|
الـفتور
المظاهر – الأسباب – العلاج
ملاحظة: نظرا لأهمية
الموضوع رأينا أن نتحف به زوارنا الكرام، إلا أن طول المحاضرة اضطرنا للتصرف فيها
باختصار لا يخل بمحتواها ومضمونها
للأستاذ الدكتور:ناصر بن سليمان العمر
بسم الله الرحمن
الرحيم
إن الحمد لله،
نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد ألا إله إلا
الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، أيها
الأخوة المؤمنون: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
تعريف الفتور
أقول مستعينا بالله
-جل وعلا- ومتوكلا عليه ومصليا ومسلما على رسوله صلى الله عليه وسلم
ما هو الفتور؟
قبل أن أعرفه من
الناحية اللغوية، أريد أن أنبه أن تركيزي في هذه الدروس يتعلق بالفتور في طلب
العلم، والدعوة إلى الله، وسيدخل في ذلك تبعا وضمنا بقية أنواع الفتور، كالفتور في
العبادة ونحوها، ولكن التركيز ينصبُّ على هذين الأمرين، كما ستلاحظون بإذن الله عند
الحديث في مظاهر الفتور وأسبابه وعلاجه.
ما هو الفتور؟
عرف علماء اللغة
الفتور بعدة تعريفات متقاربة، يكمل بعضها بعضا، ويوضح بعضها بعضا.
قال في مختار
الصحاح: الفترة: الانكسار والضعف، وطرف فاتر: إذا لم يكن حديدا، أي قويا، وقال ابن
الأثير: والمفتر الذي إذا شرب أي الذي إذا شرب أحمى الجسد، وصار فيه فتور، وهو ضعف
وانكسار؛ ولذلك يسمى الخمر من المفترات، وبعض الحبوب، وبعض المسكرات التي يستخدمها
بعض الناس تسمى من المفترات؛ لأنها تحدث في الجسم ضعفا وخورا وفتورا.
يقال: أفتر الرجل
فهو مفتر: إذا ضعفت جفونه، وانكسر طرفه وقال الراغب: الفتور، تعريف جميل للراغب
-رحمه الله- الراغب الأصبهاني في مفردات القرآن قال: الفتور: سكن بعد حدة، ولين بعد
شدة، وضعف بعد قوة، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا
يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)()
أي سكون حال عن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلموقوله: لا يفترون، أي لا يسكنون
عن نشاطهم في العبادة.
وقال ابن منظور:
وفتر الشيء، والحر، وفلان يفتر فتورا وفتارا: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.
ونخلص من هذا: إلى
أن الفتور: هو الكسل والتراخي، والتباطؤ بعد الجد، والنشاط والحيوية.
نخلص بعد هذا من
هذه التعريفات إلى أن الفتور: هو الكسل والتراخي والتباطؤ بعد الجد والنشاط
والحيوية.
قال ابن حجر -رحمه
الله، ورحم من سبقه-: الملال استثقال الشيء، ونفور الناس عنه بعد محبته، وهو داء
يصيب بعض العباد والدعاة وطلاب العلم، فيضعف المرء ويتراخى ويكسل، وقد ينقطع بعد جد
وهمة ونشاط.
أقسام المصابين بداء الفتور
المصابون بداء
الفتور ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم
يؤدي بهم الفتور إلى الانقطاع كلية، وهم كثير، يكون من العباد فيترك العبادة،
يكون من طلاب العلم الجادين فيترك طلب العلم، يكون من الدعاة المعروفين فينقطع
نشاطه.
النوع الثاني: قسم
يستمر في حالة الضعف والتراخي دون انقطاع، وهم الأكثر، أكثر من يصاب بالفتور يبقى
معه بعض الأثر من جده ونشاطه، ولكن ينخفض نشاطه وعلمه وجده كثيرا إلى أكثر من نسبة
سبعين أو ثمانين بالمائة، إذا أردنا أن نستخدم نسبة الأرقام.
النوع الثالث: قسم
يعود إلى حالته الأولى، أو بعبارة أصح إلى قرب حالته الأولى؛ لأنه قليل أو نادر أن
يعود إلى حالته الأولى، قسم يعود إلى قرب حالته الأولى وهم قليل جدا؛ لأن أثر
الفتور قد يبقى، ويؤثر في الإنسان.
وأريد أن
أشير قبل أن أتجاوز أقسام الناس في الفتور إلى أن هناك قسم بعض الناس يؤدي به
الفتور -والعياذ بالله- إلى الانحراف، ولكن لم أتحدث عن هذا النوع؛ لأن غالبا النوع
الذي يؤدي به الفتور إلى ترك العمل هم منهم قسم كبير يؤدي بهم الأمر إلى الانحراف
-والعياذ بالله- فقد رأينا أناسا كانوا في غاية النشاط، والعبادة والصلاح، ورأيناهم
بعد حين، وقد انحرفوا عن الجادة -والعياذ بالله-.
أنا لا أتحدث هنا
عن الانحراف، ولكنني أنبه إلى أن الفتور من أعظم أبواب الانحراف.
إن الفتور مرحلة
وسطية بين العبادة والدعوة والعلم والانحراف، قل أن تجد إنسانا
عابدا وداعية ومعلما أو متعلما وينحرف مباشرة، أقول: موجود، ولكنه قليل جدا.
إن ما يحدث أن يفتر
أولا، أن يضعف أولا، ويعيش سنوات في ضعف، ثم الإنسان لا يستقر على حالة واحدة، إن
لم يتداركه الله برحمته، ويعود يستمر في الانحدار حتى يقع في الانحراف -والعياذ
بالله-.
أدلة الفتور من القرآن
ورد لفظ الفتور،
ومعناه في عدة آيات وأحاديث من الكتاب والسنة، وسأذكر بعض هذه النصوص، لإلقاء مزيد
من الضوء حول معنى الفتور، وسيكون ذكري لها باختصار، دون تعليق طويل، وإن كنت سأفصل
فيها -بإذن الله- عند ذكر الأسباب
قال الله -تعالى-
مثنيا على الملائكة: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)().
أي لا يضعفون ولا
يسأمون، وجاء في آية مشابهة:
(يُسَبِّحُونَ لَهُ
بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ)()
والسأم هو الفتور، وقال سبحانه -مما يدل على معنى الفتور-: (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ
تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)()
كتابة الديون يفتر الإنسان عنها؛ ولذلك نبه الله -جل وعلا- قال: (وَلا تَسْأَمُوا
أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)().
لو سألت الأخوة، قد
تجد كل واحد من الموجودين، أو بعبارة أصح أن أغلب الموجودين إما له دَين أو عليه
دَين، ولكن كم منهم يكتب هذا الدَّين؟ قليل جدا، قليل من يسجل ما له، وما عليه؛
ولذلك تلاحظون في الإعلانات بعد أن يتوفى بعض الناس يعلن أهله وورثته: من له عليه
أو من له على فلان دين فليأت، ما معنى هذا؟ أنه لم يسجل ولم يقيد؛ فلذلك نبه الله
إلى هذه النقطة الخفية، التي أقول: إن أغلبنا قد وقع فيها (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ
تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ)().
السأم هو الفتور،
قد يتحمس الآن الواحد، ويخرج ويكتب مرة ويكتب مرتين، ويكتب ثلاثا ثم بعدين -إن شاء
الله- غدا بعد غدٍ ثم ينسى ويسأم، ثم تقع المشكلات بعد ذلك، ويقع الخلاف ويقع
الخصام.
أيضا يقول -جل
وعلا-: (لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ)()
صحيح نعم، وهو قول الباري -جل وعلا- الإنسان لا يفتر من دعاء الخير لنفسه، دائما
يدعو الله -جل وعلا- فيما يخصه من الخير، أما غير ذلك من العبادات، فالسأم والفتور
موجود.
وقال -جل وعلا- عن
أهل النار: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)()
النار مستعرة شديدة لا يمكن أن تقل أو تضعف لحظة واحدة (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ)()
لا تنقطع ولا تضعف ولا تخبو لحظة واحدة (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)()
وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ)()
وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)()
أي انقطاع، ومما يدل في معنى قوله تعالى يصف المؤمنين: (وَمَا ضَعُفُوا وَمَا
اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)().
أدلة الفتور من السنة
أما الأحاديث: فهي
كثيرة جدا، وأذكر بعض هذه الأحاديث، وهي نص في الموضوع، أو في معناه عن أنس رضي
الله عنه قال: " دخل النبي صلى الله عليه وسلم
فإذا حبل ممدود
بين ساريتين " ()
دخل المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين " فقال: ما هذا الحبل؟ " يقول صلى الله
عليه وسلم" قالوا: هذا حبل لزينب " ()
زينب: هي زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم
من أمهات
المؤمنين " هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به " ()
تقوم تصلي، فإذا فترت وكسلت تعلقت بالحبل حتى تنشط.
الرسول صلى الله
عليه وسلم لما قال: لماذا هذا الحبل؟ قالوا: لزينب فإذا فترت تعلقت به، أنشط لها
ولإذهاب الفتور، قال صلى الله عليه وسلم" لا، حلوه، ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر
فليرقد " ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر وتعب وكسل فلينم، وهذه من رحمة الله -جل
وعلا-.
وعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استمعوا يا شباب، استمعوا يا أصحاب
الجد، انظروا كيف يخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وكيف يدلنا على العلاج،
يقول صلى الله عليه وسلم" إن لكل شيء شرة، ولكل شرة فترة، فإن صاحبها سدد وقارب
فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه " ().
وأذكر أن أحد
الأخوة يقول: كان في غاية نشاطه، هذا الكلام منذ ثلاث سنوات، كان قويا ونشيطا، وكنت
وكنا وقوفا، فجاء أحد الأخوة وسلم عليه، وقال: يا فلان -فلان من كبار العلماء، لا
أريد أن أذكر اسمه- أحد كبار العلماء يبلغك السلام، ويقول لك: إنني أدعو لك
بالتوفيق، ولكنني أذكرك بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم" إن لكل عمل شرة، ولكل
شرة فترة " ().
يقول هذا الأخ: لما
انصرف المُبلغ، يقول: صحيح بلغ الحديث، لكن هل يمكن أن أفتر؟ يقول -عن نفسه-: كان
في غاية النشاط، ما مر على هذا الكلام إلا سنتان، فإذا هو قد فتر قليلا، وخف نشاطه.
إذا " لكل عمل شرة،
ولكل شرة فترة " ()
وفي الحديث الآخر عن ابن عباس رضي الله عنه في نفس نص الحديث، عن النبي -صلى الله
عليه وسلم-أنه قال: " لكل عالم شرة، ولكل شرة فترة، فمن فتر إلى سنتي فقد نجا،
وإلا فقد هلك " ().
وقال صلى الله عليه
وسلمعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " كانت مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم
تصوم النهار، وتقوم الليل، فقيل له: إنها تصوم النهار، وتقوم الليل، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلمإن لكل عمل شرة، والشرة إلى فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد
اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد ضل " وفي رواية: " فقد هلك " .
وعن عبد الله بن
عمرو قال: " ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم قوم يجتهدون في العبادة اجتهادا
شديدا فقال: تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل عمل شرة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد
فنعماه، ومن كانت فترته إلى المعاصي، فأولئك هم الهالكون " ().
" وعن عائشة -رضي
الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسل مدخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟
قالت: هذة فلانة تذكر من صلاتها فقال: مه " ()
عائشة -رضي الله عنها- أثنت عليها ثناء كثيرا، أنها تصلي، وتقوم الليل، فقال الرسول
صلى الله عليه وسلممه أي اسكتي، كفى عن هذا المدح " مه: عليكم بما تطيقون، فوالله
لا يمل الله حتى تملوا " ().
وكان أحب الدين
إليه ما داوم عليه صاحبه.
وأختم بهذا الحديث:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يا
عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه " ().
