يؤكد الاتهام بالافتيات على الدين والحكم
بغير ما أنزل الله عز وجل.
إلا أننا إذا تناولنا الموضوع من
زاوية أخرى أشد عمقا وأدق نظرا وأعلى استشرافا، بدا لنا ما يدحض
هذه التهم ويفل تلك الحجج.
ذلك أن الحياة الدنيا في ابتلاءاتها
المقدرة ذات شقين إلزامي وطوعي، تعبيد وعبادة ؛ ولئن كانت الأحكام
الشرعية العملية موضوعة لاختبار الطاعة والامتثال الحرفي للأوامر
والنواهي، مما يجعلها تعبيدا تنفيذيا ملزما ، فإن التكليف بواسطة
حرية التنظيم الذاتي للنشاط الدنيوي المسكوت عنه ، وبوضع قواعد
تدبيره وتنميته ، ابتلاء آخر طوعي تبرهن به الأمة على صدق
استعدادها ورغبتها في تعبيد هذا الصنف من النشاط لربها، بإقامة أمر
الإسلام العام ، الذي يتم به نوره ويمكن به لأوليائه ؛ فتكون بذلك
حياة الأمة ذات شقين متكاملين ، شق العبادة التنفيذية للأحكام
الشرعية، وشق العبادة التصرفية المرسلة ؛ على أن يخدم الشقان معا
هدفا واحدا تتم به العبادة الكلية، التي هي إقامة خير أمة أخرجت
للناس، ضمن دولة شاهدة، وخلافة على نهج النبوة .
إن التشريع الإلهي لم يفرط أو يهمل أو
يغفل شيئا، ولكنه وزع مهام البلاء المتعلقة بالعبادة بين جهات
الاختصاص؛ فما كان منه تعبيدا بمجرد الامتثال في مجال العقيدة
والأحكام جعل عليه القرآن والسنة دليلا، وما كان تعبيدا اختياريا
لابتلاء الإرادة والرشد والنوايا في القضايا الدنيوية المسكوت
عنها، اتخذ له نهجا قرآنيا خاصا للتربية والتأهيل وجعله من أمر
الأمة تسلط عليه، وتقرر فيه بمقتضى قوله تعالى :
)
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
(
الشورى 38.
نحن لا نشك مطلقا في أن التشريع بغير
ما أنزل الله تعالى محرم قطعاً ومؤد إلى الكفر إن لم يكن الكفر
بعينه ويدخل في ذلك تحريم ما لم يحرم وإباحة ما ورد تحريمه وكل
زيادة أو نقص أو تبديل في الدين، وقد روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن
أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل:
)
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ
اللَّهِ
(
التوبة 31، هل عبدوهم؟ فقال : لا ، ولكن أحلوا لهم الحرام
فاستحلّوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه .
وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال :
أتيت النبي
r
وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ما هذا يا عدي ؟ اطرح عنك هذا الوثن"
، وسمعته يقرأ من سورة براءة :
)
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
(
التوبة31 ، ثم قال: " أما إنهم لم يكونوا
يعبدونهم ، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلّوه ، وإذا حرّموا
عليهم شيئاً حرموه ".
ولكن مفهوم المخالفة في قوله عز وجل :
)
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ
الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
(الشورى
21 ، يبين أن في الأمر تشريعين إنشائيين ، أحدهما محرم هو ما لم
يأذن به الله، وآخر مباح هو ما أذن فيه بقوله تعالى)
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
(
الشورى 38.
لاشك أن عملية التشريع الشوروي وضع
لقوانين وإنشاء لقواعد، ولكن هذه العملية في ميدان سكت عنه الشرع
وفوض للأمة أمر تدبيره أولا، وخارج دائرة التأثيم الديني تحريما
وإيجابا وإباحة ثانيا، وتحت طائلة المخالفات الدنيوية وحدها منعا
وإلزاما ثالثا. فإذا تقيد هذا التشريع بالشورى الجماعية الآذنة
فيه، دخل في صميم النهج الإسلامي الرشيد، متميزاً تميزاً كاملاً
تاماً عن التشريع بغير ما أنزل الله تعالى.
إن مجال الابتلاء الدنيوي بهذا
الاعتبار يشمل ثلاث مناطق تشريعية هي:
منطقة التشريع الملزم وهو المستمد من
الكتاب والسنة وما يحمل عليهما.
منطقة التشريع المأذون فيه ، وهو
الموضوع بواسطة الشورى الجماعية ، بمقتضى قوله تعالى:
)
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
(
الشورى 38.
منطقة التشريع المحرم، وهي ما سوى المنطقتين
السابقتين.
الاعتراض الثاني
الحل الشوروي ومصادره
أما الاعتراض الثاني الذي يعيب على
الحل الشوروي اتخاذه من مجرد الرأي المذموم مصدرا، فلا نرى له
دعامة أو وجه منطق، لأن الرأي لغة هو ثمرة استعمال العقل والبصيرة
في أي أمر، ولا يكون مذموما إلا في حالات تدخله فيما ليس من
اختصاصه، أو إذا شابته المصلحة الشخصية والأنانية والهوى والمزاجية
والجهل، أي أن ما يشينه دائما هو ما يشين العقل الذي يصدره.
والخلاف حول دور العقل في منطقة
الفراغ التشريعي تحسينا وتقبيحا وتكليفا وثوابا وعقابا، قديم لدى
الأصوليين، وقد ذهب المعتزلة إلى أن العقل مصدر فقهي على اعتبار أن
الحسن والقبح ذاتيان لبعض الأشياء، تتردد بهما بين الخير والشر
والضرر والنفع، ويكفي في نظرهم أن يكون الشيء حسنا لذاته ليتم به
التكليف، أو يكون قبيحا لذاته ليتم عنه النهي، ويثاب على ذلك أو
يعاقب ولو لم ترد نصوص.
وذهب الماتريدية فيما نقلوه عن أبي
حنيفة إلى أن للأشياء حسنا ذاتيا وقبحا ذاتيا يميزهما العقل، وأن
الله عز وجل لا يأمر بالقبيح ولا ينهى عن الحسن، ولكنهم يرون أنه
لا تكليف ولا ثواب ولا عقاب بالعقل المجرد، والأمر في ذلك كله إلى
النص والحمل عليه.
أما جمهور الأصوليين فيرون أن الحسن
والقبح ليسا ذاتيين في الأشياء، ولكنهما إضافيان ونسبيان، فقد يكون
الصدق قبيحا في حالات والكذب حسنا في حالات أخرى، وقد يكون الجوع
حسنا في ظروف والشبع قبيحا في ظروف أخرى. والشارع هو الذي يحسن
ويقبح، ولا تكليف بالعقل المجرد، إنما هو بالأوامر والنواهي النصية
التي يكون على أساسها الثواب والعقاب.
إلا أن التشريع الشوروي في منطقة
الفراغ يبقى بمنأى عن هذه الاختلافات الفقهية والكلامية حول دور
العقل ( الرأي ) في إنشاء الأحكام الشرعية التكليفية تحريما
وإيجابا وإباحة وثوابا وعقابا، لأن منطقة الفراغ التشريعي نراها
خارجة عن نطاق التكليف الشرعي بهذه الصفات، فهي متعلقة بقضايا
دنيوية سكت عنها الشرع رحمة ولم يغفلها تفريطا أو سهوا، وأذن لنا
في ضبطها وتنظيمها في إطار تدبيري مدني صرف.
كما أن الرأي الفرد والعقل المنفرد
بصفتيهما الممدوحة والمذمومة ليسا مطلقا مصدرا عندنا للتشريع
الشوروي، لأن أول ما يشترط فيه مشاركة جميع عقول الأمة وآراء
أفرادها ، كي تتكامل فيما بينها أثناء عملية استخلاص الحلول ووضع
المشاريع والخطط الخاصة بتدبير الشأن العام، والحسن والقبح في ذلك
كله راجع إلى ما تقرره الأمة بسوادها الأعظم، وهي المعصومة بشهادة
نبيها صلى الله عليه وسلم إذ قال في الحديث الذي بلغ درجة التواتر
المعنوي: ( إن الله عز وجل لن يجمع أمتي على ضلالة )- الألباني- (
إن الله لا يجمع أمتي _ أو قال أمة محمد – على ضلالة ويد الله مع
الجماعة ومن شذ شذ في النار ) – الترمذي- ( إن أمتي لا تجتمع على
ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم ) – ابن ماجة.
وإلى جانب الرأي المستخلص بواسطة
الشورى العامة، يتخذ الحل الشوروي كذلك مصادر كثيرة ومتنوعة وقابلة
للتحديث والتجدد ومسايرة التطور الإنساني زمانا ومكانا وحالا، بما
لا يتنافى مع ثوابت الدين والمعلوم منه بالضرورة، على رأس هذه
المصادر:
1 – التصور الإيماني السليم، ونعني به
العقيدة وما يتعلق بها من أحكام شرعية تجب مراعاتها، وقواعد فقهية
تفرض على التشريع الشوروي عدم الإخلال بها، أو التنافي معها.
2 –الفطرة السوية التي هي التوجه
الطوعي نحو الخالق والانحياز التلقائي لمبادئ العدالة والحرية
والمساواة والإخاء الإنساني، وما ينبثق عنها من انعطاف رحيم نحو
الخير.
3 – الفقه وأحكام القضاء، وما رآه
المجتهدون من العلماء الشرعيين والوضعيين، أو قضت به المحاكم في
الميدان الدنيوي مما سكتت عنه النصوص ولم يتعارض مع مقومات الدين.
4 – رصيد التجربة الإنسانية، ويشمل ما
راكمته الأمة من خبرة عبر تاريخها الطويل في ممارسة أمرها العام
وما حققته من إنجازات أو عانته من إخفاقات، وما أبدعته في ميادين
العلوم والثقافة والأدب والسياسة والاقتصاد والقوة، وما عرفته من
قيم وأعراف وتقاليد، كما يستوعب رصيد تجارب الأمم الأخرى والبشرية
عامة في جميع الميادين، من معارف واختراعات وصناعات واكتشافات
علمية وكونية تعد ملكا عاما وميراثا إنسانيا ينبغي الاستفادة منه
واستثماره.
5 – الاستحسان، وسواء كان بمفهوم
المالكية باعتباره إيثار ترك الدليل والترخيص بمخالفته لمعارضة
دليل آخر في بعض مقتضياته كما عرفه ابن العربي، أو كان التفاتا إلى
المصلحة والعدل كما رآه ابن رشد الحفيد، أو كان بمفهوم الحنفية
باعتباره عدولا بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر أقوى يقتضي
العدول، فإنه في القضايا الدنيوية التي لا مرجع لها من نصوص، لا
يعد حكما شرعيا، وإنما هو تدبير للشأن العام الذي لا تطاله الأحكام
الشرعية الخمسة وإن كان خاضعا لنظام الدولة ضبطا وتنظيما ومنعا أو
إلزاما.