إذا -أيها
الأخوة-نخلص من هذه الأحاديث إلى:
أن كل إنسان يصاب
بالفترة -وبالفتور-،
لكن هناك من
يصاب بالفتور قليلا، ثم يعود كما كان أو أحسن، وهناك من يصاب بالفتور، وهو الهلاك،
وهو الذي نقصده في هذا الحديث.
ليس حديثي عن الذي
يصاب بالفتور قليلا ثم ينشط، هذا ليس هو مجال حديثي، ولا يخلو منه أحد، ولا يسلم
منه أحد، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم لكنني أتحدث عن النوع الآخر من الفتور؛
أولئك الذين يفترون عن العمل، ويضعفون ثم يهلكون -والعياذ بالله-.
آثار عن السلف في الفتور
انظروا بعض الآثار
عن السلف:
قال ابن مسعود: لما
بكى في مرض موته رضي الله عنه إنما قيل له: ما يبكيك؟ قال: إنما أبكي؛ لأنه أصابني
في حال فترة، ولم يصبني في حال اجتهاد، لما أصابه مرض الموت بكى قال: لأنه أصابني
المرض، وكنت في حال فترة، ضعف، ويا ليت المرض أصابني وأنا في حال اجتهاد، وفرق بين
من يصاب بمرض وهو في حال نشاط واجتهاد، وبين من يصاب بمرض وهو في حال فتور؛ لأن
المريض والمسافر يكتب له ما كان يعمل في حال صحته، فبكى رضي الله عنه.
وعنه رضي الله عنه
قال: " لا تغالبوا هذا الليل فإنكم لن تطيقوه، فإذا نعس أحدكم فلينصرف إلى فراشه،
فإنه أسلم له " .
وقال الإمام النووي
شارحا لحديث عائشة -رضي الله عنها-:
فيه الحث، الذي هو
حديث عائشة، عندما قال لها الرسول صلى الله عليه وسلممه، فيه الحث على الاقتصاد في
العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليه بنشاط، وأنه إذا فتر فليقعد حتى
يذهب الفتور.
قال ابن القيم،
خذوا هذه الكلمات من الإمام ابن القيم -رحمه الله-:
تخلل الفترات
للسالكين أمر لا بد منه، السالكين العباد طلاب العلم تخلل الفترات للسالكين أمر لا
بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في محرم
رجي له أن يعود خيرا مما كان.
ابن القيم وضع لنا
حدا قال: إذا أصيب أحدكم بفتور، لا بد أن يصاب بالفتور، المهم ألا توصله حدا وضعه
ابن القيم -رحمه الله-، وهو من معنى الأحاديث السابقة لا توقعك في محرم، ولا تجعلك
تتخلى عن فرض.
ولذلك ورد عن علي
رضي الله عنه أنه قال: إن النفس لها إقبال وإدبار، لاحظوا كلام جميل من الإمام علي
رضي الله عنه النفس لها إقبال وإدبار، فإذا أقبلت فخذها بالعزيمة والعبادة، وإذا
أدبرت فأقصرها على الفرائض والواجبات، أو كما قال رضي الله عنه لاحظتم هذه القاعدة
وهي مهمة ستأتي -إن شاء الله- في أسباب الفتور لكنني أؤكدها هنا.
بعض الناس تكون
نفسه منصرفة، فيه ثقل، فيجبر نفسه على ماذا؟ على النوافل ما الذي يحدث؟ يبدأ يحس
بثقل شديد في النوافل، حتى بعد فترة طويلة، لا، إذا قصرت نفسه وثقلت، فاتركها لكن
لا تتخلى عن الفرائض والواجبات، وإذا أقبلت نفسك، انشرحت فخذها بالعزيمة.
أحيانا تجد من نفسك
رغبة في الصلاة، العبادة، فإذا وجدت هذه الرغبة، خذ النفس فيها، وأحيانا تحس بثقل،
فأقصرها على الأقل، ولو تقصرها على الوتر ثلاث ركعات، أو ركعة واحدة.
أحيانا تجد عندك
النفس مقبلة لقراءة كتاب الله -جل وعلا- فخذها، ولو تقرأ في اليوم عشرة أجزاء،
وأحيانا تجد ثقلا فأقصرها على وردك اليومي، وحتى لو تركت الورد، وإن كان هذا يحدث
خللا كما ذكر ابن تيمية، فإنك تعود أقوى -بإذن الله- إلى ذلك.
النفقة: أحيانا تجد
في نفسك إقبالا على النفقة في سبيل الله، فخذها دون إفراط، وأحيانا تجد ثقلا
فأقصرها على ما تستطيع وترغب ولا تكرهها؛ لأن هذا تكون آثاره خطيرة بعد ذلك.
مظاهر الفتور
التكاسل عن العبادات والطاعات
أبرز مظهر من مظاهر
الفتور هو التكاسل عن العبادات والطاعات، مع ضعف وثقل أثناء أدائها، ومن أعظم
ذلك الفتور عن تأدية
الصلاة، قال -سبحانه وتعالى- واصفا المنافقين (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ
قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)().
وقال -جل وعلا-:
(وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ
كَارِهُونَ)()
هذا مظهر يا أخي إذا كنت تجد وأنت تقوم إلى الصلاة الفريضة ثقلا، فأنقذ نفسك، تدارك
نفسك؛ لأن هذه صفة من صفات المنافقين -والعياذ بالله-.
الشعور بقسوة القلب وخشونته
من مظاهر الفتور:
الشعور بقسوة القلب وخشونته، فلم يعد يتأثر بالقرآن والمواعظ، ورانت عليه الذنوب
والمعاصي، قال سبحانه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ)()
ويكاد يصدق عليه وصف الله لقلوب اليهود (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )().
ويصل من قسوة قلبه
ألا يتأثر بموت، ولا ميت، ويرى الأموات، ويمشي في المقابر وكأن شيئا لم يكن، وكفى
بالموت واعظا، وأعظم من ذلك عدم تأثره بآيات الله -جل وعلا- وهي تتلى عليه، ويسمع
آيات الوعد والوعيد فلا خشوع ولا إخبات، والله -جل وعلا- يقول:
(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)()
ويقول -جل وعلا-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)().
إلف
الوقوع في المعاصي والذنوب من مظاهر الفتور:
ويصل الفتور إلى
درجة أبعد، إذا ألف الوقوع في المعاصي والذنوب وقد يصر على بعضها ولا يحس بخطورة ما
يفعل، ويقول: هذه صغيرة، وتلك أخرى وهلم جرا، وقد يصل به الأمر إلى المجاهرة.
والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين " ()
وأشير هنا إلى أن هناك فرقا بين الفتور والانحراف، ولكنني قد بينت هذا قبل قليل.
عدم
استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه
ومن أبرز مظاهر
الفتور: عدم استشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، والتساهل والتهاون بالأمانة التي
حمله الله إياها، فلا تجد لديه الإحساس بعظم هذه الأمانة، والله -سبحانه وتعالى-
يقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)().
أرأيتم -أيها
الأخوة- هذا المظهر هو مما نشكو منه الآن، وهذا من أخطر الأدواء: عدم إحساس كثير من
الناس بالمسئولية التي ألقيت على عاتقهم، يسمع أخبار المسلمين فلا يتأثر، يسمع
أحوال أمته فلا يتحرك قلبه، قد يرى مظاهر تحدث في الشوارع من بعض السفهاء ولا يقشعر
قلبه.
استوحاش الأصحاب الصالحين
من علامات الفتور:
أن الإنسان يكون له أصحاب
صالحون، إذا
وجدهم فرح بهم، إذا كلموه بالهاتف لمس أهله السرور على وجهه، وبعد فترة وبعد زمن
فإذا هو يتوحش ويستوحش منهم، إذا قيل له: إن فلانا على الهاتف قال: اصرفوه، إذا قيل
له: إن فلانا عند الباب قال: اعتذروا منه، إن لاقاه في الشارع أو في مناسبة من
المناسبات فإذا بينهما وحشة، ومجاملة وثقل ويتمنى متى ينصرف عنه، هذه من علامات
الفتور.
الاهتمام بالدنيا والانشغال بها عن العبادة وطلب العلم
من مظاهر الفتور:
الاهتمام بالدنيا، والانشغال بها عن العبادة، وطلب العلم والدعوة إلى الله، والدنيا
حلوة خضرة، فقلّ أن ينجو منها أحد.
عرفنا أناسا بطلب
العلم، عرفناهم بالدعوة إلى الله، عرفناهم بالنشاط، عرفناهم في مكتبات المساجد،
عرفناهم في جمعيات المدارس، الآن ما هي أخبارهم؟ اللهاث وراء الدنيا، نحن لا نقول:
إن طلب الدنيا حرام، لا، لكن بدلا إن كان يكتفي من الدنيا بالكفاف فإذا هو يلهث
وراء هذه الدنيا، وإذا هو قد ترك العمل الذي هو فيه، وإذا هو حتى قد ترك العلم، وما
بقي معه من العلم إلا قليلا، أو لم يبق معه شيء، وإذا هو يكتفي بالحوقلة
والاستعاذة، هذا مظهر من مظاهر الفتور.
كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة وينفع الأجيال
من مظاهر الفتور:
كثرة الكلام دون عمل يفيد الأمة، وينفع الأجيال، فتوجد هذا النوع يتحدثون عما عملوا
سالفا وكنا وكنا، وكنت وكنت، ويتسلون بهذا القول عن العمل الجاد المستمر، والله -جل
وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)()
وهذا مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم" ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل "
().
الغلو والاهتمام بالنفس
من مظاهر الفتور:
الغلو والاهتمام بالنفس، مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا، فبعد أن كان لا يلقي
لهذه الأشياء بالا إلا في حدود ما شرع الله، فإذا هو قد أصبح يبالغ فيها، يبالغ في
ثيابه، يبالغ في مسكنه، بدل ما كان لا يبالي إلا في حدود الشرع (يَا بَنِي آدَمَ
خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)()
انتفاء الغيرة، وضعف الإيمان، وعدم الغضب إذا انتهكت محارم الله
أيضا: انتفاء
الغيرة، وضعف الجذوة -الإيمان- وعدم الغضب إذا انتهكت محارم الله، فيرى المنكرات
ولا تحرك فيه ساكنا، ويسمع عن الموبقات وكأن شيئا لم يكن، وقد يكتفي بالحوقلة
والاسترجاع إن كان فيه بقية
أختم هذه المحاضرة
بهذه المظاهر السريعة من مظاهر الفتور:
·
ضياع الوقت وعدم
الإفادة منه، وتسجيته بما لا يعود عليه بالنفع، وتقديم غير المهم على الأهم،
والشعور بالفراغ الروحي وعدم البركة في الأوقات، وتمضي عليه الأيام لا ينجز فيها
شيئا يذكر.
·
عدم الاستعداد
للالتزام بشيء والتهرب من كل عمل جدي
·
عدم الاستقرار على عمل
معين.
·
النقد لكل عمل إيجابي
·
التسويف والتأجيل
وكثرة الأماني
لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى
انظر ترجمة حياته في نافذة
" سير وصور"
لو أن ( بارتيليمي سانتهيلير
Barthelemy St Hilair)
الذي صرح بحق قائلا
(1):
" إن السياسة وهي مستغرقة في مشاكل الساعة، لا يسعها أن تسمو إلى المبادئ، وإن رجل
السياسة بما أنه يرعى المصالح، ويخدم الشهوات، ويسعى للتوفيق بينها – ولو أنه قد
شارك في أمرها – يتزلزل رأيه، ويعمى بصره، وتوقعه المنازعات اليومية في الحيرة في
أن يقول بأي نور سام ينقاد ؟ " .