6 – المصالح المرسلة، أو الاستصلاح،
وتعني الحكم بمقتضى المصلحة التي لا يشهد لها دليل بالإثبات أو
الإلغاء، على أساس من ضرورة جلب المنافع ودفع المفاسد. ولئن ربطها
الفقهاء في مجالهم بضرورة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال،
وما يتعلق بذلك من حاجيات وتحسينات، فإنها في ميدان التدبير العام
أشد اتساعا وتنوعا من أن تحصى في مثل هذه الدراسة، لأنها تشمل كل
المصالح اللازم تحقيقها لتوفير معاش العباد، وتطوير أحوال البلاد،
بمرافقها وإداراتها وحصونها وصناعاتها ودفاعاتها وعلومها وبرها
وبحرها وجوها وعلاقاتها الداخلية والخارجية في السلم والحرب
والمهادنة...
7 - الذرائع ومعناها الوسائل والطرق،
سواء كانت إلى المصالح أو المفاسد، كما يقول القرافي في تنقيح
الفصول: ( الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح
المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة). وبمقتضاها يكون
ما يؤدي إلى فساد فاسدا وما يؤدي إلى صلاح ولم يتعارض مع الدين
صالحا، لأن أساس النظر فيها اعتبار مآلات الأعمال والمشاريع
والتصرفات، وهي على أربعة أصناف:
ما يكون الفعل فيه مؤديا إلى الفساد
أو المصلحة قطعيا.
وما يكون مؤديا إلى أحدهما في غالب
الظن.
وما يكون الأداء إلى أحدهما كبيرا.
وما يكون الأداء إلى أحدهما نادرا.
وكل هذه الحالات تدرس في الفضاءات
الشوروية العامة وتبث فيها الأمة بما يحقق مصالحها ويدفع عنها
المفاسد والمضار.
8 – الاستصحاب، ومعناه المصاحبة
واستمرار الوضع على ما كان عليه، أو استدامة ما كان ثابتا ونفي ما
كان منفيا حتى يقوم دليل على التغيير. إلا أنه في مجال التدبير
العام يعني الاحتفاظ بما قامت صلاحيته واستمرت فائدته إلى حين
الحاجة للتطوير والتغيير أو التحديث والاستبدال بما لا يتعارض مع
ثوابت الدين عقيدة وشريعة.
الاعتراض الثالث
الحل الشوروي وضوابطه الشرعية
أما الاعتراض الثالث الذي يعيب على
الحل الشوروي افتقاده إلى ضوابط إسلامية تكبح جماح المصالح الشخصية
والأمزجة والهوى لدى منشئيه وصاغة قواعده، فنراه غير ذي موضوع إذا
ما كان التشريع الشوروي في إطار الإذن الإلهي بإنشائه وصياغته
وتنفيذه، لأن من مقتضى الإذن ألا يعصى به الآذن، وأن يكون مرتبطا
بشريعته ارتباطا معتبرا ومقبولا، ولا يكون كذلك إلا إذا توفرت فيه
الضوابط والقيود التالية:
1 ـ أن تعلن فيه الحاكمية لله تعالى ،
لأنه هو الآذن بإنشائه واتخاذه والعمل به ؛ فلا يحرم حلالا أو يحل
حراما ، ولا يعود على الدين عقيدة أو شريعة أو أخلاقا أو مبادئ
وتعاليم وأهدافا ومقاصد بالمعارضة أو التنافي أو الإبطال .
2 ـ ألا يتحول إلى تشريع ديني ، أو
يتدخل في الأحكام الدينية بالزيادة أو النقص أو التعديل ، وأن تسد
كل الذرائع المؤدية إلى ذلك .
3 ـ ألا يقتبس من تشريع ديني آخر،
وضعيا كان أو سماويا منسوخا ؛ لأن في ذلك شبهة تحاكم إلى غير
الإسلام ، وذريعة لتمييع الولاء وتعتيم التصور الإيماني الذي ينبغي
أن يبقى صافيا واضحا سليما ، ومحجة بيضاء ليلها كنهارها .
4 ـ أن يكون تشريعا مصدره مؤسسة
الشورى الجماعية العامة ، وليس الأمزجة والمصالح الفردية أو
الفئوية أو الحزبية أو الطبقية أو الأجهزة التنفيذية .
5 ـ ألا يحتكر توجيهه والتأثير في
نشأته بيد حاكم أو فئة أو قبيلة أو عائلة ، وإنما يكون حقا عاما
لكل أعضاء المجتمع المسلم المتساكنين في أرض الشورى ، لا فرق بين
أسود وأحمر وأبيض ، ذكرا كان أو أنثى ، مواطنا مقيما أو زائرا أو
عابر سبيل إذ الأمر للإسلام والإسلام للجميع .
6 ـ ألا يتحول إلى قواعد ثابتة جامدة
غير قابلة للتعديل والتغيير، فتتوقف بذلك حركة تطور المجتمع ورقيه
؛ بل يبقى مجرد نظم وقواعد وخطط وبرامج للأمة حق تعديلها وإلغائها
واستبدالها كلما اقتضت ذلك مصلحتها .
7 ـ أن يجلب للأمة منفعة ويفتح لها
ذريعة إلى منفعة ، أو يدفع عنها مفسدة ويسد ذريعة إلى مفسدة .
8 ـ أن يرفد تيار الأمة الإسلامية
الساعي إلى تحقيق مقاصد الشرع من تعبيد الأفراد ، ومقاصده من إخراج
خير أمة للناس .
الاعتراض الرابع
الحل الشوروي وأهلية العامة للتشريع
أما الاعتراض الرابع المتعلق بعدم
أهلية العامة للمشاركة في التشريع داخل الفضاءات
الشوروية، فينبغي أن نلاحظ بداية أن المجالات التي يرتادها
التشريع الشوروي أشد اتساعا وتعقيدا وتنوعا من أن تستوعبها طائفة
من طوائف الأمة وحدها ، سواء كانت من العلماء أو الفقهاء أو خبراء
الصناعة والزراعة والطب والفلك وسائر المعارف والحرف والمهن وأصناف
النشاط الإنتاجي ووسائل الكسب والاستثمار.
إن التشريع الشوروي يسير في تدبيره
للدولة والشأن العام على نهجين متوازيين يتعذر على أي فرد أو طائفة
من المجتمع الاستفراد بهما واحتكارهما:
نهج ترتيب بيت الدولة الإسلامية
بالقواعد والنظم والقوانين المأذون فيها .
ونهج يضع المشاريع والبرامج والخطط
الكفيلة بتطوير الأمة ورفع مستواها على جميع الصعد، وتوجيهها نحو
المقصد الأسمى الذي خلقت له وأمرت بتحقيقه.
ويغطي النهج الأول مجالات الحقوق
والواجبات المتعلقة بالنظام العام الذي هو عماد كيان الدولة بنوعين
من التشريع هما:
1 ـ التشريع العام الداخلي بما ينظم
علاقات الدولة بالأفراد سياسياً وإدارياً ومالياً وقضائياً
وجنائياً…
الخ .
2 ـ التشريع الخاص الذي هو مجموعة
القواعد المنظمة لعلاقات الأفراد فيما بينهم، سواءً كان تشريعاً
مدنياً كقوانين التجارة وقوانين الشغل ، أو إجرائياً كالمساطر
وتنازع القوانين وتنازع الاختصاص .
كما يغطي النهج الثاني كل ما يتعلق
بتطوير المرافق وأوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي
والعسكري والصناعي والزراعي والعلمي، بما يحقق السير السليم السوي
المتوازن ، ويرعى ويطور ما هو موجود من المؤسسات ، ويستحدث ما هو
مفتقد من المرافق والوسائل والأدوات، من أجل حفظ المقاصد الفردية
لأعضاء المجتمع التي هي الضرورات الخمس بحاجياتها وتحسيناتها ،
وتجنيدها لتحقيق المقصد الأسمى للأمة.
وإذا استعرضنا طبيعة أعضاء
البرلمانات ومجالس الشورى وهيئات الحل والعقد ومستويات كثير منهم
علميا وأخلاقيا، وطرق انتخابهم واختيارهم قديما وحديثا، تأكد لدينا
أنهم جميعا وفرادى، مفتقدون إلى أهلية النيابة الفعلية عن مجموع
الأمة، وعاجزون عن معرفة حاجاتها ومصالحها وأوضاعها، بل هم في
الدول المتخلفة مجرد أدوات إفساد وفساد، وعون على الظلم
والاستبداد. وهذا الوضع يفرض أن تتكفل الأمة كلها بأمر تدبيرها
العام في فضاءاتها الشوروية، كما أراد لها رب العباد.
إنه إذا كانت هذه البرلمانات ومجالس
الشورى بطبيعة تكوينها وتأسيسها، والرواتب الخيالية التي تلتهمها
من المال العام، لا يشارك فيها إلا النخبة من العلية والوجهاء وذوي
النفوذ والمال، فكيف تتعرف على مصالح العاطل من المسلمين والسائل
والمحروم وذوي الحرف البسيطة كالإسكافي والبائع المتجول وتاجر
المتلاشيات والملابس والأحذية المستعملة وبقايا الخبز اليابس
والنخالة؟، بل كيف تستطيع أن تؤثر مصالح هؤلاء المستضعفين على
المصالح الخاصة التي تقتضي مسايرة الظلم والفساد والتستر عليهما
والمشاركة فيهما؟.
نحن نعتقد أن أوضاع هؤلاء وأمثالهم
ليست في وارد خواطر النخبة الممثلة لهم والناطقة باسمهم. لذلك
فمشاركة جميع أفراد الأمة بكافة مستوياتهم الاجتماعية والعلمية أمر
ضروري، ليمثل كل واحد نفسه ويحمي مصالحه، في إطار من التعاون
والتناصح والتوعية المتبادلة، لاسيما والأمر المشترك بينهم دنيوي،
يستوي الناس كلهم مع بعض الفوارق القابلة للتجاوز، في فهمه
واستيعابه والقدرة على تبادل الرأي حوله.
الاعتراض الخامس
الحل الشوري والفلك المقاصدي
أما ما يؤخذ على الحل الشوروي من
افتقاده إلى قاعدة عامة تستوعب جزئيات تشريعاته وكلياتها، وتضبط
التوجه النفعي الفردي في النهج الشاطبي وتكبح جماحه، تحت حاكمية
ناظم واحد يعصمها من التسيب والفوضى والانحراف، فإن لنا من نظرية
المقاصد الشرعية ما يغني في هذا المجال.