هذا العلامة الفرنسي – إذ يئس من أن
السياسي الراغب في النجاح القريب والمطمع الخاص، يطابق سلوكه المبادئ الأساسية التي
قامت عليها دعوته أول الأمر – لو أنه جعل من بعض دراساته السياسية والأخلاقية،
البحث عما يمكن أن يجده من النماذج الحية للسياسة التي تجعل الصلة محكمة بين
المبادئ والغايات، ولا تبالي بعدد النتائج المحصلة إلا إذا كانت وفق تلك المبادئ
وضمن حدودها، لو أنه فعل ذلك لوجد في تاريخ ( السياسي المسلم ) المثل الأعلى
للسياسة التي حددت (فكرة)، وعملت على أن تبني عليها كيان المجتمع بأسره، ولكان قد
أضاف بذلك إلى دراساته السياسية والأخلاقية والفلسفية الزاخرة بالعلم والفائدة
وبالعمق حقا، شيئا من العلم وشيئا من الفائدة.
غير أن مترجم أرسطو وناقد الفلاسفة،
قد حصر الثقة في العقل البشري المجرد، وفي المنهج العقلي ، وبالتالي في (السياسي
الفيلسوف)، فوقع في شيء من التهافت، على حين قد وقع في شيء من التحيز القومي أيضا،
فهو بالرغم من أنه صرح بأن الفيلسوف على استقلاله الشخصي لا يخلص تماما من تأثير
القرن الذي يعيش فيه، وأنه عبثا يحاول التجرد، بما أنه دائما يتصل بزمانه، وأن
الدولة المثالية التي يرسمها أفلاطون يتسنم فيها روح السياسة الإغريقية ، وأن حكومة
الفرد التي كان يحلم بها (منتسيكيو) هي حكومة الفرد الوحيدة المقيدة في كل أوربا،
وأن أعمال الفلاسفة مهما يظهر عليها أنها شخصية فإنها أيضا مظاهر اجتماعية؛ إنه
بالرغم من إدراكه لهذه الحقائق واعترافه بها، يناقض نفسه ويعلن "أن الأولى باسترعاء
النظر من بين جميع الأعمال المختلفة الأنواع ، والتي كلها باعتراف الإنسانية هي
أعمال الفلاسفة، فإنها قد ساعدت على بلوغ النتيجة العامة". وهو في الوقت الذي يقرر
فيه " أن هدى رجال السياسة ينطفئ نوره غالبا في سجلات التاريخ " "يطالب الفيلسوف
السياسي بأن يعتمد في تحديده لمبادئ السياسة العليا على السيكولوجيا ويجعل دراسة
التاريخ مراقبة لهذه الإدراكات السيكولوجية".
إنه إذا كان لابد لنا من أن نعتمد على
العقل بدل الهوى بما أنه القبس الإلهي الذي خصصت الحكمة الإلهية به إنسان هذه
الأرض من بين سائر المخلوقات، وكان لابد لنا من أن نجعل على هذا العقل (مراقبة)
تقيه التلف في متاهات الشهوات والشبهات، فإن هذه المراقبة لا يحق أبدا أن تكون
للتاريخ. إنها للدين، الدين الذي جعله خالق الإنسان لأعمال الإنسان عصمة و(حدودا).
يقول (الدوس هكسلي Aldous Huxley) : "إن العقل الناقد قوة
محررة إلى حد ما،غير أن الوسيلة التي بها يصير ذا فائدة تتوقف على الإرادة، وحيثما
لا تكون الإرادة نزيهة وغير متحيزة، فإن العقل يصبح وسيلة لتحكيم الأهواء والأوهام
وتبرير المصالح الخاصة، وهذا هو السبب الذي من أجله كان أولئك الفلاسفة الأذكياء
الذين حرروا أنفسهم بكيفية تامة من السجن الضيق لعصرهم وبلدهم، من القلة بحيث لا
يذكرون"(2) .
والدين بما أنه الخاصة الإنسانية التي
لم يستطع الإنسان أن يستغني عنها في أي حقبة من أحقاب تاريخه المتعاقب، فإنه هو
وحده القوة التي تستطيع أن تمسك بزمام العقل وتربطه برباط الإرادة الطيبة التي هي
شرط في أن يكون العقل أداة بناء لا أداة هدم ، وأداة إصلاح لا أداة إفساد.
أما إذا كانت هناك قيمة يجب أن تعطى
للتاريخ، فهي قيمة العبرة والتأييد والاستشهاد والاستئناس، لا الاعتماد العلمي،
والمراقبة الأساسية؛ ولقد تفطن لهذا المعنى العلامة ابن قيم الجوزية حين قال : "إن
الانسان يجب عليه لتتميم سعادته وفلاحه أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له
نصيره في ذلك ما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره، ومن أنفع ذلك تدبر القرآن،
فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه فيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة؛ ثم
السنة، فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني، ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما عن
غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى تعاين ذلك، فإذا تأملت أخبار الأمم
وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة"، ثم قال
: "فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير وللشر"(3)وهو
في كتاب السياسة الشرعية يثبت "أن من له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وأنها
لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها لغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق،
وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، وعرف أن السياسة
العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها مواضعها
وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان سياسة ظالمة
فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر بعين الشريعة، علمها من
علمها وجهلها من جهلها ".
وفي الدراسات الاجتماعية والسياسية
المعاصرة، الرامية إلى تحديد المثل والأهداف العليا للإنسانية نجد أن الكاتب
الإنجليزي الذكي (الدوس هكسلي
Aldous Huxley)،
الذي أدرك أن الأنانية السياسية هي أسباب الفساد في السياسات الحاضرة، وأنه لا سبيل
إلى الاصلاح الصحيح إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح،هو الذي أدرك الداء في مكمنه،
والحقيقة في أصلها، لقد أدرك (هكسلي) عن وعي أن جميع الأمثلة التي رسمت في عصره ومن
قبل عصره لأن تكون المثال المحتذى لعالم أفضل، وحياة مثلى، غير حرية بأن تكون ذلك
المقام المطلوب أن تتبوأه الجماعة البشرية فوق هذه الأرض، وهي أسعد ما تكون، وأعدل
ما تكون، وأكثر جمعا لعناصر الخير والحب الأخوي، ذلك أن جميع الهيئات والجمعيات
وأكثر الفلاسفة والمفكرين الذين رسموا تلك الأمثلة وخططوا الطرق الموصلة إليها
كانوا عرضة لتأثير البيئات والظروف المحيطة، كما أن الهوى والتعصب كان الديدن
والشيمة المسيطرة على هؤلاء، وعلى من أطاعهم طاعة عمياء. واتبعهم تبعية تقليدية
جازمة بغير دليل ولا برهان. وبخصوص الخطط السياسية للقرن العشرين – القرن الذي سمى
العالم السياسي والاقتصادي (جستاف شتلبر) ما بعد سنة 1914 منه (عصر الخرافة) وقال(4)
: "إن الجماهير الجاهلة ورجال العلم والمال والفن والأدب كل أولئك استووا في التعلق
بخرافاته" – بخصوص هذا القرن، وبخصوص ساسته الذين حملوا علم السياسة زاعمين أنهم
سائرون بالإنسانية إلى أهدافها العليا قال (هكسلي) : "إن أكثر شعوب العالم اليوم،
أبعد ما تكون عن المثل العليا والاهتداء بهديها" " إنه لا شك أن التقدم العلمي
والفني يسير بخطى حثيثة، ولكن تبادل الحب بين القلوب لا يسير مع هذا التقدم جنبا
لجنب، وإذن فليس من وراء التقدم العلمي والفني فائدة بل إنه من بواعث التأخر
والتدهور في كرم النفوس وطيب الأخلاق".
"إن الدكتاتوريين الاقتصاديين والسياسيين في العصر الحاضر، يخترعون الأكاذيب
بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، وهم يبثون أكثر هذه الأكاذيب في الدعاية
المنظمة التي تنفث الكراهية والغرور في صدور الناس".
"إن تبادل الحب لا يمكن أن يتمكن من
القلوب إلا إذا عاد الناس إلى الدين الصحيح والعقيدة في إله واحد ولكن العامة اليوم
تعبد آلهة متعددة، فهي تعبد الأمة، أو تعبد طبقة معينة من الناس، أو تقدس الفرد".
"إن أهداف الإنسانية هي بعينها فبي كل
زمان ومكان" "وإن الذين استطاعوا أن يدركوها حق الإدراك وأن يخطوا لتنفيذها خططا
متشابهة، إنما هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من تأثير البيئة والظرف والزمان، ومن
دواعي الهوى والتحيز والتعصب، وأولئك – كما يقول هكسلي- ليسوا إلا الأنبياء ورجال
الدين ومن اتبعهم من بعض الفلاسفة الأحرار.
لم يضع (هكسلي) إذن الثقة في (السياسي
الفيلسوف) بعد أن فقدها من السياسي الأناني المراوغ كما فعل (بارتيليمي) ولكنه
وضعها في "السياسي المتدين".
لقد وضع (بار تيليمي سانتهيلرBarthelemy
St Hilair
) مقياسا تاريخيا فسيحا وعادلا حقا كما يقول، يجب أن تؤسس عليه (محكمة قضاء) يمكن
أن ترد إليها جميع أعمال الجمعيات القديمة والحديثة وجميع أعمال رجال السياسة
والمقننين في كل الأزمان، وديانة الشرك، وديانة المسيحية، هذا المقياس هو "أن كل
جمعية أيا كانت صورتها السياسية يجب عليها أن تحترم (حقوق الانسان) وتكفلها بمقدار
معرفتها إياها، تحترمها وتكفلها أولا في ذاتها ثم في جميع النتائج المترتبة عليها"
وعلى هذا المقياس التاريخي ناقش (بارتيلمي سانتهيلر
Barthelemy St Hilair)
أعمال أفلاطون وأرسطو وأعمال من سبقه هو من فلاسفة السياسة ورجالها العمليين، فأثبت
منها ما أثبت، وزيف منها ما زيف، غير أن العالم الفرنسي كان أبلغ في التناقض، وأظهر
عرضة لتأثير البيئة والظرف والعرق الدساس، وأبعد عن تحكيم مقياسه التاريخي الذي
وضعه لمحاكمة الناس وآراء الناس عندما حكم بـ "أن الجمعية التأسيسية الفرنسية قد
فاقت في عملها جميع من سبقها من الحكماء بإعلانها حقوق الإنسان" "وأن الفلسفة ذاتها
لم تكن محيطة بها علما، وأن الديانات الأقدس ما تكون لم تستطع أن توحيها!!" "وأنه
إذا كان بين الأمم الحديثة أمة تستحق قصب السبق فهي أمتنا…"
حقا إن العلامة والسياسي الفرنسي كان أكثر عرضة لتأثير الوطنية الضيقة وأبعد عن
الاستجابة لنداء الحق عند ما حكم بأن السياسة الفرنسية والتي تمثلت صورتها في
الجمعية التأسيسية الفرنسية هي وحدها السياسة التي خرجت بريئة أمام محكمة القضاء
التاريخية لأعمال الجمعيات السياسية والدينية التي تكفلت بالعمل لخير الإنسان
وحقوقه.
ولنضع نحن أمامنا الآن على ضوء هذا
المقياس التاريخي الذي وضعه (بارتيلمي سانتهيلر
Barthelemy St Hilair)
وحكم به للجمعية الفرنسية، أعمال الجمعية الإسلامية أي أعمال (السياسي المسلم)، لنر
إلى أي حد استطاع أن يحرر نفسه، ويحرر الإنسانية، أي إلى أي حد استطاع أن يأخذ
بزمام الإنسانية للتمكن من حقوقها الطبيعية التي كرمها بها ربها، وخلقها من أجل
التمتع بها.