ذلك أن المقاصد في حقيقة أمرها هي
الغاية من خلق الإنسان وتكليفه، ولئن اختل النظر إليها فخلطها
بالمصالح الدنيوية محافظة على الضروريات بحاجاتها وتحسيناته كما
ذهب إلى ذلك الشاطبي، وحاول إثباته بما دعاه استقراء لجملة أدلة
ظنية، رفعها إلى درجة القطع تضافرها على معنى واحد، مما زود نظريته
بقابلية التكيف مع الأمزجة الفردية بكافة مستوياتها الذهنية،
وجعلها أقرب إلى النفعية البراغماتية، مؤكدا ذلك بقوله في
الموافقات ( 2/20):" ونحن إنما كلفنا بما ينقدح في الذهن أنه مقصود
الشارع لا بما هو مقصود في نفس الأمر "، فأجهز بمذهبه هذا على
حاكمية النصوص، وتحول الاستنباط الفقهي لديه إلى حاكمية ما ينقدح
في الذهن على اختلاف القدرات العقلية والعلمية للمستنبط.
ولقد مثلت نظرية الشاطبي هذه، بما
حوته من نزعة فردية واتجاه نفعي انتكاسة لا يستهان بها في مسيرة
الاجتهاد الفكري الذي كان في مبدأ أمره حرا واقتحاميا يعالج
مستجدات الحياة بثقة واستعلاء إيمان وإنكار للذات، واستشراف لمقصد
الله في خلق الإنسان وتكليفه من خلال نصوص الكتاب والسنة.
ولئن حاول الشاطبي ومن جاء بعده أن
يثبتوا أن المقاصد هي نفس المصالح التي تحفظ بها الضرورات الخمس،
وتؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة، وأن تكاليف الشرع غايتها حفظ
مصالح العباد في العاجل والآجل، فإنهم بذلك قد ساهموا في تبرير
انطواء المسلمين على مصالحهم الخاصة وأمنهم الذاتي على حساب أمن
أمتهم وقوتها ومنعتها ونديتها للأمم غيرها، وتحولهم إلى أبقار معدة
للحلب لا تنطح ولا ترمح.
كما أن هذا المذهب للشاطبي في جعله
تكاليف الشرع ترجع في مجملها إلى حفظ المصالح، يؤدي إلى تكريس
حاكمية منتحلة على الشريعة هي حاكمية المقاصد الشاطبية على
اعتبارها غاية الوجود البشري ومصدر تصرفات الإنسان، وهو ما يلغي
حاكمية النصوص ويهدرها ويعود على حجيتها بالإبطال أو يمهد على أقل
تقدير للانقلاب عليها كما فعل الطوفي ومن سار على نهجه ممن
يعاصرنا، علمانيين وشيوعيين وليبراليين وإسلاميين حربائيين.
إن أخطر ما في هذا الاتجاه خلطه
المصالح بالمقاصد، والشريعة لم تتنزل لمصلحة دنيوية محضة، وإن
تضمنتها ويسرتها ووفرتها في حدود ما يساعد على تحقيق المقصد الأصلي
للدين.
وقد كان هذا الخلط بين المقاصد
والمصالح بداية الانزلاق في مباحث هذا الفن المستحدث، الذي همش دور
النقل ووهنه لحساب الاستقراء العقلي الذي يعد لدى الشاطبي قطعيا،
والصواب أن مجملات الدين وما يستنبط من استقراء الأدلة الكلية
والجزئية وما تنطوي عليه من الأمور العامة، يجب أن تبقى تحت حاكمية
نصوص الكتاب والسنة، لأن أحكامهما هي موطئ الأقدام على صراط
مستقيم، وبدونهما يتحول الدين إلى مجرد شعارات جوفاء ومبادئ لا
جذور لها، وهو ما يحاول علمانيو العصر وأشباههم تكريسه في مجتمع
المسلمين.
لذلك أصبح حتما وواجبا فك هذا
الارتباط التعسفي الحالي بين المقاصد والمصالح، لاسيما وحفظ
الضرورات بحاجياتها وتحسيناتها هو مجرد مصالح في التدين، وليس
مقاصد للدين.
إن اعتبارها مقاصد للدين يعد نقصا منه
وبترا لمسيرته وتمويها على غائية وجود الإنسان ونزول القرآن وفرض
التكاليف. وليست المصالح الشاطبية إلا أدوات للإنسان مسخرة
لمساعدته على تحقيق المقصد الأعلى الذي خلق له، فإن عادت على هذا
المقصد بالإبطال أهدرت.
ومن رحمة الله ولطفه وحجية تنـزيله،
أن جعل هذا المقصد الأسمى في غير حاجة إلى تنكب طرق علم الكلام
والمنطق ، أو استقراء المجملات والكليات والقواعد، مما ينوء به
العقل الفطري العادي؛ وإلا لكان محل خلاف واختلاف وأخذ ورد وجدال
يعصف بوضوحه وقوة إلزامه.
لقد جعل الله تعالى مقصده الأسمى الذي
يسع جميع المصالح الفرعية ويكبح جماحها، صريحا بينا واضحا في قوله
:
)
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
(
التوبة 33-
الصف 9 . فالمقصد من إرسال الرسل بالبينات والتشريعات هو صيرورة
الإسلام مستعليا على سائر الأديان قاهرا لمكرها؛ ومن الظهور أن
تكون حجته وبراهين صدقه قائمة، وقوة دفاعه عن نفسه ماديا ومعنويا
متوفرة، وأمة الإسلام قوية متماسكة مكينة، كما قال تعالى :
)وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ
بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ
(
النور 55 . وهذه الآية تتضمن وعدا عاما بالتمكين للأمة الإسلامية
الشاهدة ؛ ومن البديهي أن الوعد منه تعالى حق وصدق لا يقبل النسخ
، لأن نسخه خلف وبداء، وهما ممن يجهل بالعواقب، تعالى الله عن ذلك
علوا كبيرا .
إن تحقيق وعد الله هذا هو المقصد
الواضح البين من القرآن والسنة، الذي ندين به ونسير على هديه؛ ونحن
لا نتحدث عن مقاصد غيبية استأثر الله بعلمها، وإنما عن مقاصد أخبر
بها الوحي، هي غاية التكوين والتكليف؛ إذ التكوين والخلق مقدمة
للتكليف والابتلاء
)
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
(
الملك 2، ووضع الشريعة وسيلة للتكليف وأداة دقيقة للابتلاء،
والابتلاء طريق إخراج الأمة الشاهدة التي هي قاطرة السير إلى
المقصد الأسمى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، و هي التجسيد
الحي المتحرك لمقصد الله في إتمام نوره ولو كره المشركون ، يقول
تعالى :
ـ
)
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(
آل عمران 110 .
ـ
)
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
(
البقرة 143 .
ـ
)
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
يَعْدِلُونَ
(
الأعراف 181 .
هذه الأمة التي يسري في أوصالها روح
من أمر الله هو القرآن الكريم
)
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ
تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
(
الشورى 52، ويوجهها الدين الذي ارتضاه الله لنفسه فيما رواه عنه
نبيه
r
: "إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولن يصلح له إلا السخاء وحسن الخلق،
فأكرموه بهما ما صحبتموه " - المعجم الأوسط 8/375 -، هي الأمة التي
أقسم الرسول
r
على قيامها فيما رواه مسلم : " والله ليتمن الله هذا الأمر ...
الحديث " ، وهي التي قال عنها أيضا :
_"لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا
وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام ، إما بعز عزيز وإما بذل ذليل،
إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله فيعزوا به، وإما يذلهم فيدينون له
" سنن البيهقي الكبرى 9/181 .
_" ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل
والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز
عزيز أو بذل ذليل، يعز بعز الله في الإسلام ويذل به في الكفر" -
المستدرك على الشيخين 4/477 -.
في هذا السياق ، ونحو هذا الهدف
النبيل والمقصد السامي الذي تندرج تحته كل المصالح الجزئية وتخدمه،
تأتي النصوص الحاضة على الوحدة ولزوم سبيل المؤمنين وعدم التفرق في
الدين والترابط والتعاون والتكافل ولزوم الجماعة؛ وليس المقصد حفظ
الضرورات من أجل أن يذهب الناس طيباتهم في الحياة الدنيا ويقضون
أعمارهم طاعمين كاسين خانعين.
لقد جعل الله عز وجل الدنيا مطية
للآخرة وطريقا قاصدا إليها، واختار الدين بتكاليفه ومقاصده سفينة
النجاة للوصول إلى مرضاته وجنته، فجعله وحدة متكاملة متراصة،
وحلقات متماسكة العرى لا يشذ عنها إلا من ضل وشقي وسفه نفسه.
تبدأ هذه الحلقات أول أمرها انبعاثا
من العقيدة على نهج نبوتها الخاتمة، ثم تنطلق في اتجاه قبلتها
المقدرة ومقصدها الرباني، في فلكها المرصود منضبطة غير قابلة
للتفكك والانحراف، تشريعا نصيا وشورويا ينظم حياة الإنسان ويزودها
بضرورات مواصلة السعي والقدرة على المسير، ثم مجتمعا قويا بنظمه
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصناعية والعلمية والعسكرية،
ثم أمة شاهدة، تسعى لإقامة الدين كله حتى لا تكون فتنة.
إن المقصد من وجود الإنسان في الأرض
بنصوص الكتاب والسنة هو أن يكون الدين كله لله، والوسيلة إلى ذلك
قيام الدولة الشاهدة، على نظم متينة في مجال تدبيرها العام، ولا
يتحقق هذا الهدف إلا ببناء المجتمع القوي وتنشئة أفراده على أسس
سليمة، وتجنيدهم لما خلقوا له، أقوياء شجعانا صامدين اقتحاميين
محفوظي الدين والعقل والنسل والعرض والمال موفوري الكرامة والحرية
والحقوق.
بذلك ترتسم أمامنا بكل وضوح دورة المقاصد الشرعية في فلكها منسجمة
مع سائر خلق الله عز وجل، في مسيرة الكون وما فطر عليه (لَا
الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) - يس : 40 –
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ
عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) - الزمر : 5 -. وتلك هي
القاعدة التي تستوعب الدين كله بتشريعاته وجزئياته وكلياته.
المصالح الفردية منبعثة من التشريعين النصي والشوروي وفي خدمة
المصالح العامة، والمصالح العامة امتداد لنفس التشريعين وفي خدمة
تدبير الِشأن العام، والشأن العام لبناء الدولة الشاهدة، والدولة
الشاهدة لإقامة الدين كله حتى لا تكون فتنة. ولعل الرسم البياني
التالي يلخص هذا التصور ويوضحه ويقربه:
|
 |
|
الحل
الشوروي والفلك
المقاصدي في الدولة الإسلامية |
|
|
|
|
خـاتـمـة
إن الصرح المنيف لابد له من
التصميم الهندسي المتكامل الرفيع،
واللَّبِنِ القوي الصلب المتماسك،
ليكتسب صفات ما شيد له وأقيم من
أجله. كذلك نظام الدولة الإسلامية
لابد له من تصور سليم لشكله
ومضمونه وغايته وطريقة بنائه
أولا، ومن رجال نشئت عقولهم على
السواء وأبدانهم على القوة
وتصرفاتهم على الجد وحسن القصد.
وليس الركون إلى جدلية أي
العنصرين أسبق، تأسيس الرجال أم
بناء التصور الواضح لنظام الدولة،
إلا محاولة للتعايش مع العجز،
والاستسلام لواقع التهميش والضعة
والضعف الذي تعيشه الأمة منذ
قرون.
والدعوة الإسلامية المعاصرة في
سعيها لإقامة أمر الإسلام الجامع،
عليها أن تتحرر من آفات شتى، في
مقدمتها:
آفة تبرير احتكار السلطة على
النهج السلطاني الذي عاق مسيرة
التطور والتقدم منذ عهود بعيدة،
عانت فيها ضروبا من الخوف والقهر
ونقص الأنفس والأموال والثمرات.
وآفة النقل والاستيراد والتلفيق
من الفكر الغربي الديمقراطي ذي
الجذور الوثنية اليونانية.
وآفة تنشئة أبنائها على ضرورة
إلغاء عقولهم عند تلقي توجيهات
قادتهم، لأن من يلغي عقله حياء
منك قد يلغيه خوفا من غيرك أو
طمعا فيه. والجماجم الجوفاء لا
تبني أمة ولا تكون دولة، ولا تؤسس
قيما أو تنصر مبادئ.
وآفة توهم المحافظة على الدعوة
عند تخيل تعارضها مع واقع المجتمع
ومصالحه العليا، وهو ما يتخذ
ذريعة لممارسة المساومة والمداهنة
وتبرير الاستبداد والظلم وانتهاك
الحقوق، والمشاركة في ألاعيب
السياسية وفساد أهلها واقتسام
مغانمها بدعوى إنقاذ ما يمكن
إنقاذه.
إنه لا يمكن تصور أي تعارض بين
مصلحة المجتمع وبين مصلحة الدعوة
الإسلامية، لأن المصلحتين
متكاملتان، ترفدان حركة التطور
والنماء والتقدم في الأمة،
وتكسبانها الرشد والمنعة وشجاعة
الاندفاع نحو المقصد الرباني
للخلق والتكليف، وما النكوص عن
القيام بنصرة الحق بدعوى تعارض
المصلحتين إلا لتبرير جبن الأفراد
أو حرصهم على مصالحهم الشخصية
ومآربهم الوضيعة.
ولابد لتبين الحق وطرق نصرته
وبلوغه من وضع النقط على الحروف
وتسمية الأشياء بمسمياتها والكف
عن تمويه الحقائق وصرف الأنظار عن
واقع الحال. و( لِلَّهِ الْأَمْرُ
مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ ) - الروم : 4،
( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) -
يوسف21 -
.
لفضيلة الشيخ الشهيد الأستاذ:عبد
العزيز بن
إدريس رحمه الله تعالى
انظر ترجمة حياته في
نافذة " سير وصور"
أصيبت كلمة "الدين" برذاذ من
الحضارة المادية كاد يفقدها نصاعتها وإشراقها، ويجعلها أشبه شيء
بالتحفة الفنية النادرة التي يرغب الإنسان المتحضر في اقتنائها من
غير أن يفكر في استعمالها مستغنياً عنها بما ابتكرته المدنية من
أدوات.
وقد دعتني هذه الظاهرة الجديدة إلى
العمل على تقويم هذا الانحراف، وتنظيف معنى كلمة "الدين" من
الطفيليات التي علقت بها وكادت تغطي على بهجتها، وتذهب برونقها.
ومعناها الأصلي يرجع إلى معنى
الجزاء، ولذلك سمي يوم القيامة يوم الدين، ومنه قوله تعالى في سورة
الصافات (الآية 53):
}
إنا لمدينون
{
، أي: لمجزيون عن أعمالنا بما يناسبها. وتأتي بمعنى الطاعة
والخضوع، وكان ذلك يرجع إلى المعنى الأول، لأنه طاعة المقصود منها
طلب الجزاء الحسن أو الفرار من الجزاء السيء. وهذا هو معناها في
العرف الإسلامي. فإذا قيل: إن فلانا متدين أو محافظ على دينه،
فمعناه: أنه يطبق أحكام الدين في حياته. لم يتغير هذا المدلول لهذه
الكلمة منذ نزل القرآن إلى الآن.
ولكن مدلولها في بعض الأوساط التي
أخذت من الثقافة الغربية بنصيب وافر – ولا سيما أولئك الذين لم
تسمح لهم ظروفهم بالتملي من الثقافة الإسلامية – له معنى آخر زيادة
على ما قلناه. فهو يعني التحجر والرجعية ومقاومة حرية الفكر وعداوة
كل حركة عقلية متحررة.
ومنشأ هذا الفهم أمور:
1 – التأثر بمعنى كلمة "الدين" في
عصور أوربا؛ فقد كانت تعني عداوة كل تفكير، وكان كل من حاول أن
يتحرر من القيود العظيمة التي كانت تفرضها الكنيسة خارجا عن نطاق
الدين محكوما عليه بالحرمان يتعرض لأشنع التقتيل والتنكيل. وكم سجل
التاريخ في ذلك من مآس وكوارث، وما محاكم التفتيش التي كانت
الإنسانية تئن من قساوتها إلا تطبيقا لكلمة "الدين" في ذلك العصر،
ونتيجة حتمية لسيطرة رجال الكنيسة المتحجرين، ولم يستطع قادة
التحرير والمفكرون أن يثبتوا أركان المعرفة ويقيموا صروح العلم إلا
بعد تضحية عظيمة ذهب أثناءها كثير من رجال الفكر ضحية التحجر
والجمود.
من أجل ذلك أخذت كلمة "الدين" هذا
المعنى الوضيع، ولم يستطع العلماء والزعماء السياسيون أن يأتوا
بشيء جديد إلا بعد تنحية الدين من الحياة وبعد القضاء على سيطرة
الكهنوت. وما هذه الحركات الهدامة التي ظهرت في العصر الحاضر
وتمكنت من إخضاع بعض الشعوب إلا غلوا في محاربة فكرة التدين،
وإيغالا في القضاء على العقيدة، وهي – بعد – رد فعل طبيعي لموقف
رجال الدين إزاء حرية الفكر.
فهذا المفهوم لكلمة الدين في أوساط
أوربا الثقافية، هو الذي يجعل بعض شبابنا ينفرون من هذه الكلمة
ويتقززون منها، ويحاولون ألا يكون بينهم وبينها أية صلة.
وما كان هذا المفهوم قط في الوسط
الإسلامي. فما كان الدين عرقلة في طريق التقدم، ولا مانعا من حرية
التفكير. بل الذي أثبته التاريخ أن ازدهار المعرفة والعلوم واطراد
التقدم ورقي الفنون كان متوازيا مع انتشار الدين والعمل به. وقلما
حدثنا التاريخ أن شخصا اضطهد لأجل عقيدته أو امتحن في تفكيره إلا
لأسباب سياسية خارجة عن ميدان الدين.
إذن، فمدلول هذه الكلمة في العرف
الإسلامي لا يدعو إلى نفور، فما على شبابنا إلا أن يعكفوا على
الثقافة الإسلامية بنفس الروح التي عكفوا بها على الثقافة الغربية،
وإذ ذاك يظهر لهم البون الشاسع والفرق العظيم بين مدلول الكلمة في
العرف الإسلامي ومدلولها في العرف الكنسي..
2 – حالة بعض الطرق التي تنسب إلى
التصوف والمظاهر التي تقوم بها ناسبة إياها إلى الدين، وزاعمة أنها
تتفق وروح الإسلام.
3 – الأدوار الفظيعة التي قام بها
شيوخ الطرق والمشعوذون باسم الدين؛ فإنهم تحالفوا مع الاستعمار
بصفة مكشوفة، واستغلوا كلمة "الدين" إلى أبعد الحدود، ونسبوا إليه
ظلما وجورا ما ليس منه، وأوهموا أتباعهم وشيعتهم أن الإسلام يطلب
منهم الخضوع للحكم الأجنبي، بل التضحية لتثبيت قدمه في البلاد؛
ولذلك كان في طليعة ما فكر فيه زعماء الحركة الوطنية هو القضاء على
شعوذة هؤلاء وكشف خطرهم للعموم، وتعريف الناس بأن عملهم لا يمت إلى
الإسلام بشيء، بل هو أول ما يحاربه الإسلام لأنه عدو الشعوذة
والتضليل.
4 – حالة علماء الدين الفكرية؛
فإنهم باقتصارهم على دراسة الكتب التي ألفت في عصور الانحطاط
الفكري للعالم الإسلامي، وابتعادهم عن كل جديد، ووقف حياتهم على
هذا القدر من المعرفة جعلهم في واد والحياة الجديدة في واد،
وأصبحوا يعيشون بأجسادهم في هذا العصر وبأفكارهم في العصور التي
ألفت فيها تلك الكتب التي عكفوا على دراستها طيلة حياتهم. وبما
أنهم الممثلون الرسميون للإسلام، صار الإسلام عنوانا على الجهل
والانكماش والغرور.
كل هذه الأسباب التي ذكرنا وغيرها
هي التي نزعت عن كلمة"الدين" نضارتها وإشراقها وجعلت كثيرا من
الشباب المثقف يحيد عنها. والعلاج الوحيد لهذا الداء الذي وصفناه،
هو تقديم الثقافة الإسلامية إلى الشباب في حلة جديدة متوفرة على
عناصرها الحية النامية، ومنزوعا منها كل تلك الطفيليات التي علقت
بها، ودعوة علمائنا إلى الخروج من مخابئهم ودخولهم إلى معترك
الحياة وانغمارهم في المجتمعات الشعبية، ثم دعوة الشباب إلى
الاهتمام بالثقافة الإسلامية وإعطائها ما تستحقه من عكوف ودراسة.
لنكن
مسلمين
أولا
لفضيلة الشيخ محمد
المختار السوسي رحمه الله تعالى
انظر ترجمة حياته في
نافذة " سير وصور"
{ هذه مقالة كتبت غداة استقلال المغرب سنة1956/ م، كتبها هذا الشيخ
المجاهد لتكون نداء للأمة كي تعود لدينها بعد أن استعادت حريتها،
ودعوة للدولة إلى محاربة الفساد والإلحاد، وإطلاق طاقات الدعاة
الإسلاميين وحرياتهم ليقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وتبليغ تعاليم الإسلام وعقيدته، بعد أن كان الاستعمار
الفرنسي – كما قال الشيخ - يطاردهم ويعتقلهم، ويعطي للمشعوذين
والمومسات كامل الحرية في الإفساد والتخريب، كتبها من
خلال موقعه عضوا في مجلس المحافظة على العرش ووزارة التاج، وموقعه
كواحد من الرواد المؤسسين للحركة الوطنية التي قادت الجهاد وتوج
جهدها بالنصر، مسلطا الضوء على ثلاث زوايا: زاوية ماضي الاستعمار
بالمغرب، وزاوية مشروع الحركة الإسلامية التي أسست للاستقلال،
ومشروعها لبناء مستقبل الوطن، فما أشبه البارحة باليوم، وما أبعد
مستشارا عالما فقيها مخلصا تقيا، عن بطانة الشيوعيين والملاحدة
والعلمانيين وغير المسلمين }
نص
المحاضرة:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله وآله وصحبه
إننا اليوم ننـعم بهذا الاستقلال الذي
هيأه الله لنا بفضله ، ثم بجهود الذين ضحوا بأنفسهم وبنفائسهم ،
وجعلوا أمام أعينهم : إما الحياة الحرة التي ترفع صاحبها إلى
الثريا ، وإما شهادة ترفع صاحبها إلى عليين ، في جنة عرضها
السماوات والأرض .