لقد كان محمد – صلى الله عليه وسلم – هو السياسي الأول في الجمعية الإسلامية، وبما
أن السياسة تعني في أصدق معناها الإشتقاقي، قيادة الإنسانية إلى الخير والصلاح
والفلاح والحياة السعيدة، فقد كان محمد سياسيا مسلما بأصدق ما تكون هذه الكلمة،
علما وعملا، مبدءا وخلقا، وتحقيقا في عالم الواقع التاريخي، وهو – صلى الله عليه
وسلم – وإن لم يكن بدعا من الرسل قبله في مبادئ هذه السياسة وأصولها، وأغراضها
وغايتها، - فجميع رسل الله من قبله كانوا ساسة لأممهم بهذا المعنى الشريف والأقدس
للسياسة، فمحمد – صلى الله عليه وسلم – هو القائل "كانت بنو إسرائيل تسوسهم
أنبياؤهم كلما هلك نبي خلفه نبي"
– فقد كانت سياسته القرآنية مهيمنة على كل سياسات الرسل من قبله، بما أنه كان
سياسيا (عالميا)على حين كان الرسل من قبله ساسة (قوميين) " (لَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ ) (لأعراف:59) (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً) (الأعراف:
من الآية65) (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحا) (الأعراف: من الآية73) (وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ) (سـبأ: من الآية28)
إن
محمدا كعقل إنساني كلف من قبل رب البشرية بهدايتها إلى طريق تمتعها بحقوقها وقيامها
بواجباتها، كان يستمد علمه بقوانين هذه الهداية من السماء، من الوحي، ولكي يسلم هذا
العلم بشؤون هداية الناس وأساليب سياستهم وقيادتهم من الضلالات والانحرافات،
وتأثيرالظروف والبيئات، وكل أنواع المؤثرات على العقل وعلى العاطفة، منع الوحي
محمدا أن يصغي لغير نداء هذا العلم الذي هو وحده الحق وغيره الضلال، والذي هو وحده
العلم وغيره الجهل، ذلك أنه وحده العلم الصادر عمن خلق العقل وغير العقل من أشياء
يتأثر بها العقل مهما كان مبلغ طبيعته من الاستقلال في التفكير وفي الادراك وفي
الحكم، ومن ثم جاء الوحي ينهى محمدا أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، أوأن يتخذ من
ظنون الناس وتخرصاتهم بديلا " ( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ
اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ
اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة: من الآية120)
(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام:116)
(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثـية:18) وبما أن علم محمد
–
صلى الله عليه وسلم - بقوانين سياسة الناس وهدايتهم إلى الخير كان مستمدا من الوحي
فقد كان محمد –
صلى الله عليه وسلم - ينطق في كل شئ بالعلم لا بالهوى، وتصدر جميع أعماله وسلوكه
السياسي في كل ذلك تبعا لمقتضيات هذا العلم (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ
هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم:3-4).
وفي هذا جاء حديث عائشة أنه – صلى
الله عليه وسلم - "كان خلقه القرآن"
(6)، ومن ثم أيضا لم يقل محمد
–
صلى الله عليه وسلم -
في شئ من العلم بالأشياء أنه أوتيه من عنده، بل كان دائما شعاره "اللهم إنك تعلم
ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب".
ومن ثم أيضا كانت سياسة محمد
–
صلى الله عليه وسلم -
للناس وقيادتهم سياسة (المبدأ قبل الغاية) لا (الغاية تبرر الوسيلة)، ومن ثم كانت
سياسة محمد لا تحفل بالمنافع الحاضرة ولا تتبع أسلوب الدوران واللف، ومن ثم وفقت
سياسة محمد –
صلى الله عليه وسلم -
في الأخذ بزمام الإنسانية للتمتع بحقوقها، وجعل هذه الحقوق محققة الوجود العملي في
كل ميادين الحياة الإنسانية، والحجة ثابتة والتاريخ شاهد.
اعتبر (بارتيليمي سانتهلير
Barthelemy St Hilair) أن وثيقة (حقوق الإنسان)
الفرنسية هي أول صك مكنته الجمعية التأسيسية الفرنسية للإنسان ليخوله التمتع بما لم
يتمتع به من حقوقه الطبيعية من قبل إعلان هذه الوثيقة، ولقد غفل (بارتيليمي
سانتهيلير) عن أن التاريخ أثبت أنه كان من قبل (وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية)
(وثيقة حقوق الإنسان القرآنية).
وإذا كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت
سنة 1789 في أول مبادئها الأساسية "أن الناس قد ولدوا أحرارا متساوين في الحقوق"
فإن الوثيقة القرآنية قد هدمت من قبل ذلك بما يزيد على ألف ومائة سنة كل اعتبار
للحسب والنسب واللون والطبقة والجنس، وأعلنت في العبارة القدسية على لسان النبي
محمد – صلى الله عليه وسلم – أن الحرية الإنسانية والمساواة الإنسانية مكفولة لكل
من ولد من بني آدم من ذكر وأنثى، وأنه لا فضل لإنسان على إنسان إلا بالتقوى، بالعمل
الصالح للفرد وللجماعة في المجتمع الإنساني بأسره (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13).
ولئن كانت الوثيقة الفرنسية قد أعلنت
في مبدئها الثاني "أن الناس يمكنهم أن يفعلوا ما لا يضر بالغير، ويمكنهم بناء على
ذلك أن يفكروا و يكتبوا وأن يطبعوا في حرية" فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل
بمئات السنين، أن الناس أحرار في أن يفعلوا ما يشاؤون وأن يتمتعوا بما خلقهم الله
للتمتع به بما يشاؤون، ما لم يتعدوا حدود شريعة الله، أو يعتدوا بغير حق على حقوق
عباده :
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ
مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
(الأعراف:32)
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)
(الأعراف:33)
(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:42)
أما عن حرية القول والكتابة والنشر
فإن الوثيقة القرآنية تعتبر أن الناس ليسوا فقط أحرارا في أن يقولوا باللسان أو
بالقلم، من حسن القول وطيبه ما يشاؤون، بل هم فوق ذلك مطالبون بأن يعلنوا باللسان
أو بالقلم ما يرونه كفيلا بإصلاح المجتمع، بإرشاد الضال، وإقامة المعوج، وإرجاع
الظالم إلى الحق إرجاعا:
·
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
(آل عمران:104).
·
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110).
·
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا) (البقرة: من الآية83).
·
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:114).
ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في
مبدئها الأساسي الثالث "أن للمواطنين الذين تتكون منهم الأمة الحق المطلق في
إدارتها" فإن الوثيقة القرآنية قد أعلنت من قبل ذلك بمئات السنين: أن صاحب الحق في
إدارة شؤون الأمة عليه أن يشاورها في الأمر كله، وأن لا يستبد بالأمر دونها، وأن
الأمة لها الحق في أن تنازعه، وأن توقفه عند حده فيما لم تره من التصرفات يجري على
غير ما تقتضيه مصلحتها المرسلة، ومنفعتها العامة:
·
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) .
·
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59).
ولئن أعلنت الوثيقة الفرنسية في
مبدئها الأساسي الرابع "أنه يجب على الأمة صاحبة السلطان أن تضع نصب عينها دائما
حقوق الأفراد من جهة، والمصلحة العامة من جهة أخرى" فإن الوثيقة القرآنية قد كفلت
كل حقوق الأفراد والجماعات، وأوصت بالمحافظة عليها، والضرب على يد من يريد الإساءة
إليها والتعدي عليها:
·
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ)(النحل: من الآية90).
·
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا
يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء:58).
·
(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ
فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:33) .
بل
إن الوثيقة القرآنية فوق ذلك قد أوجبت القتال في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين في
الأرض:
·
(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا
مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ
وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (النساء:75).
·
(إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا
يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء:98) .
لقد
كفلت الوثيقة القرآنية للإنسان كل حقوقه بالجملة وبالتفصيل وهدته إلى مثله العليا،
وإلى السبل التي حققت له بالفعل هذه المثل، وجعلتها حية تمشي على الأرض في شخص رجل
الدولة وفي شخص رجل الشارع معا.
اعترف (بارتيليمي سانتهيلير
Barthelemy St Hilair) أن رجل السياسة الفرنسي
اضطره التطبيق العملي، ومراعاة العواطف والميول والأغراض في الميدان السياسي، إلى
نسيان المبادئ التي أعلنتها الوثيقة الفرنسية ولقد زعم زاعم
(7) "أن النبي لما صار
رئيسا سياسيا تغير عما كان عليه لما كان لا يزال طامحا في الرئاسة، وأن الحكومة
التيوقراطية من حيث السياسة الفعلية تغيرت عنها لما كانت فكرة، وعلى هذا صار الطابع
السياسي يزداد بروزا والطابع الديني يزداد تراجعا".
غير أن تاريخ الرسول
–
صلى الله عليه وسلم -
وتاريخ رجال السياسة الإسلامية من بعد الرسول، يدل دلالة قاطعة على أن هذا الزاعم
لم يعتمد في دعواه على حجة علمية بالغة، وسند تاريخي قوي.
كان محمد –
صلى الله عليه وسلم -
أول قيامه بالدعوة الإسلامية النبي المسلم، والرسول المكافح في سبيل نشر المبادئ
الإسلامية ومثلها العليا، وتركيزها وغرسها في نفوس الناس ، وعندما أصبح نبي الله،
نبيا سياسيا كرجل للدولة وكقائد مظفر، فهل فتنته نعمة الحكم عن الذي أوحي إليه؟ هل
أخرجته عن مبادئه التي كان يكافح من أجلها من قبل أن يكون حاكما؟ هل أصبح بعد الحكم
القائد الصلف، والحاكم المستعلي، والسياسي المداور؟ هل استغل أو انتهز أو تكبر
وتجبر؟ هناك الأمثلة الرائعة تحتويها شمائل الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم - ،
وهي حجة قاطعة على أن رجل الدولة في الجماعة الإسلامية، ظل بعد الحكم نبيا، كما كان
قبل الحكم نبيا، وظل بعد الحكم إنسانا، كما كان قبل الحكم إنسانا، وظلت جملة (إنما
أنا بشر) تتصدر كل كلماته الشريفة التي يلقيها على الناس في الحياة وشئون الحياة.
أنصتوا – إن شئتم – إلى هذا المثل
الرائع الذي يدل دلالة قاطعة على أن المثل العليا للسياسة الإسلامية – التي قررت
الاعتراف بحق المطالبة بالحقوق من أي من كان مهما علت منزلته في الجماعة وأوجبت
إعطاء الحقوق لأي من كان مهما نزلت منزلته في الجماعة – ظلت تحتل مكانه في نفس
النبي محمد –
صلى الله عليه وسلم -
وهو القائد المظفر كما كانت تحتل مكانتها في نفسه وهو الرجل الضعيف يكافح مع زمرة
قليلة من المستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، كان الرسول
–
صلى الله عليه وسلم -
وهو يقوم بوظيفة القائد العسكري في إحدى غزواته يسوي الصفوف، فانحرف جندي عن الصف
فطعنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقدح كان في يده يعدل به القوم آمرا له أن
يقف مستويا في الصف فقال الجندي الصغير للقائد الأعلى: " يا رسول الله أوجعتني وقد
بعثك الله بالحق والعدل فأقدني "، فهل تغطرس محمد أو تجبر أو أخذته عزة القائد
العسكري فقدم جنديه للمحاكمة العسكرية بتهمة إساءة الأدب ومخالفة الأوامر؟ كلا، بل
كشف عن بطنه قائلا للجندي البسيط: (استقد) _ أي اقتص وخذ حقك _، وهنا سرت الإحساسات
الشريفة بالعدل وبالحق وبالتسامح وبالحب من نفس الرسول القائد إلى نفس الجندي
المأمور، فقبل بطن قائده بعد أن أعطاه الحق في طعنه بالقصاص العادل.
وهذا مثل آخر من الأمثال العديدة على
أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يتزحزح عن مقتضيات المبادئ الإسلامية التي
قامت عليها دعوته الأولى، ولم يستعمل أسلوب الوصولية والانتفاع الخاص مما شاع اليوم
في أخلاق ساسة الدنيا وقادتها. انتصر محمد – صلى الله عليه وسلم – في إحدى غزواته
فغنم غنائم من الخدم والمتاع ما جعل بنته فاطمة تتشوف إلى نيل بعض ما يخفف عنها
آلام الحياة وصعوبة العيش، وشدة ما تقاسي من تعب الخدمة البيتية وذهبت إلى أبيها
المنتصر الغانم تطلب إليه أن يمنحها خادما يخفف عنها ما تلقاه من آلام الطحن في
الرحى فلقنها محمد – صلى الله عليه وسلم – كلمات من الذكر ضبط بها نفسها، وأوقفها
عند حدود العفة، وعرفها أنها مخطئة في اعتبار الغنائم غنائم أبيها، إنها غنائم
الأمة وأن الأحق بها هم مساكين الأمة وضعفاؤها وأراملها قائلا: "والله لا أعطيك
وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ولكن أبيعهم وأنفق عليهم"
(8).
أسس محمد –
صلى الله عليه وسلم -
للجماعة الإسلامية قواعدها وثبت أركانها، وبنى أسس الحياة الإنسانية فيها على
قاعدة: العبودية لله، والأخوة للإنسان، والكرامة للتقوى، والكلمة للعدل، ثم خير
فاختار، اختار الرفيق الأعلى، وانتقل إلى رحمة ربه راضيا مرضيا، وخلفه في سياسة
الجماعة الإسلامية من بعده أبوبكربن أبي قحافة فكان سلوكه السياسي في القوم سلوك
صاحبه لا يحيد ولا يند، وبنى القاعدة الأساسية لخلافته على أساس أنه مطلق (إنسان)
كلف بواجب من الأمر، فلا استئثار ولا استبداد، ولا تحكم ولا استغلال، إنه ليس إلا
فردا من الجماعة، فإذا كلفته الجماعة بواجب القيام بشؤونها، فعلى الجماعة أن تقوم
بواجبها في النصح والتسديد والتصويب ورده إلى جادة الحق إذا هو خرج عنها، أليس هو
القائل في أول كلمة في القوم "أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني
على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا
عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وأضعفكم عندي
القوي حتى آخذ منه الحق"
ومن بعد أبي بكر جاء الخليفة عمر، ذلك
السياسي (العبقري)
(9) المسلم، الذي جعلته مبادؤه الإسلامية يحس بعناصر الحرية تحيى
في نفسه كإنسان، فأدرك بوعيه الإسلامي أنها في نفس الآخرين كذلك، وبذلك كان مضرب
الأمثال في تمكين الضعفاء المحكومين، من أخذ حقوقهم من الحكام الأقوياء، عمر الذي
هتك ستر (البريستيج) القيصري والكسروي في الحكومة الإسلامية وأوقف العمال أبناء
الأكرمين أمامه تصفعهم بالقصاص العدل أكف المواطنين المظلومين قائلا للأولين كلمته
الخالدة في سجل (حقوق الإنسان) وفي تاريخ السياسة الإسلامية "متى استعبدتم الناس
وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
إن الأمثلة كثيرة وغزيرة في تاريخ
السياسة الإسلامية وهي كلها تشهد على أن هذه السياسة كانت سياسة المبادئ لا
الأشخاص، فعندما أشيع في غزوة أحد أن رسول الله
–
صلى الله عليه وسلم –
قد مات خشي الناس أن يكون شخص الرسول
–
صلى الله عليه وسلم –
قد فقد فنزل القرآن
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ
مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل
عمران:144)
إن (السياسي المسلم) كانت قاعدته في
السلوك السياسي (المبدأ قبل الغاية) لا (الغاية تبرر الوسيلة) كان يزن سلوكه
السياسي بمبدئه فيضع هذا في كفة وذاك في كفة أخرى، فإن تعادلا فذاك، وإلا فما كان
لينقص من مبدئه ليخف، وتصير المبادئ العليا لا قيمة لها في واقع الحياة.
وبعد، فإن أي سياسة لا تقوم على هذا
الأساس (المبدأ قبل الغاية) سواء في ذلك سياسة الهيئات والأحزاب، أو سياسة
الحكومات والأمم، فهي سياسة معرضة إلى الانزلاق، ومحكوم عليها بالفشل قطعا، وإن
كانت هناك كلمة معاصرة هي أصدق وصفا للهيئات حين تنحرف عن خطتها الأصلية فهي تلك
الكلمة التي وصف بها المفكر المسلم الأستاذ مالك بن نبي، جمعية العلماء الجزائريين
حين زجت بنفسها في مهاوي السياسة الوضعية قال(10) :"إن الحكمة قد تركت مكانها للانتهازية السياسية…" وانقلبت الحركة الاصلاحية على عقبها، وأصبحت تمشي على قمة رأسها، وما كان الأمر
خاصا بالجزائر، بل كان العالم الإسلامي مصابا بمثل ما أصاب الجزائر، فقد نشأت فيه
التيارات الحزبية وانعكست فيه روح السمو، وقوة الصعود، إلى عاطفة سفلية وجاذبية
سفلية".
فإذا "كانت الوسائل المستعملة تحدد
طبيعة الغاية المنجزة"، كما يقول الدوس هكسلي
Aldous Huxley
عن حق، فإن مبدأ (السياسي المسلم) كان
دائما، ويجب أن يبقى، "الغايات الشريفة لا تنال إلا بالوسائل الشريفة".
وإذا كان برتراند رسل، رأى فيما رأى،
وهو يضع القواعد لعالم أفضل: "أن ديانة سديدة سوف تؤدي بنا إلى التلطيف من عدم
المساواة في محبتنا للناس بحبنا للعدالة، وبجعل أهدافنا عالية لتحقيق أغراض البشر
المشتركة"، فإن القاعدة القرآنية:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)
كانت دائما، ويجب أن تبقى أساس سلوك الحكم والسياسة لدى "السياسي المسلم".
مسؤولية العلم وواقع العلماء
لفضيلة الشيخ عبد الكريم
مطيع الحمداوي
بسم الله
الرحمن الرحيم
والحمد لله
رب العالمين
وصلى الله
على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين
تعيش الأمة في مشار ق الأرض ومغاربها محنة عظيمة،
وفتنة عمياء مظلمة تدع الحليم حيران. من جهة حشدت أمم الكفر قوات للعدوان تداعت
علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، مدججة بأسلحة للدمار لم يسبق أن عرفت البشرية
لها نظيرا، وكانت حشودها بدعوة صريحة وعلنية ومتحدية لكل القيم والمبادئ يعلنها
ملوك عرب وأمراء مسلمون، مصحوبة بما لا يحصى من الرشاوي تكال لمن هب ودب كي يشارك
في الإجهاز على هذه الأمة.
ومن جهة نجد شعوبا إسلامية مفتونة ومحكومة بأخس ما
تفتت عنه ذهنية القسوة والشرك والشذوذ، من أساليب يندى لها الجبين، أساليب أدناها
الضرب والتعذيب والخنق والاغتيال والتحريق والاختطاف والتسميم، أما أعلاها فلا حد
له.
شعوبا لا حول لها ولا قوة ولا قدرة
على أن تساهم في الدفاع عن نفسها أو عقيدتها أو وطنها.
شعوبا في يدها القيد، وفي رجلها الكبل، وفي عنقها
النير، وعلى فمها الكمامة، وعلى عينها الغشاوة، وهي لذلك مهيأة للتسخير والذبح في
كل آن...
ومن جهة أخرى نجد العلماء والدعاة ـ إلا من رحم
ربي ـ منشغلين عن الإصلاح، منصرفين عن النصح، معرضين عن الإرشاد والتذكير، متنكرين
لدعوة الحق بالكلمة الصريحة وموقف الرجولة الصادق وأداء الشهادة المنزهة عن
المجاملة وقول الزور.
فإن سأل سائل عما دهاهم وفتنهم، اكتشف بيسر أن
القوم – العلماء – غشيتهم غاشية من الرشاوى، وخلبت أعينهم أضواء من الفنادق،
واستحلبت ريقهم روائح أطعمة من القصور.
فإن سئل أحدهم عن سر تناقض علمهم وعملهم أجاب بأنه
يؤلف قلوب الجميع بما لا يضر من الفتاوى والأحكام. حتى إننا أخذنا نسمع طرائف ونكتا
يتناقلها أصحاب الجاه وبطانتهم عن هؤلاء العلماء، يغضي لها المرء خجلا...
فهل بعد ذل العلماء هذا مجال لذل أكبر، وهل بعد
خزيهم هذا مجال لخزي أشد؟
هذه الأوضاع المتردية التي تخيم على الأمة ليس لها
إلا أن تنتج ثمارها الطبيعية. وثمارها الطبيعية هي أن تغتال الأمة الصادقين من
أبنائها، وهي تفعل ذلك الآن باستمرار، ومن لم يصدق فليسأل منظمات العفو الدولية
ولجان حقوق الإنسان العالمية، التي ليست عربية وليست مسلمة، عن عدد ما لدينا من
القتلى، والمعدومين، والذين ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام، والمساجين والمخطوفين،
والذين اغتيلوا في ظروف غامضة والذين أصبح صبح فلم يوجد لهم أثر.
وثمارها الطبيعية أن تغتال هذه الأمة عناصر القوة
والشوكة والمنعة فيها، وهي تفعل ذلك باستمرار، وبتعاون وثيق مع سائر أمم الاستعمار.
ليس لنا أن ندعي الإحاطة التامة بأسباب هذا التردي
الرهيب، ولكن لنا من إشارات الرسول – صلى الله عليه وسلم – ما ينير السبيل في قوله:
كيف أنتم إذا طغى نساؤكم ، وفسق شبابكم ، وتركتم جهادكم؟(
مسند أبي يعلى رقم6420 عن أبي هريرة، والفردوس بمأثور الخطاب عن أبي أمامة الباهلي).
ذلك أن الذلة والمسكنة والضياع نتيجة حتمية لفسق
الشباب وانحلالهم، وفسق الشباب نتيجة حتمية لطغيان النساء وتمردهن عن القيام
بواجبهن الطبيعي في تربية الرجال، سواء كن من سجينات البيوت والجهل والخرافة، أو من
هائمات الشوارع أسيرات العرى والتحلل والإباحية، أو من سائبات العقول والأفئدة
والتصرفات...
إن مدرسة تخريج الرجال قد فسدت لدينا، ففسق
الشباب، وصغرت نفوسهم، وماتت الغيرة في قلوبهم، وتهربوا من مسؤولية جهادهم... ومن
لا يغار على عرض أمه وأخته وبنته كيف يغار على عرض أمته ووطنه؟
هذا التردي الفظيع الذي آل إليه أمر المسلمين
مسؤؤلية من ؟
هل هو مسؤولية الحكام ؟.
نعم، ولكن مسؤولية الحكام محدودة، لأن أي حاكم
معرض للانحراف إن لم يكن له رادع من تقوى، أو رقيب من أمة لا تهاب أن تقف في وجهه.
هذا التردي الرهيب، هل هو مسؤولية الأمة ؟
نعم، ولكنها مسؤولية محدودة، لأن أي أمة يترك فيها
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعم فيها الجهل والانحلال والفساد، تخضع لكل
جبار، وتركن إلى كل ظالم، وتذل لدى من يوفر لها العلف تبنا كان أو شعيرا...
هذا التردي الرهيب...هل هو مسؤولية العلماء؟
نعم، ولكنها مسؤولية كاملة شاملة مطلقة؛ لأن
العلماء هم صمام الأمان لدى الأمة، وضمان الوعي والجدية والوحدة والقوة فيها، فإن
فسدوا ضعفت واستخف بها وذهبت ريحها...