لكن ، أيكفي أن نقول إننا مستقلون
اليوم من غير أن نراجع قائمة مقوماتنا التي كنا بها أمة عظيمة
امتدت أجنحتها حتى حلقت على إسبانيا
المسلمة وعلى الجزائر وتونس وليبية ؟ فبأي
شيء استطاع ابن تاشفين المرابطي وعبد المؤمن الموحدي أن يضما هذه
الأطراف إلى مراكش ، وأن يمزجا بينها حتى صار الجميع قطرا واحدا،
تتجاوب أرواح كل سكانه تجاوبا لا يزال دويه يطن في آذان التاريخ
إلى الآن ، كلما ذكرت الزلاقة والأرك ، أو كلما قرئت أنباء تطهير
تونس من أساطيل أهل صقلية ، ونظراءِ أهل صقلية ممن كادوا إذ ذاك
يلتهمون شمال إفريقية ، كما الْتُهِمَتْ صقليةُ نفسها قبل ذلك
التهاما ضاع به هناك الإسلام ؟
إن سكان شمال افريقية اليوم ـ ونحن في
أواخر القرن الرابع عشر ـ لا يزالون مستعدين أتم الاستعداد لهذا
التجاوب على لسان اللغة والدين والدم ، فهل نجد منا ما كان وجده
ابن تاشفين وعبد المؤمن من فورة غيرة دينية ولغوية
ودموية ، تتجاذب بها القلوب من كل شمال افريقية ، إذ بما كان
أَمْسِ من تلك العظمة التي تجلت من المرابطين والموحدين تعود اليوم
بأعلى وأجلى مما كانت عليه إذ ذاك ؟
ما من مغربي أو جزائري أو تونسي أو
ليبي ، إلا ويحس الآن من أعماق قلبه أن مغناطيس هذا الانجذاب هو
دين الإسلام الذي حاول الاستعمار منذ ألقى كلكله على آبائنا أن
تَضْعُفَ من بيئتهم قوَّتُه
وسطوتُه ، وأن تكسف تلك الروعة
التي متى استولت على الأفئدة تصهرها، فإذا بها كتلة واحدة ذات
إحساس واحد ، ومتجه واحد ، ومبدإ واحد ، وغاية واحدة ، استمدادا من
دين له قبلة واحدة ورب واحد، ورسول زرع الوحدة بين كل من يحمل اسم
الإنسانية .
فتح الاستعمار مغاليق شتى عن أصناف
شتى من مكايده ، ثم حاول بكل ما يملكه من لباقة وخلابة وزخرفة
وتمويه أن ينفث سمومه في الروح التي يرثها الابن المسلم عن آبائه،
فما ترك من تعاليم الإلحاد ولا من التشكيك في مبادئ الإسلام ، ولا
من مفسدات الأخلاق، إلا عرضها عرضا أمام النشء بكل مصابرة ومثابرة،
فلم يترك لا مدرسة ولا مسرحا ولا زاوية من زوايا الحياة التي لابد
أن يلم بها النشء إلا زرع فيها ما يمكن أن يجتث جذور تعاليم
الإسلام السامية من العقول .
لكن هل نجح الاستعمار كل النجاح في
محاولته هذه ؟ وهل استطاع أن يغطي تلك الشمس الوهاجة من عليائها عن
أبصار كل من مروا بين مدارسه أو مسارحه؟
الحمد لله ، فقد ملأ كل الصدور بهجة
واغتباطا وحبورا ، أن شاهدنا هذه المحاولات قد خابت كلها خيبة صارت
مثل القنبلة الهيدروجينية في قلوب الذين شاهدوا ولمسوا وعاينوا
بأعين محملقة انتساف دسائسهم من غالب أولئك النشء الذين ربوهم ،
حين كانوا هم الرافعين لراية الإسلام اليوم ، والمقدمة من طلائع
المكافحين الآن عن العروبة ودين العروبة وأقطار العروبة .
وبعد، فإن الاستعمار أصناف ، فأدناها
استعمار الأرض ، وأشدها استعمار العقول والأفكار ، فقد وفقنا إلى
زحزحة استعمار الأرض السهل ، وبقي أن نزحزح استعمار العقول
والأفكار عن ثلة قليلة من أبنائنا ، فيجب أن نعرض أمامهم ما جهلوه
عن دين الإسلام وعن مبادئه السامية ، وعن مغازيه في الحياة ، فإن
بعض من تأثروا بما دس إليهم نيتهم حسنة ، ويدركون بسرعة ، وأرى أن
هذا من أوجب الواجبات على نخبة من شبابنا جمعوا بين الثقافتين
ودرسوا الإسلام حق الدراسة ، فهم وحدهم الذين يمكن لهم أن يأخذوا
بأيدي أولادنا هؤلاء بملاطفة ، حتى إذا أدركوا وفهموا سارت الأمة
كلها في صف واحد في تفكيرها وفي مثلها العليا.
إن الذين ضحوا في وقت المحنة تلك
التضحية الباهرة ، ما ضحوا إلا ليكون الشعب مسلما ، والإسلام عند
عارفيه مثال الإنسانية الكاملة ، بعلمها ونظمها وحياتها الواقعية ،
وقوانينها التي تستمد دائما من العدل ومن الحرية الشخصية ومن
المصالح العامة ، فبذلك صار الإسلام صالحا لكل زمان ولكل مكان ،
ولا تخفى هذه الحقائق إلا عن الذين جهلوا الإسلام ولم يدرسوه ، ولا
كلفوا أنفسهم بالالتفات إليه ولو أدنى التفات .
يا قوم ، إننا سمعنا بمئات من الجمعيات من كل ناحية ، فهل سمعنا
بجمعية تقويم الأخلاق ؟ وبجمعية دراسة مبادئ ديننا الحنيف ؟
ليستنير بمعرفتها من كان جاهلا بها .
أو ليس من مقدمات ما حاوله الاستعمار هو القضاء على مبادئ ديننا
الحنيف ، وجعله دينا همجيا بدائيا؟، فإن شككنا في كل شيء ، فلا
ينبغي أن نشك في نوايا الاستعمار لنخالفها اليوم في عهد الاستقلال
، أو ليس أن
للمشعوذ والمومس أمس في عهد
الاستعمار الحرية الكاملة في التنقلات؟ على حين أن المرشدين بآداب
الدين مقيدون محرم عليهم أن يتنقلوا؟، حتى إذا تسرب أحدهم إلى
ناحية فإنه يجد نطاقا من العيون حواليه، ثم يستدعى إلى إدارة
المراقبة ، ثم يكون أهون ما يلاقيه الإبعاد في الحين ، أو ليس أن
الواجب في عهدنا هذا ـ عهد الاستقلال ـ أن تنعكس القضية ، فنقيد من
عسى أن يفسدوا أفكار الأمة بالإلحاد وسوء الأخلاق ، ونطلق المرشدين
الذين يتلقاهم الشعب بكلتا اليدين ؟
إننا اليوم في
فجر نهوضنا ، فيجب علينا أن نتنبه إلى مقوماتنا لنحافظ عليها ،
ونسترجع ما كاد الاستعمار يأتي عليه بمحاولاته الشتى .
يا قوم ، لنكن مسلمين أولا
، في عقائدنا وفي أعمالنا ، وفي محاكمنا ، وفي نظمنا ، وفي كل شيء
، لتبقى لنا صبغتنا القومية من كل ناحية ، ولنحرص على أن لا نأخذ
من الغرب إلا ما هو نافع ، ثم لنحرص على أن نصبغه بصبغتنا الخاصة ،
فإننا إن لم نفعل ذلك ولم نتعرب ولم نتصف بالإسلام العملي ، فسنندم
عن قريب . .
حرية العقيدة وحرية الرأي
بين الدقة والوضوح وبين التفلت والغموض
للدكتور عدنان
النحوي
انظر ترجمة حياته في
نافذة " سير وصور"
اعتاد عدد غير قليل من المسلمين أن يستخدم مصطلحات عامة لا
يرافقها تحديد
ووضوح ، ثم تتحول هذه المصطلحات إلى
شعار لا يحمل الدقة كذلك ، ولا المنهج ، ثم
ينتشر بين الناس حين يلامس رغبة في
النفوس أو مجالاً للتنفيس عما في نفوسهم من ضغط
وحيرة وآمال مضطربة ، فيصبح الواقع
كله يعيش في أجواء من الشعارات والتعبيرات العامة خالية من النهج
أو تحديد الدرب والمسار ، وتطوى قضايا الأمة في خضم الشعارات دون
بلوغ هدف أو تحقيق غاية.
إن انتشار هذه الظاهرة من
المصطلحات العامة
يوحي بعدم وجود نهج أو خطة واضحة في أذهان مختلف القطاعات .
ويزداد الأمر سوءا حين تصبح هذه
المصطلحات العامة قاعدة لتحديد موقف أو اتخاذ قرار أو إصدار
اجتهاد وفتوى ، ويصبح هذا الموقف أو
القرار أو الاجتهاد مصدراً لاضطراب أوسع أو خلافات وشقاق .
ومن أبرز الأمثلة على هذه
المصطلحات العائمة " حرية العقيدة
وحرية الرأي " وقد دأب على استخدام
هذه المصطلحات بعض دعاة المسلمين وانتشرت بين الناس على أنها مطلب
حضاري ينادون به . ماذا تعني "حرية العقيدة " ، وماذا تعني "حرية
الرأي " ، وكيف تُمارس وتُطبق ؟!
أعتقد أنها مصطلحات وافدة من الغرب
العلماني الذي يقوم على تصورات خاصة
مغايرة للإسلام ، ولو رجعنا إلى الكتاب والسنة لا نجد مثل هذه
التعبيرات. ولو رجعنا إلى أئمة الإسلام في العصور التي كان يحكم
فيها الإسلام لا نجد مثل هذه
التعبيرات لقد جاء الكتاب والسنة في غاية الدقة
والوضوح والتفصيل في استعمال
التعبيرات والمصطلحات ، ويعلم أئمة الإسلام هذه الدقة والوضوح فيما
يستخدمونه من مصطلحات أو فيما يستحدثونه .