وما فساد العلماء إلا بأحد سببين هما الجهل
والهوى.
أما الجهل، فلا نقصد به الجهل بأصول الدين، أو
الفقه أو الأحكام الشرعية؛ لأن هذه العلوم كثيرا ما يتقنها أيضا وعاظ السلاطين
ومتشيطنة القصور. وإنما نقصد به الجهل بالآخرة. (بَلِ
ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ
مِنْهَا عَمُون) النمل 66،( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم : 7 .
أما الهوى فمحبة الدنيا والتعلق بالجاه والمنصب
والشهرة والأضواء، والقرب من أرباب المال والجاه والسلطة، لذلك يتورطون في الكذب
على الله وتحريف آياته (ِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ
الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران: 78. وكان حريا بهم أن يمتثلوا
لقولـه تعالى: ( وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا
كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) آل عمران:
79؛ لأن العلم مجرد مقدمة لا بد لها من نتيجة...ونتيجته الطبيعية هي الربانية، أي
أن يكون العالم ربانيا، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة (وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت: 69، فالمجاهدة بالعلم والعمل، والهداية التي
تقرب من الله وتجعل المرء ربانيا، هبة منه سبحانه وتعالى لمن علم إخلاصه وصدقه
وصواب عمله.
إن اتخاذ الهوى إلاها والجهل دليلا يؤديان
بالعلماء إلى الفساد، وفساد العلماء تأثيره الأخطر، وضرره الأكبر بكتمان العلم،
سواء أكان كتمانهم بإخفاء الأحكام ، أم بالزيادة فيها ، أم بتحريف معانيها وتوظيفها
لغير أهدافها أم بتأويلها إلى غير مقاصد الشريعة.
سأل معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد نفرا
من أحبار اليهود عما في التوراة ، فكتموهم إياه ، وأبوا أن يخبروهم عنه فأنزل الله
تعالى فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا
مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي
الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ، إِلاَّ
الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ): 159/160 البقرة .
وعن قتادة: (إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى..)
أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله وكتموا محمدا – صلى الله عليه وسلم –
وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
وعلى هذا فإن معنى الآيتين الكريمتين: أن أحبار
اليهود ورهبان النصارى إذا كتموا الآيات الشاهدة على أمر النبي – صلى الله عليه
وسلم – وما جاء به من الهدى من بعد ما بينه الله لهم في كتبهم بصفة لم يبق معها
إشكال أو لبس، فإن عليهم لعنة الله والملائكة والمؤمنين من الثقلين – الجن والإنس –
وكل من يتأتى منهم اللعن عليهم.
ويستثني الله سبحانه وتعالى في هذه اللعنة الذين
تابوا منهم وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم، وتداركوا ما فرط منهم وبينوا للناس ما
أوضحه الله لهم في كتابه، وأعلنوا توبتهم ليدفعوا عن أنفسهم سمة الكفر.
وبالرغم من سبب النزول هذا وارتباط الآية الكريمة
به ونزولها في خاصة من الناس فإن أسلوبها جاء مطلقا ينال حكمه اليهود والنصارى
وينال كذلك علماء المسلمين.
ذلك أن الله سبحانه يخبر فيها أن عموم الذين
يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ملعونون.
ويدخل في هذا العموم كل العلماء المسلمين الكاتمين
للحق والعلم، وكل فرد مسلم يعرف آية أو حديثا أو حكما ويكتمه، كما ينال الحكم (اللعنة)
كل ساكت عن الحق، أو محرف له، أو كاتم له بسبب الخوف من حصول مضرة أو ضياع منفعة أو
رغبة أو رهبة . وهذا المعنى أكده قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا
قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ
يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ، أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ
بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) البقرة 74
(وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ
مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ
تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ )آل عمران 187.
وكل هذه الآيات متصلة باليهود الذين كتموا أمر
النبي – صلى الله عليه وسلم – وكتموا نعته، وكفروا به، وتاجروا بدينهم واشتروا به
ثمنا قليلا.
قال الحسن وقتادة: هي في كل من أوتي علم شيء من
الكتاب، فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم، فإنه هلكة.
قال محمد بن كعب: لا يحل للعالم أن يسكت على علمه
ولا للجاهل أن يسكت على جهله.
قال أبو هريرة: (لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه
ما حدثت شيئا(إن الذين يكتمون..الآية،
وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب...الآية...)
قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني
إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير الحق أو إبطاله أو امتنع
عن تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا دخل في
مقتضى الآية.
وقال أيضا: إن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى.
وقال عند شرحه لقوله تعالى: (من البينات والهدى):
هذه الآية تعم المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع.
والأحاديث في كتمان العلم كثيرة منها ما أخرجه ابن
ماجة:
حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ حِبَّانَ بْنِ وَاقِدٍ الثَّقَفِيُّ أَبُو إِسْحَقَ
الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
دَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا
يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّار
وأخرج أيضا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا عِمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا عَطاَءٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا
مِنْ رَجُلٍ يَحْفَظُ عِلْمًا فَيَكْتُمُهُ إِلَّا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ
فالعالم الحق الذي يعنيه قولـه تعالى:(
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر28، هو الذي
تعلم العلم ولم يكتمه وتعلمه ليبثه بين الناس لوجه الله، ومن أجل نفع عباد الله في
دينهم ودنياهم. وقد روى البخاري في صحيحه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ
قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ عَنْ
أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ
الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ
مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ
الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ
بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً
أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ
مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ
فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ
هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ
وآفة كتمان العلم غالبا ما تتناول الذين يتعلمون
العلم من أجل الدنيا والتقرب من أصحاب الجاه والسلطة، فيضطرون حفاظا على مصالحهم
إلى أن يكتموا، ويحرفوا ويؤولوا بينات الله والهدى.
أخرج الترمذي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ
بْنِ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْهُنَائِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ
بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
وروى الإمام أحمد: 8103 حَدَّثَنَا يُونُسُ
وَسُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَا حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي طُوَالَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ
إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وكتمان العلم جريمة كبرى وإساءة بالغة يرتكبها
العلماء في حق الإسلام والمسلمين. ويفهم من الكتمان أنهم يسكتون عن الحق ولا
يبينونه، فيستفيد الظالمون من هذا السكوت ويستولون على حقوق الرعية ومصالح العباد،
ويصادرون حرياتهم ويلجمون أفواههم، كما وقع في الحقب المتعاقبة طيلة التاريخ
الإسلامي بعد سقوط الخلافة وتمكن الملك العضوض والملك الجبري.
إلا أن علماء اليوم يتجاوزون الكتمان الذي هو
مساعدة على الظلم غير مباشرة إلى جريمة أكبر وخيانة لدين الله أعظم، هي تزكية الظلم
والدفاع عنه جهارا وعلانية بإصدار الفتاوى التي تؤيد الباطل والأحكام التي تزكي
الفساد وترسخه، فتراهم يلوون للآيات أعناقها، ينقصون من معانيها أو يزيدون فيها،
ويكذبون على الله بغير علم، وغايتهم واحدة ووحيدة هي نيل رضى الناس بإغضاب الله
تعالى، وتخريب آخرتهم، ناسين أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال:
- مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ
النَّاسِ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى
النَّاسِ
–
الترمذي -
- إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى
يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ
- الترمذي-
- إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِمًا فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى
يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْه
- الترمذي –
-
إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي لَا يَقُولُونَ لِلظَّالِمِ مِنْهُمْ أَنْتَ ظَالِمٌ
فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ
– أحمد-
-
تَكُونُ أُمَرَاءُ تَغْشَاهُمْ غَوَاشٍ أَوْ حَوَاشٍ مِنَ النَّاسِ يَظْلِمُونَ
وَيَكْذِبُونَ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ
عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ
وَيُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَيُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا
مِنْه - أحمدُ -
إن علماء هذا الزمان- إلا قلة قليلة - قد صدقوا
أمراء السوء بكذبهم وأعانوهم على ظلمهم، وكتموا ما أنزل الله من البينات والهدى،
كتموه بالإخفاء، وكتموه بالتحريف، وكتموه بالزيادة والنقص، واشتروا بآيات الله ثمنا
قليلا...والمسلمون ينتظرون أن يبرز من بينهم من ينصر الحق ويعلى رايته، عملا بقوله
صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ
عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ
رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَضَعَ
رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ
هؤلاء العلماء وإن اختلفت صفاتهم سواء، منهم من لا
يبين إلا أحكام العبادات، وتعمى عينه عن أحكام المعاملات التي يحكم فيها بغير ما
أنزل الله ، والله يقول : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة : 44 ).
ومنهم من يتحدث أحيانا عن أحكام المعاملات ولكنه
يسكت عن أحكام العلاقات والمودات مع أعداء الله وأعداء الأمة، والله تعالى يقول :
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ
وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
المجادلة : 22 .
ومنهم من يتحدث بحياء عن هذه القضايا ولكنه يختم
خطبته بالدعاء للظلم وأهله وبالقوة والتمكين لتسلطه وتجبره.
ومنهم من يتحرج ويعتذر بعد هذا الدعاء ويزعم أن ما
فعله كان من أجل التقية وخشية الفتنة، وأن في دعائه تورية، وإشارة خفية، فإذا تلقى
دعوة إلى حفلة رسمية أو مساعدة مالية ، أو تظاهرة تزلفية ، أو خطبة عصماء ، أو
مؤامرة على الصادقين عمياء ، شد إليها الرحال ، واشرأب إليها عنقه ومال ...
إن هؤلاء العلماء – وقد خبرت أكثرهم – لم يدفعهم
إلى خياناتهم لله خوف من القتل ، فهم أحرار طلقاء آمنون لا يعاديهم ذو سطوة أو
سلطان، ولا خوف من الجوع فهم أغنياء بأموال جمعوها من وظائفهم العلمية تدريسا
وتأليفا ...
ولا خوف من السجن فهم لم يقفوا وقفة عز أبدا.
وكانوا يستطيعون أن يتفرغوا لشؤونهم الشخصية
طاعمين كاسين ولكنه النهم – قاتله الله – يدفعهم إلى الوقوف في طوابير الخدمة
الذليلة وأعتاب الاستجداء المقيت.
إن هؤلاء العلماء – وقد خبرت أكثرهم – برغم ما
حشيت به أدمغتهم من علوم قد فقدوا نور البصيرة الذي يميزون به وضعهم فيعرفونه،
فأمرهم مفتضح على رؤوس الأشهاد وهم يعتقدون أنه مستور، وشطحاتهم تتندر بها ألسنة
الأعداء في كل ناد، وتدمع لها أعين الصادقين في كل البلاد، وهم غير آبهين أو
منتبهين ...
فإن جوبه أحدهم بالنصح، ودعي إلى التوبة والرشد
أصر على تصويب قوله وموقفه، منتحلا شتى أساليب التبرير والجدل والمراء مدججا بأغلظ
الأيمان، على أن ولاءه لله فقط، وأن ما يقوم به ليس إلا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاء مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ) المجادلة : 14 – 15 .
هؤلاء العلماء هم الذين حذر منهم الرسول – صلى
الله عليه وسلم – فيما رواه الإمام أحمد قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَنْبَأَنَا
دَيْلَمُ بْنُ غَزْوَانَ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا مَيْمُونٌ الْكُرْدِيُّ عَنْ
أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ إِنِّي لَجَالِسٌ تَحْتَ مِنْبَرِ عُمَرَ رَضِي
اللَّهم عَنْهم وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ
أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ
.
نحن
والشباب
[ هذه المحاضرة ألقاها
فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي، في ندوة " مشاكل الشباب المعاصر " التي
نظمتها في طرابلس بالجماهيرية العربية الليبية العظمى، كلية الدعوة الإسلامية]
بسم الله
الرحمن الرحيم
والحمد لله
رب العالمين
وصلى الله
على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين
أيها السادة الحضور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أصبح شباب العصر
الحديث موضوع اهتمام الدارسين، وتوجس المتوجسين، ومادة بحث الباحثين، متنورين
ومتكلسين، من كل اتجاه ولكل غاية وهدف... والشباب هو الشباب، يشق طريقه، يبحث عن
نفسه، لا تثنيه عن محاولاته فداحة التضحيات، ولا ترده عن طريقه أعنف التهديدات؛
لأنه صادق مع نفسه وأهدافه، متوهج في عواطفه وأحاسيسه وطموحه. فهو- وعلى فرض خطأ
اختياراته - يظن نفسه مجتهدا، وكل مجتهد مصيب أو مخطئ، وليس غير ذلك.
في فترة الستينات طغت على
شبابنا موجة من التذبذب العقدي المشوب بالتمرد على الأنظمة السياسية، فانعقدت
المؤتمرات والندوات، وشجبت الظاهرة فقط، لما رافقها من ثورة وإرادة تحرر، ووصمت
بالردة والمروق؛ ثم انجلت هذه الموجة، جلاها الشباب عن أنفسهم بأنفسهم، بتوفيق من
الله تعالى، وهداية منه لهم إلى المحجة البيضاء.
ومع بداية السبعينات ظهرت
موجة التدين الذي سمي تطرفا، فقامت قيامتنا، دولا وحكومات ومؤسسات رسمية وأوصياء
تدين، وغشيتنا الحيرة من أمر هذا الشباب، لا ندري ما نفعل به، أنمسكه على هون أم
ندسه في التراب؟
والغريب في الأمر أننا لا
نتحرك عادة إلا إذا ظهرت على السطح تيارات شبابية لها توجهات تهدد ما لدينا من نظم
وقوالب اجتماعية أو سياسية أو ثقافية غير سوية؛ أما التيارات التي تدعم هذه القوالب
والنظم، أو لا تهددها على الأقل، فنحن نزكيها أو نوقرها أو نتجاهلها على أقل تقدير؛
هذا إذا لم نمهد لها السبيل ونمكنها من وسائل التحرك، كما هو الحال مع تيارات تطرف
بعض الشباب في خدمة الأجنبي، أو تطرف بعض الشباب في الانحراف الخلقي والتنكر للقوم
والدين.
والأدهى أننا عندما نقصر
اهتمامنا وجهودنا على مناقشة مشاكل الشباب المتطرف ماركسيا أو إسلاميا ومكافحته،
ننسى مبدأ أساسيا في القضية... مبدأ قررته الأديان السماوية والوضعية، وأقرته
الفلسفات الإنسانية، وأكدته علوم الطبيعة والاجتماع.
هذا المبدأ هو أن الشباب
غرسة مجتمعه وبيئته، فهو ثمرة الوسط الذي نشأ فيه، بيتا وشارعا ومدرسة، ونتاج طرائق
التربية والتعليم التي اعتمدت لتكوينه، وأساليب الحكم التي سِيسَ بها وفيها ومن
أجلها.
فإن يكن متطرفا نحو
الإسلام أو نحو الإلحاد، فذلك ثمرة من مجتمعه؛ وإن يكن متطرفا في اللهو والميوعة
والعربدة واللامبالاة، فذلك ثمرة من مجتمعه. وما أصدق الرسول الكريم- صلى الله عليه
وسلم- حين قال: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه
أويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم تلا :" فطرة
الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" ).
والله عز وجل يقول: (
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) الأعراف 58
إنه إذا كان أمر الشباب
هكذا، فلماذا نلومه وحده إذا انحرف ذات اليمين أو ذات الشمال؟
حري بنا- إذا لم نرض عن
أفكاره وتصرفاته- أن نغضب من أنفسنا، لأن الشباب ثمرة عملنا.
لنحاكم أنفسنا قبل أن
نحاكم الشباب.
لنبحث مشاكلنا قبل أن
نبحث مشاكل الشباب... فنحن الحقل الذي نشأ فيه الشباب، ولابد من إصلاح الحقل قبل
استنبات الفسائل.
إن شبابنا المسلم اليوم
هو" موءودة " عصر الجاهلية الأولى...
إذا نشأ خانعا مستكينا
استعبد وأذل...
وإذا نشأ متمردا مشاكسا
قتل...
وإذا نشأ سويا قهر أو
هُجِّر أو اغتيل...
ثم بعد ذلك نحمله
المسؤولية، ونعده مشكلة، في حين نحن المشكلة... نعيب شبابنا والعيب فينا، وما
لشبابنا عيب سوانا.
إن شباب اليوم بكل فئاته
محروم من نبع العقيدة الربانية الصافية، وسبيل المحجة البيضاء، إنه لا يستقي إلا من
ثلاثة منابع:
-
نبع التراث البشري، وقد
اختلط فيه الرباني الأصيل بالبشري العليل، والغيبي الإسلامي السليم بالخرافي
السقيم، والصحيح بالضعيف والموضوع والمنكر؛ وطغي فيه على تاريخ نضال العقيدة الإسلامية ضد الشرك
والكفر والظلم والقهر والتزييف، تاريخ لحكام وفراعنة وملوك وأباطرة.
-
ونبع نظم الحكم القائمة
على العسف والظلم والقهر ومصادرة الحريات والاستخفاف بالعقول.
-
ونبع المجتمع برعونته
وانحرافاته وطرائق حياته وعلاقاته.
وإذا كانت هذه هي الألبان
التي يرتضعها الشباب، فمن أين لنا أن نجد شبابا سويا؟ بل من أين لنا أن نتفق على
تعريف سوي لمعنى " السواء " ؟
ذلك أنه إذا كان السواء
قيمة مجردة، فلابد أن تبنى هذه القيمة على أساس عقدي أو فكري سوي، ومادام هذا
الأساس مغيبا فمن المتعذر في ظل هذه الظروف تعريف مفهوم " الشباب السوي ".
فالسوي في دولة الحزب
الواحد ليس هو السوي في دولة التعددية الحزبية؛ والسوي لدى الدولة العلمانية ليس هو
السوي لدى الدولة المذهبية؛ والسوي لدى الدولة الملكية ليس هو السوي لدى الدولة
الجمهورية؛ والسوي لدى الدولة الاشتراكية ليس هو السوي لدى الدولة الرأسمالية؛
والسوي لدى هذه الطائفة ليس هو السوي لدى الطائفة الأخرى... وكل من خرج عن سواء هذه
الدولة أو تلك، أو هذه الطائفة أو تلك، وجد نفسه تحت طائلة التصفية المادية أو
المعنوية.
لذلك لابد أن نبدأ
بالنقطة الطبيعية الأولى وهي أنفسنا ومجتمعنا ونظمنا السياسية ومقاييسنا الفكرية (
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).
إن من أغرب المتناقضات
التي نقع فيها أن نتهم الشباب بالتعصب ورفض الحوار وعدم الإقبال على التغير
والتحرر، وبالتطرف ماركسيا ودينيا، في حين يتهمنا الشباب أيضا بالتعصب وعدم الإقبال
على التطور، وبالرجعية والتخلف والولاء للظلم وأهله.
وكل من الطرفين ينطلق من
يقين جازم بأنه هو وحده الذي يملك الحق المطلق... العلماني ذيلا كان أو رأسا،
والمذهبي ذيلا كان أو رأسا، والحزبي ذيلا كان أو رأسا، والتعددي ذيلا كان أو رأسا،
والطبقي ذيلا كان أو رأسا.
إننا بكل ركام الماضي
وتناقض الحاضر، نجثم على صدور شبابنا، نكبل قدراتهم، ونصادر حقهم في التفكير
والتقرير، تحت طائلة السجن أو الإعدام أو التكفير.
وما على شبابنا إلا أن
يشحذوا ذاكرتهم فقط، ليحفظوا أجوبتنا فقط. ويا ليت أجوبتنا على ما بها من خلط
وغموض، كانت مجردة ومحايدة، ولكنها في الأغلب الأعم ظهير ونصير للظلم وأهله.
إنه إذا كانت هناك إجابات
مقدسة تفهم وتطبق ولا تناقش، فهي الإجابات الربانية في القرآن والسنة، لأنها الحق
المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ أما إجابات الآباء والحكام
والمفكرين والأعراف والتقاليد والتراث البشري فيجب أن تخضع للتحليل والنقاش وأن
تجرد من كل قدسية، وأن يقاس الصواب فيها والخطأ بمدى تجاوبها مع الشريعة الغراء.
هذا أولا، أما القضية
الأخرى التي تواجه شبابنا فهي مصادرة حقهم في السلطة، سلطة اتخاذ القرار وتنفيذه.
ونحن إذا ما أجرينا إحصاء
حول أعمار المسؤولين وانتمائهم العائلي في دولنا الإسلامية، وجدنا أن فئة أبناء
الأعيان والأعوان والمقربين من سفهاء الشباب والشيوخ، هم الذين يحتكرون ويتوارثون
السلطة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية. أما ما عداهم من أبناء الأسر
الشعبية الفقيرة والمستضعفة فيحتكرون السجون والمعتقلات... والمشانق والمهاجر.
بل إنه حتى في بعض
الحركات الدينية وضع الشباب تحت سطوة زعماء عاملوهم معاملة شيوخ الصوفية المتشيطنين،
الذين يقنعون تابعيهم بأن يكونوا كالميت بين يدي غاسله، فصادروا بذلك كل معالم
الرشد والفطنة والجسارة والإباء لديهم، وحولوهم إلى كتل لحمية لا عصب فيها ولا عظم
ولا دماغ.
لا شك في أن هناك خللا
أساسيا وخطيرا في نظمنا لمختلف أوجه النشاط الإنساني...
لماذا كان كل أنصار محمد
– صلى الله عليه وسلم – من أحرار الشباب والمستضعفين، وكان أكثر أعدائه من شيوخ
المترفين وملأ المتجبرين؟ ولماذا انقلب الوضع فصار نفايات المجتمع من المترفين
والمارقين والفسقة في الحكم، وصار أباة الشباب وحكماء الرجال والشيوخ في السجون
والمنافي وعلى أعواد المشانق؟
إن لدينا خللا خطيرا في
نظمنا للحكم والاجتماع والاقتصاد والثقافة، ينبغي أن نصلحه.
علينا أن نكف عن مصادرة
الحريات، حريات الفكر والإبداع وممارسة السلطة بكل أنواعها.
علينا أن نصحح الماضي
الذي نبني عليه، بتاريخه وتراثه، وأن نميز المقدس من البشري فيه.
علينا أن نصحح الحاضر
ونقومه، سواء كان الحاضر نظام حكم أو اجتماع واقتصاد.
علينا أن نفسح المجال
للشباب كي يشارك في تحمل مسؤولية بناء أمته، بصفتها حقا طبيعيا له، لا صدقة
تُصُدِّقَ بها عليه.
علينا أن نخاطب الشباب من
موقع كرامة يليق بشرف العلم ومكانة العلماء، لا من موقع الشحاذ المتذلل على
الأعتاب.
بهذا تعود لأبوة جيلنا
صفتها الأساسية كنقطة انطلاق من الحاضر نحو المستقبل، وتعود لبنوة الشباب صفتها
الأساسية كامتداد أصيل وطبيعي لنا وللحاضر نحو المستقبل، وتنتفي بذلك المفاهيم
الضالة الفاسدة، مفاهيم صراع الأجيال، وتحل محلها مفاهيم التعاون والتواصل والتكامل
بين الأجيال،لأن هذا هو النظام الطبيعي للاستخلاف البشري في الأرض، إذ كل جيل يعد
تكملة للجيل السابق وخليفة له، ولبنة في بناء الأجداد... حتى النبوات نفسها ليست
إلا امتدادا لبعضها. وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ( إنما بعثني الله
لتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال ) أي لتمامها لا لتأسيسها.