جاء الإسلام ليدعو إلى عقيدة
واحدة ودين واحد ، وحمَّل الإنسان مسؤولية اختيار الإيمان والتوحيد
والإسلام أو سواه ، ولكل اختيار نتيجة في الدنيا والآخرة ، الإسلام
يدعو الناس كافة
إلى الإسلام ، وفرض القتال والجهاد من أجل ذلك ، ونفر من الكفر ومن
أي دين غير الإسلام ، وأنذر الكافرين بعذاب شديد ، وجعل النار مصير
من يموت منهم على الكفر ،
مع ابتلاء شديد في الدنيا ، ووعد المؤمنين بالجنة لمن صبر والتـزم
، ووعد الصادقين العاملين المجاهدين بالنصر .
هذا الذي يدعو إليه الإسلام ،
فهل تعبير حرية
العقيدة الذي يطلقونه اليوم يحمل هذه
المعاني ، أو هل هذا الذي يدعو إليه الإسلام يماثل " حرية العقيدة
" . الإسلام ينظر إلى الكافرين وغير المؤمنين الصادقين أنهم
يتساقطون في النار ، في نار جهنم ،
هذه حقيقة أكيدة ويقين بالنسبة للإسلام ، فهل
يعقل أن يترك الناس ليتهاووا في جهنم
؟! إذن لماذا بعث الله الرسل على مدى الزمان
وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ،
ولماذا شرع القتال والجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي
العليا .
ديــن الله :
الإسلام جاء ليجتث الكفر من
الأرض ولينشر الإسلام دين الله . دين جميع الرسل والأنبياء ، الدين
الذي لا يقبل الله غيره ، فهل يُعقل بعد ذلك أن ينادي الإسلام
ويقول يا أيها الناس خذوا أي عقيدة تريدون وأي دين ترغبون فلا بأس
في ذلك !! (( إنْ الدين عند الله الإسلام )) [ آل عمران :19] . !
((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من
الخاسرين )) [ آل عمران : 85 ] .
هنالك فرق كبير بين أن يُحمّل
الله كل إنسان مسؤولية اتخاذ قرار اختيار دينه وعقيدته ، بعد أن
يكون رسله قد أبلغوا الرسالة كاملة ، وأنذر من خالف بعذاب الدنيا
والآخرة. وبشر الصادقين بخير الدنيا
والآخرة. وبين أن يترك الأمر في حرية عائمة مائعة ، تغري الناس
بالكفر والفتنة
والفساد أكثر مما تغريهم بالإيمان
والإسلام .
فارق كبير بين حرية اختيار
العقيدة والدين وبين الحرية التي تغري الناس بالكفر والفتنة :
ليست القضية من
حيث المبدأ، انفلات حرية العقيدة ولا
الدعوة لها ولا سن القوانين من أجلها؛ إن القضية
بالنسبة للإسلام أعظم من ذلك بكثير
وأخطر من ذلك بكثير ، إنها تتمثل في النقاط التالية :
أولاً : إنقاذ الإنسان من هلاك
محقق وعذاب في جهنم شديد إذا مات
على الكفر .
ثانياً : تهيئة الأجواء التي
تعين على الإيمان والتوحيد
والإسلام ، وترغيب الناس بهذا الحق
واليقين ، وإخراجهم من الفتنة والضلال والباطل وإخراجهم من الظلمات
إلى النور .
ثالثاً : سد أبواب الفتنة
والضلال والكفر والفساد والأهواء والشهوات المتفلتة ، واتخاذ
الأسباب اللازمة لحماية فطرة
الإنسان ، الفطرة التي فطر الله الناس
عليها لتكون منطلق الإيمان والتوحيد ، قادرة على استقبال رسالات
الأنبياء والدين الواحد .
رابعاً : إن هذه القضية بلغت
أهميتها وخطورتها أن أصبحت أساس الأمانة التي حملها الإنسان،
وأبتها السماوات والأرض
والجبال وأشفقن منها ، إنها الأمانة التي يكون الإنسان بها غير
ظالم ولا جاهل وبتركها يصبح((ظلوماً جهولاً )) [ الأحزاب 72 ] !
وهي الأمانة التي يقوم عليها
معنى العبادة التي خلق الله الإنسان لأجلها والخلافة التي جعلت له
، والعمارة التي
أمر بها .
وعلى هذه الأسس تصاغ الشعارات
والمصطلحات ، وتسن القوانين وتوضع مناهج التربية والبناء ، وتقوم
العلاقات بين المؤمنين وغيرهم .
وثيقة الرسول مع يهود :
يذكر بعض المسلمين هذا التعبير
على النحو التالي : " لقد
تضمنت الوثيقة التي كتبها رسول الله
صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة أوضح صورة
للتعايش والتعاون كما يسعى إليه
الإسلام ، فقد تضمّنت حرية العقيدة وحرية الرأي … "
!
ولو رجعنا إلى نص الوثيقة
لوجدناها تختلف عما ذكر اختلافاً واسعاً . فهي
أولاً ليست وثيقة كتبها الرسول صلى
الله عليه وسلم مع يهود المدينة وحدهم ، إنها مع
أهل يثرب وقبائلها كلها ، ولنستمع إلى
ما تقوله الوثيقة:
- " هذا كتاب من محمد النبي
رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم
فلحق بهم وجاهد معهم
"،
ثم ذكرت الوثيقة المهاجرين من قريش ،
ثم قبائل يثرب ثم اليهود ، ثم تذكر الوثيقة
العلاقات ، ولنستمع إلى ما تنص عليه
الوثيقة في بعض فقراتها :
- ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه
.
- وأن المؤمنين المتقين أيديهم
على كل من بغى منهم أو
ابتغى دسعيه ظلم أو إثماً أو عدواناً
أو
فساداً بين المؤمنين.
- وأن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم .
- ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر
، ولا ينصر كافراً على مؤمن .
- وأن ذمة الله واحدة . يجير
عليهم أدناهم .
- وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس .
- وأن المؤمنين المتقين على أحسن
هدى وأقومه .
- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في
هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو يؤويه، وأن
من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ
منه صرف ولا عدل .
- وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء
فإن مرده إلى الله وإلى محمد .
ونصوص أخرى تفصّل في العلاقات والمسؤوليات والحقوق لا تجد
فيها نصاً مبهماً أو عائماً أو
متفلتاً .
جميع النصوص تقوم على القواعد
التي ذكرناها ، والتي نبين أهمها
ونذكّر به حتى لا تختلط الصورة والتعبيرات :
فالوثيقة تنص بشكل صريح حاسم على:
أن الحكم في المدينة لدين واحد فقط هو الإسلام ، هو لله
ولرسوله .
وتنص كذلك على أن المؤمنين بعضهم
موالي بعض دون
الناس ، وأنه لا يقتل مؤمن مؤمناً
بكافر ، ولا ينصر كافراً على مؤمن ، وأن المؤمنين
المتقين على أحسن هدى وأقومه ،
فالمؤمنون إذن أمة واحدة تربطهم الموالاة التي
تجعلهم أمة واحدة من دون الناس .
والولاء والموالاة علاقة شرعها الله للمؤمنين ورابطة تقوم عليها
أخوة الإيمان .
فالحكم إذن للإسلام ، والإسلام
هو أحسن
هدي وأقومه ولا يُنصر كافر على مؤمن ولا يقتل مؤمن بكافر إنها
تعبيرات محددة واضحة مفصلة لا تترك أمراً عائماً .
وعندما جاء النص : " وأن يهود
بني عوف
أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .. " جاء النص
مرتبطاً بسائر النصوص
مبنياً عليها لا ملغياً لها ، فاليهود أمة والمؤمنون أمة ولكنهم
كلهم يحكمهم
الإسلام وكل ما اختلف فيه مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه
وسلم ، وجميع من
في يثرب يحمل مسؤولية الدفاع عنها وحمايتها من خلال الشروط والأسس
التي ذكرناها .
وشرع الله للمسلمين أن يكون أهل
الكتاب أهل ذمة يرتبطون مع المؤمنين
بمواثيق وعهود يصبحون بها قوة لتنصر
الإسلام والمؤمنين لا لتحاربهم ، لهم دينهم
وليس لهم أن يحكم دينهم أو أن ترد
الأمور إليه ، لهم أن يتبعوا فيما بينهم أحكام
دينهم ، وليس لهم أن يدعوا لها وأن
ينشروها ، فذلك حق المؤمنين الذين هم على أحسن هدي وأقومه .
وأن من يعادي الإسلام ويحاربه
فعلى اليهود نصرة المؤمنين .
في مثل هذه التفصيلات الأساسية التي ذكرنا بعضها يأخذ أهل
الكتاب حرية عقيدتهم، ويظل
المؤمنون يدعونهم إلى الإسلام
لينقذوهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .
أما
الكافرون من قريش وغيرهم ، وقريش
أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم قربى ونسب ورحم ،
لكنهم حاربوا الله ورسوله فانقطعت
حمية النسب إلا في أن يدعوا إلى الإيمان والإسلام
،
وتعلن الوثيقة قطع الصلات معهم ، وبوادر الحرب معهم وتدعو إلى
محاربتهم والتميز
عنهم ولا تعطيهم أي حقوق ، ولا تُقرهم على كفر أبداً ولا تعطيهم حق
الدعوة إلى كفرهم ولا نشر مذاهبهم وأفكارهم وآدابهم .
وكذلك شأن كل محدث، والمحدث هو
الذي يُحدث شيئاً مخالفاً للإسلام الذي يحكم المدينة كلها ، ويخضع
له كل من فيها ،
هذا المحدث لا حقوق له ، ولا يحل نصره ولا إيواؤه ، ولا مساعدته
ومن يفعل ذلك فعليه
لعنة الله .
فهل هذه الشروط كلها توحي بأن
نقول إن الإسلام يدعو إلى "حرية
العقيدة " بهذا التعبير المتفلّت
والمصطلح العائم ؟
إذا أردنا أن نبلغ دين
الله - الإسلام - فلنبلغه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ،
وكما كان يبلغه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار .
حين نستعير مصطلحات من الشرق
والغرب ، ثم نلصقها بدين الله ، وبأحاديث الرسول صلى الله عليه
وسلم ، نكون قد
ارتكبنا خطأ جسيماً ، فالإسلام حين قال : ((
لا إكراه في الدين )) ، لم يتركها
عائمة وإنما قال معها : ((لا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ
اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ
كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ
النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ)) البقرة
256-257،
وقبلها جاءت آية الكرسي : ((اللَّهُ لا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ
ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ
الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )) البقرة 255
دعــوة إلى التوحيــد :
دعوة إلى الإسلام والتوحيد صريحة
جلية
حاسمة ، قبل (( لا إكراه في الدين ))
، ودعوة كذلك صريحة جلية حاسمة ، مع إنذار شديد للكافرين وبشرى
للمؤمنين بعدها .!
((لا
إكراه في الدين )) تعبير
يختلف عـن تعبير " حرية العقيدة " يختلف معنى وصياغة وشروطاً.
((لا إكراه في الدين
))
تعني أن الله لا يقبل من عبد ادعاء
الإيمان تحت ضغط الخوف أو المصلحة الدنيوية
وهو يبطن خلاف ذلك . إن الله يقبل من
عبده إيمانه وإسلامه حين يصدر عن قناعة ويقين، وهذا يعني أن الله
يريد من المؤمنين أن ينهضوا ليبلغوا رسالة الله وحقيقة الإيمان
والتوحيد ودين الإسلام بلاغاً صادقاً
واضحاً دقيقاً ، لا أن يبلغ كل إنسان هداه
وتصوراته الخاصة ويطوي نصوص الكتب
والسنة ، أو يبلغها محرفة أو ناقصة أو غير واضحة
ولا يرى الإسلام على أساس ما عرضناه
أن للكافر أن يدعو إلى كفره في ظل دولة الإسلام
التي يحكمها منهاج الله ولا أن لأهل
الكتاب أن يدعوا إلى دينهم في قلب دولة
الإسلام التي يحكمها منهاج الله .
يعطي أهل الكتب حرية الإقامة في
أرض
الإسلام على ألا يسعوا إلى أن يسود معتقدهم ، وألا يحملوا السلاح
على المسلمين ،
وألا يناصروا عدواً للإسلام والمسلمين سراً ولا جهراً ، وأن يرضوا
بحكم الإسلام
ولا يتآمروا عليه.
وعلى المسلمين أو يكونوا يقظين ،
فإن وجدوا منهم خيانة
يؤخذ الخائن أو الخائنون بذنبهم
ويعاقبون، ويخرجون من أرض الإسلام إذا خُشي استمرار خيانتهم
وتآمرهم .
هذا الذي تبينه لنا الآيات
والأحاديث وسيرة
الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار رضي الله عنهم ، فإن
ابتلي المسلمون
بالوهن والذل وغلب عليهم أعداؤهم ، فلا يحملون الإسلام وشرعه وفقهه
نتائج تهاونهم
وعجزهم ، ولا يلوون الآيات والأحاديث ليسوغوا المذلة والهوان .
فأعداء الله يعرفون
الإسلام وحكمه فيهم ، فإن كتمنا حقائق الإسلام نخسر رضاء الله
أولاً ونصرته، ونخسر
ما كان يمكن أن نناله من هيبة في أعين الكافرين وأهل الكتاب حين
يرون أننا غيرنا
وبدلنا . وأننا بدأنا نتبع ما تشابه من الأمور شأن من في قلوبهم
زيغ .
إن
أساس الدعوة الإسلامية هو البلاغ
المبين البلاغ الذي يبلغ رسالة الله ليعذر الناس
أنفسهم بين يدي الله يوم القيامة .
فلا يتغير الدين مع تغير الواقع ، فالدين حق لكل
زمان ومكان . ونجد فيه الحلول لكل
واقع كما وجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
دون الخروج عن الحق المطلق في الكتاب والسنة ودون تحريف النصوص
ودون اتباع ما تشابه منه .
لقد
أخذ ضغط الواقع المنحرف اليوم يشتد
على بعض المسلمين حتى
أصبح منهم من يسهل عليه إعطاء رأي
ليؤمن مصلحة دنيوية ثم يلصق دعواه بالإسلام
إن التقوى أهم أسباب النصر وإن
خشية الله أهم عنصر في التقوى ، وإن العلم
وحده إذا ضعفت فيه التقوى فقد قوته
الإيمانية في الميدان .
حرية الرأي
ومصطلح أخركثر ترداده بين المسلمين
اليوم ، ينادي به المنتسبون إلى الإسلام ، فالإسلام أعظم رسالة في
الأرض تحض على التفكير وتدعو له ، وأعظم رسالة تحرر عقل الإنسان من
أغلال
الهوى والشهوات ومصالح الدنيا الآثمة
، إن مصطلح "حرية الرأي " مصطلح عائم متفلت أعطى الفرصة لأعداء
الله ليطعنوا الإسلام والمسلمين أكثر مما أعطى المسلمين الفرصة
لبيان حقائق دينهم ، إن الإسلام الذي
يحض على التفكير ويدعو إليه ليحترم الرأي الذي
يصدر عن إيمان ووعي مع الحجة والدليل
، مع صدق النية وإخلاصها لله مبرأ من الهوى ،
نابعاً من العلم الحق لا من الظن
والتخمين ، فالإسلام لا يستخدم مثل هذا التعبير
"حرية الرأي" ولكن يدعو المسلم ليقول رأيه جلياً واضحاً ، ملتزماً
بالشروط
الإيمانية التي فصلها منهاج الله ، دون أن يعتبر أن رأيـه وحده هو
الحق إلا إذا كان
الرأي نصاً من الكتاب والسنة ، وجاء عرضه مطابقاً لحاجة القضية
والواقع ، جامعاً
لكل الأدلة التي تنفي الشبهة وتشرق بالصدق والحق ، لا يماري فيه
بعد ذلك إلا ممار
أو مجادل أو منافق ، إن الحق يحمل معه دائماً إشراقته ، والباطل
يحمل عتمته وظلامه
والقلب المؤمن يهتدي إلى الحق ويميزه من الباطل .
القرآن الكريم المعجزة الخالد
في الكون نظام وفي العقل نظام ؛ فما من ظاهرة من ظواهر الكون إلا
وتسير وفق سنن مسنونة ونظم محكمة ، وليس من تفكير سليم إلا ويتم
وفق منطق دقيق يربط الأسباب بمسبباتها والنتائج بمقدماتها حتى يمكن
فهم نظام الكون وحتى يستقيم منطق العقل .
وحين تنقطع العلاقة بين الأسباب
العادية ومسبباتها لاشك أن العقل - السليم السوي – يحكم بأن الذي
فعل ذلك هو فوق الأسباب العادية ومسبباتها . ولو ساير العقل منطقه
إلى أقصى مداه لوصل إلى أن الذي خرق العادات وخالف أسبابها
ومسبباتها لا بد أن يكون خالقها وموجدها .
وإذا قصر العقل عن الوصول إلى هذه
الغاية ؛ فإنه لابد أن يصل إلى أن خرق هذه العادات يكون حتما لغاية
، وهي البرهنة على صدق الدعوى بأن وراء ذلك كله خالق حكيم خلق كل
شئ فقدره تقديرا ، فعال لما يريد ، لا يقيده نظام خلقه ولا سنن
أوجدها .
لذلك
كان الأمر الخارق للعادة حجة وبرهان صدق لمن يدعي أنه يبلغ
عن الخالق الحكيم المتصرف في ملكه كما يشاء . وللمدعي ما دام قد
أقام الحجة والبرهان على صدقه أن يتحدى الناس ليفعلوا مثله ، وفي
هذه الحال تتأكد المعجزة .
لذلك عرفت المعجزة بأنها : الأمر
الخارق للعادة يسوقه الله تعالى على أيدي أنبيائه تصديقا لهم
وتأييدا في دعواهم وتحديا لأعدائهم وتعجيزا لهم عن أن يأتوا
بمثلها.
لقد ارتبطت المعجزات بالنبوات
والرسالات ارتباطا لا انفكاك عنه؛ غير أن تتبع تاريخ النبوات يؤكد
وجود نوعين من المعجزات :
-
النوع الأول : يخضع في إدراكه
ومعرفته إلى الحس سواء أكان ماديا في جوهره أم كان متضمنا معاني
روحية . وهذا النوع اشترك فيه الأنبياء كلهم .
-
النوع الثاني لا يدرك إلا بالتأمل
والتدبر وهو ما انفردت به النبوة الخاتمة.
ولعله من المشروع التساؤل عن الحكمة
من اختلاف النوعين : لماذا كانت معجزات الأنبياء السابقة حسية على
نحو ما أخبر به القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام الذي ألقي في
النار المستعرة ، فكانت بردا وسلاما عليه ، وعن موسى عليه السلام
الذي كان مما أيد به عصا تتحرك وتتلوى كأنها ثعبان مبين وليست سحرا
كما أدرك الساحرون فكانوا أول المؤمنين ، وعن عيس عليه السلام الذي
كانت ولادته ذاتها معجزة باهرة ، وكان هو نفسه يبرئ الأكمه والأبرص
بإذن الله ويحيي الموتى بإذنه تعالى؟
ولماذا كانت معجزة محمد صلى الله
عليه وسلم معجزة معنوية ، حيث جعلها الله تعالى بيانا يتلى وذكرا
حكيما متضمنا بيان الشرائع المحكمة الخالدة ؟
قبل الخوض في الإجابة عن هذه
الأسئلة نقرر أن كون المعجزة مادية حسية تبهر الأعين بادئ الرأي لا
يدل على علو المنزلة أو عكسها ، ولكنها حكمة الله تعالى العليم بكل
شئ القادر على كل شئ ، والله تعالى فضل بعض الرسل على بعض ، فمنهم
من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، ولكن ليست الرفعة بكون
الآيات مادية أو حسية ، بل بأمور قدرها الحكيم العليم الذي له وحده
حق نوع التفضيل والرفعة.
إن المسلم يقدر أهمية تلك المعجزات
التي اقتضتها حكمة الله ؛ فقد أدت دورها في إقناع من شرح صدره
لكلمة الحق وأقبل على نور الوحي المقصود لذاته . وقد نخالف البعض
ممن رأوا أن تلك المعجزات قد ارتبطت بظروف تاريخية ونفسية لتلك
المجتمعات التي كانت تعتمد في رؤيتها للأمور على الحس والمشاهدة
لقصورها في فهم القضايا المستندة إلى الاستدلال العقلي ، معتبرين
أن هذا النوع من المعجزات مناسب لمرحلة الطفولة العقلية التي يحتاج
فيها الإنسان إلى الأمور المثيرة والخارقة للعادة . وعندما تطورت
البشرية حسب زعمهم تحدثوا عن الفترة الزمنية التي نزل فيها القرآن
الكريم ، فقالوا إن المجتمع البشري قد تخطى مرحلة الطفولة إلى
مرحلة الرشد وأصبح في تلك الفترة قادرا على التحليل والنقد ، مؤهلا
لمعرفة الحقائق النظرية.
إن هذه الآراء قد تقود إلى حصر
طبيعة الوحي في المعجزة الحسية والتضييق من نطاقها في فترة زمنية
محددة بحجة أن العقل لم يصل في تلك المراحل التاريخية المبكرة إلى
فكرة التجريد وفهم المسائل النظرية ، وهذا تسويغ خاطئ قد يؤدي إلى
استنتاجات مضللة ترى أن الإنسان في مرحلة النضج العقلي يمكنه
الاستغناء عن الوحي نفسه في حين أن مرحلة النضج العقلي لا تزيد عن
كونها مسألة جانبية تتعلق بامتلاك الإنسان مستوى من الرشد طوره
الوحي وتدرج به في مراحل كماله وقاده إلى امتلاك وسائل حضارية مهدت
لظهور الاجتهاد والتدوين والتوثيق ومختلف العلوم الدينية الأخرى.
ومن ثم يمكن القول إن فكرة النضج
العقلي التي علل بها البعض زعمهم اختفاء تلك المعجزات في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم لا تصمد أمام الحقائق العلمية والتاريخية ومع
أن النبوة الخاتمة عززتها معجزات حسية عديدة كانشقاق القمر وانصباب
الماء من أصابعه الكريمة صلى الله عليه وسلم وإخباره ببعض المغيبات
والإسراء والمعراج ؛ فإن المعجزة المطلقة الدائمة الخالدة التي
تحدى بها الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار والمشركين كانت القرآن
الكريم ، ولم يرج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الاتباع إلا به
حتى روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " ما من نبي إلا أوتي
ما مثله آمن به البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي به إلي ،
وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .
إن هناك فرقا جوهريا بين معجزة
القرآن الكريم وبين المعجزات الحسية للنبوات السابقة؛ ذلك أن
المعجزات المصدقة للأنبياء السابقين كانت تقوم بدور الدليل على
صدقهم ، ولكنها كانت من جانب آخر منفصلة عن ظاهرة الوحي وما كان
ينزل من كتب وصحف ، وقد اختفت تلك المعجزات الحسية مباشرة بعد وفاة
الأنبياء عليهم السلام وصارت خبرا يتناقله الرواة وبقي القرآن
الكريم "الرسالة المعجزة" التي يكمن إعجازها في الوحي نفسه أي في
ذاتها وجوهرها.
وبذا يتبين أن كون رسالة النبي صلى
الله عليه وسلم خالدة وكون الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين
ولا نبي بعده هو الذي يفسر مجيء معجزته مناسبة لهذه الرسالة
الخالدة الباقية التي لا يحدها زمان في المستقبل ، فلم تأت واقعة
تنقضي وتنتهي بانتهاء الزمن الذي وجدت فيه ، بل هي حجة باقية ما
بقيت الشريعة ؛ فالقرآن حجة قائمة على العرب والعجم إلى يوم الدين
، وهو معجز لكل الخلائق ، وتزداد هذه المعجزة وضوحا كلما تقدمت
العلوم والمخترعات وازداد وعي الإنسان بحقائق الوجود والسنن
الكونية ؛ حيث تتكشف للمتعامل مع القرآن الكريم أوجه للإعجاز قد
تفوق العد والحصر . فبقدر الصدق والشفافية والجهد المبذول لتثوير
القرآن والبحث عن معانيه يمدك بأسراره وأوجه للإعجاز تؤكد كلها صدق
نسبته إلى كلام الله تعالى ، صدقا لا يداخله أدنى ريب.
فالمستقرئ أحكام القرآن الكريم
التشريعية المنظمة لعلاقات المرء عبادات ومعاملات ولعلاقات المجتمع
بغيره سلما وحربا يتأكد يقينا أنه يستحيل على بشر لم ينل حظا من
التعليم والمعرفة الواسعة أن يأتي بمنظومة تشريعية متناسقة ومحكمة
الترابط روعيت فيها الطبيعة البشرية مراعاة دقيقة مما يمثل إعجازا
تشريعيا بديعا يقف أمامه أساطين القانون وفقهاؤه وهم لا يملكون إلا
الاعتراف بأن وراء كل هذه الأحكام والتشريعات إلها مدبرا حكيما
عليما بالنفس البشرية وما يصلحها وما يصلح لها.
أما من غاص في عالم المعرفة سواء ما
تعلق منها بالطبيعة والكون أو ما تعلق منها بالتكوين البشري نفسه ،
فإنه ولا شك واجد من إشارات الإعجاز في القرآن الكريم التي صدقها
العلم وأكدتها الأبحاث والاكتشافات المتتالية ما هو كفيل بإقناع كل
قلب لم يداخله الهوى أو يسيطر عليه الجحود، قال تعالى :
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ
أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت:53)
.
وهكذا كلما بحث المشتغل بالقرآن
الكريم تبين له وجه للإعجاز جديد ، فمن الإعجاز التشريعي إلى
الإعجاز العلمي إلى الإعجاز البلاغي والنظمي إلى الإخبار بغيبي
الماضي والمستقبل ....
ففيه المعين الذي لا ينضب والثروة
التي لا تنفذ وفيه حكم الأمور كلها ما وقع منها وما لم يقع ، قال
تعالى :{ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام: من
الآية38) وفيه عبر الماضين وأخبار النبيين ، فهو كتاب الله الكامل
، فيه معاني كل الكتب المنزلة على الرسل ، وفيه أخبار أولئك الرسل
مع أقوامهم ، وفيه العظات الموجهة ، وفيه أعلى الآداب الإنسانية
وأقوم السلوك الكامل للخلق أجمعين ، وفيه تعليم الإنسان الاتجاه
إلى الكون وتعرف ما فيه والأخذ بالعلم من قوادمه وخوافيه ، وفيه
العلم بكل ضروبه ، علم الإنسان وعلم النفس ، وعلم الكون ...
خاطب الله تعالى به أولياءه فعرفوه،
وأصحاب العقول المستقيمة فأدركوه، وكان حقا كما قال الله تعالى
:{وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ
بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ
الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ
يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزَالُ الَّذِينَ
كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ
قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (الرعد:31)
.
ذلك هو كتاب الله تعالى بما حمل من
معان وتكليف ، وما كساه الله تعالى به من روعة وتشريف ، وهو كما
وصفه الله تعالى : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً
مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ
يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
(الزمر:23)
.
التوحيـــــد
أخرج البخاري عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه
وسلم : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) قيل : ومن يأبى ؟ قال :
من أطاعني دخل
الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، وهذا بيان واضح لحقيقة قوله تعالى (لا
إكراه في
الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة 256 ؛ وذلك أن الله عز وجل قد
هدى
البشرية إلى
نجدي الخير والشر. فمنهم المهتدي ، ومنهم من حقت عليه الضلالة (
وأما
ثمود فهديناهم
فاستحبوا العمى على الهدى ) فصلت 17، ( ونفس وما سواها فألهمها
فجورها
وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) الشمس 7- 10.
وتزكية النفس
وتقواها لها طريق واحد، هو ما جاء به النبي صلى
الله عليه
وسلم من دين الإسلام، وسمى الله به عباده المنضوين تحت لوائه
" المسلمين،
المؤمنين عباد
الله "،
على لسان إبراهيم
عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين،
ووعدهم لذلك
بالرضى والنعمة وسعادة الدارين ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
وآمنوا برسوله
يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به، ويغفر لكم والله
غفور
رحيم ) الحديد
28
ولئن كان الإسلام
هو الانقياد لشرع الله والقيام بأركانه
وواجباته
واجتناب نواهيه، والتخلق بأخلاقه فإن له مدخلا واحدا ووحيدا، هو
التوحيد
الحق على
النهج القرآني النبوي، من استيقنه دون ريب أو شك أو اضطراب أو تردد
فهو
المؤمن وهو
المسلم، وهو الأخ الكريم، وهو اللبنة الصلبة في البناء الإسلامي
المتماسك.
ولئن ابتدع
المسلمون على تعاقب أزمان الفتن والجهل، لأنفسهم
أسماء
وألقابا، فإن ذلك مجرد وهم وشرود، ذلك أن الله سبحانه لا يرضى
لعباده إلا ما
سماهم به (
المسلمين المؤمنين، عباد الله عز وجله ) ولذلك قال سبحانه وتعالى
: (
ملة أبيكم
إبراهيم هو سماكم المسلمين ) الحج 78
هذا ما ينبغي أن
يطمئن إليه قلب المؤمن، ويركن إليه، وهو ما
يطلق عليه في
علم أصول الدين مصطلح
" العقيدة
"، عقيدة
الأمة التي تركها الرسول –
صلى الله عليه وسلم –
لأمته بيضاء نقية، ليلها كنهارها، إيمان راسخ، وتوحيد هو جوهر
الإيمان
ومحتواه، وظهور ثمرة ذلك على اللسان والعمل.
فالإيمان ثلاثة
أركان :
1-
عقد بالقلب،
أي التصديق، وبه يتساوى الطائعون والعصاة.
2-
الإقرار
باللسان، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
3-
العمل
بالأركان. وبه يتفاوت المؤمنون. وبه يزيد الإيمان
وينقص، فيزيد
بالطاعات، وينقص بالمعاصي.
أما التوحيد الحق
فهو إفراد الله عز وجل وحده بالعبادة لا شريك
له، وله ثلاثة
أركان :
1-
توحيد
الربوبية، وهو الإقرار بأن لا رب لجميع الخلق إلا الله
تعالى، وأنه
سبحانه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت، وحده لا شريك
له..
2-
توحيد
الألوهية، وهو إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة
التي أمر بها،
دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا ورهبة ورغبة وخشوعا وخشية، وإنابة
واستعانة
واستغاثة
ونسكا ونذرا ؛ قال تعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا
) الجن 18.
3-
توحيد
الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله
شئ، وأنه لا
يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم،
وطريق
معرفة ذلك
الوحي قرآنا وسنة صحيحة.
ونهج الجيل
النبوي من صحابته صلى الله عليه وسلم في توحيد
الأسماء
والصفات أن يسردوا العقائد للأمة سرداً، مع ذكر أدلتها من الكتاب
والسنة من
غير تشبيه أو
تمثيل أو تعطيل أو تحريف أو تأويل أو تكييف بالعقول أو القلوب أو
الألسنة. ودون
أن ينـزلقوا إلى مختلف التصورات الضالة التي سقطت فيها مختلف
الفرق.
فعقيدتهم بذلك
حق بين باطل المشبهة والمجسمة والحشوية، وبين باطل المعطلة الذين
يعتبرون
تصرفات الله تعالى غير حقيقية بغلو من التأويل الضال.
على هذا النهج
كان الأئمة الأربعة – رضي الله عنهم –، أبو حنيفة
ومالك
والشافعي وأحمد. ولئن حاول بعض المتأخرين نسبة أبي حنيفة إلى
المرجئة لقوله
بأن الإيمان
تصديق بالقلب وإقرار باللسان، ظناً منهم أنه يؤخر العمل على
الإيمان،
فإن ذلك منهم
شطحات هوى وتعصب ظالم. لأن الرجل – أبا حنيفة – قاد عصره إلى العمل
بالكتاب
والسنة. وسجن من أجل ذلك، فكيف يفتي بترك العمل الذي يقول به
ا |