وقال أيضا: ( مثلي ومثل
الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن
بنيانه، إلا موضع تلك اللبنة، فكنت أنا سددت موضع اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي
الرسل ) ، وفي رواية: ( فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) – متفق عليه-
المرء
مرهون بعمله
محاضرة لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن إدريس أول
شهداء الدعوة الإسلامية
في عهد الاستقلال
انظر ترجمة حياته في نافذة
" سير وصور"
{ بمناسبة حلول يوم 25 أبريل ، وهو الذكرى الرابعة والأربعون لجريمة الاغتيال
البشعة التي نفذتها عصابة المهدي بن بركة في تحناونت قرب مدينة مراكش ، وقتلت فيها
العالم الجليل فضيلة الشيخ عبد العزيز بن إدريس يوم الجمعة 25 شوال 1378هجرية موافق
25أبريل 1959 م ، ننشر هذه المحاضرة التي ألقاها الشهيد في عدة مناطق من المغرب
باللغة العربية وباللهجة الدارجة وبست لهجات أمازيغية كان يتقنها بحكم انتمائه
إلىقبائل زمور زايـان.
كما ننشر في نهاية هذه المحاضرة ترجمة موجزة لحياة هذا العالم الجليل
والداعية الإسلامي الخبير والسلفي الجدير بكل احترام وتقدير ، هذه الحياة الحافلة
بالجهاد والتضحية ، والتي عتم عليها قتلته من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
لأسباب عقائدية ، كما عتم عليها حزب الاستقلال لأسباب عنصرية تتعلق بالمحافظة على
زعامات فيه عائلية ، وعتمت عليها بعض الجهات الرسمية من بقايا النفوذ الاستعماري
،فلم يتابع المجرمون ومحرضوهم الذين ما زال أكثرهم على قيد الحياة ، لأسباب تتعلق
بالحرص على أن لا يحمل علماء الأمازيغ راية الدعوة الإسلامية الصادقة والوحدة
الوطنية العقدية المتينة اللتين كان يدعو إليهما الشيخ الشهيد.}
بسم
الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
والتابعين.
من المعلوم أن الدين الإسلامي مجموعة نظم روحية واقتصادية واجتماعية
وخلقية ، لا يمكن أن يعد المسلم مسلما بالمعنى الصحيح الكامل إلا إذا مارسها ونظم
حياته على أساسها.
ولست أعني بهذا أن الدين الإسلامي لا يعد المرء مسلما إلا إذا طبق جميع
تعاليمه بدقة ولم يخرج عنها قيد شعرة، وإنما قصدي أن الإسلام ليس دينا سطحيا اسميا
يكتفي من الإنسان بمجرد الانتساب إليه، ولا يطالبه بممارسة نظم معينة، فالإسلام
يمتاز من دون بقية الأديان بكونه وضع حلولا واقعية لمشاكل الإنسان، وعلاجات عملية
لجميع الأدواء التي تتخبط فيها البشرية منذ عرفت الحياة، وقد برهنت التجربة على أن
الإنسانية تشقى على قدر بعدها منها وتسعد بمقدار قربها منها.
واليوم تبدو لنا في كثير من مجتمعاتنا ظاهرة من ظواهر البعد عن الإسلام ،
وصورة من صور الانحراف في فهمه، ذلك أنك تجد أشخاصا يفيضون عصبية وحماسا للإٍسلام ،
ويطفحون غضبا وحنقا على أعدائه، بحيث يعتقد من رآهم لأول وهلة أنهم قد أشربوا مبادئ
دينهم ودرسوها حق الدرس، وعرفوا لها قيمتها واعترفوا بسموها؛ ولكنك لا تلبث بعد أن
تخبرهم قليلا أن تكتشف أنهم بعيدون أشد البعد عن روح الإسلام ، وأنهم لا يعرفون
أبسط مبادئه، ولا يمارسون أبسط قواعده الأساسية، بل ربما أقدموا في اطمئنان على
مخالفته وارتكاب ما نهى عنه، وتلبسوا في هدوء بجرائم تحريمها معلوم من الدين
بالضرورة، فما هي علة هذه الظاهرة يا ترى؟
إن قرائن أحوال هذه الطائفة تدل على أنهم قد أعطوا لكلمة الدين معنى غير
معناها الحقيقي ، فقد أرادوا أن تكون لها صفة الفكرة العنصرية ، وطابع العقيدة
الجنسية ، التي تقتضي من الإنسان أن يتعصب لها تعصبا أعمى ، غير مفكر في معناها ولا
ناظر في حقيقة أمرها ولا مطبق لتعاليمها.
لقد كان هذا النوع من الانحراف في مفهوم كلمة الدين معروفا إبان نزول
القرآن ، وكان اليهود والنصارى يكتفون من أتباعهم بمجرد الانتساب الاسمي، والقيام
ببعض الشعائر السطحية ، ويجعلون الحظوة عند الله والنجاة من عقابه مرتبطتين
بالانتساب لهذا الدين أو ذاك، مهما كان نصيب المنتسب إليه من الأعمال الصالحة
ضئيلا. وسرت هذه الظاهرة إلى بعض المسلمين إبان التنـزيل، فجعلوا
–
هم بدورهم
–
يعتقدون أن الانتساب إلى الإسلام كاف للنجاة من العذاب الأليم ،
وللحظوة بالنعيم.
وقد رد الله جل علاه هذا الأمر إلى نصابه، وصحح هذا الوضع الخاطئ، وذلك
في عدة آيات من كتابه الكريم، بين فيها بصراحة ووضوح وبصرامة أحيانا، أن الحظوة لدى
رب العالمين والنجاة من عذابه، مقرونتان بحظ المؤمن من الأعمال الصالحة. بمعنى أن
الانتساب لدين من الأديان لا أثر له مطلقا في مصيره. وإنما مصيره مرتبط أشد
الارتباط بدرجة تطبيقه لمبادئ الدين ونظمه في الحياة. وهذه الحقيقة تبدو واضحة جلية
لكل من تتبع نصوص الشريعة ، واستقرأ أهدافها وعرف ما ترمي إليه، اقرأ قوله تعالى في
سورة البقرة ، وهي السورة التي تكاد تكون خاصة بجدال اليهود وكشف عيوب رؤسائهم،
وبيان انحرافهم عن أهداف دين الله الحقيقي:
- ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى
وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ ) البقرة62
فقد جعلت هذه الآية فوز الإنسان بالأجر عند الله واطمئنانه على مصيره ،
متوقفين على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وذلك بالنسبة إلى جميع
طوائف الأديان المعروفة إذ ذاك، ومنهم المسلمون الذين عبرت عنهم الآية بالذين
آمنوا، فهذا صريح في أن الألقاب مهما كانت لامعة فلا أثر لها في الدرجة عند الله
تعالى.
واقرأ قوله تعالى في سورة المائدة التي عنيت عناية كبرى بجدال أهل الكتاب
وخاصة النصارى:
-
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ )المائدة69
؛ واقرأ قوله تعالى في سورة البقرة جوابا لليهود الذين قالوا لن تمسنا النار إلا
أياما معدودات:
-
(بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
البقرة81
وأصرح من هذه الآيات قوله تعالى في سورة النساء:
-
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا )
النساء123 ، فقد جعلت هذه الآية الاعتماد على الألقاب والانتساب إلى الدين الفلاني
في النجاة من العقاب بمنزلة الأماني، أي ما يتمناه الإنسان ويحبه من دون أن يتخذ
الوسائل العادية للحصول عليه. وصرحت كذلك بأن الإنسان مهما كان الدين الذي ينتسب
إليه ، مرهون بآثامه وسيئاته، معرض لأن يجازى عليها.
ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتعرض للآيات التي عرضت لهذا المعنـى،
ويكفي أن نعرف أن الإسلام بني على الصراحة والوضوح واعتبار عمل الإنسان دون نسبه أو
انتسابه، (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات 13 ، أي إن الله لا
ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم أو كما قال صلى الله عليه
وسلم.
ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات الأمور الآتية:
1 –
مدلول كلمة الإسلام كما تقدمها الآيات الكريمة، فإن
معناها إسلام الوجه لله، والخضوع التام والانقياد الكامل، قال تعالى: (وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) النساء 125 وقال أيضا : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ
أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
) آل عمران 20 .
وهذا المدلول لكلمة الإسلام يتفق تماما مع مدلوله اللغوي. ومعنى هذا أن
من دخل في الدين الإسلامي فقد عقد مع الله عقدا على أن يتنازل عن هواه، ويخضع نفسه
لله، ويحيى حياة مطابقة للنظام الذي سن له.
2 –
إن الله لا يقبل أنصاف الحلول ، ولا يريد من المؤمن إلا
أن يكون مخلصا لله بجميع قلبه لا تشوبه شائبة (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) البينة 5 (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ
الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ )النساء 135
3 –
حمل القرآن الكريم للمؤمن مسؤولية نفسه، وجعله رقيبا
عليها، وذلك في قوله تعالى: (بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ
أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) القيامة
4 –
عد القرآن الكريم النفاق من أعظم الرذائل التي يستحق
الإنسان عليها أقسى العقاب ، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ
الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) النساء 145
ومن الواضح أن إعراض المؤمن عن تطبيق النظام الذي شرعه له الله ،
والانصراف عنه إلى نظام آخر يخالفه في المبادئ والأهداف، ليس إلا ضربا من النفاق
العملي، لأنه تناقض بين ظاهر الإنسان وباطنه ، وسره وعلانيته.
ثم إن ظاهرة الاكتفاء بالانتساب إلى الدين دون عمل به ، أصبحت واضحة في
كثير من المجتمعات والأوساط الإسلامية، ولا سيما أولئك الذين أخذوا يعيشون حياة
عصرية أو تقدمية كما يسمونها، أو كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم، فيطبقون هذه الفكرة
بصفة عادية، أسوة بالأروبيين الذين يسمون الأمور الدينية بالأمور الشخصية التي لا
يجمل بالإنسان أن يتدخل فيها.
وقد تسربت هذه الفكرة بطريق العدوى إلى غير الأوساط الثقافية ، وأصبحنا
نرى الأوساط التي كانت فيما مضى معروفة بالاهتمام والتشبث بأهداف الدين ، أصبحت
أقل اكتراثا وأضعف عناية.
وليس استقرار هذه الظاهرة في أوساطنا إلا نموذجا ناطقا للاستعمار الفكري
الذي أشربته قلوبنا وشغفنا به حبا، وهي بعد ذلك النتيجة التي أسفرت عنها الحرب
المريرة التي قامت في أوربا بين دعاة الفكر المستقلين وبين رجال الكهنوت في فجر
النهضة الغربية الحديثة، فقد اضطرت الكنيسة إلى الاستسلام والخضوع دون قيد أو شرط
أمام تيار الأفكار المادية الجارفة، ولولا أن الخضوع لقوة غيبية أمر غريزي في
الإنسان ، لما بقي للكنيسة ظل في كثير من الأقطار.
نعم، اضطرت الكنيسة تحت ضغط الظروف إلى أن ترضى من الغنيمة بالإياب، وأن
تكتفي من أتباعها بأقل علاقة مهما كانت واهية ، فتعدهم مسيحيين ، ولو كانوا لا
يطبقون أبسط القواعد الكنسية، فنتج عن ذلك أن انطبعت الأجيال التي عاشت في هذا
الوسط بطابع اللامبالاة ، واعتبار الدين شيئا تافها في الحياة لا تتوقف عليه أية
حاجة من حاجات الإنسان.
وهذه الحالة تسربت إلينا في جملة ما جاءتنا به المدنية الغربية من مساوئ،
وصرنا نعد الدين عقيدة دون عمل، وفكرة دون تطبيق، وكلمة يلوكها المرء بلسانه ويفخر
بها بملء فيه ، من غير أن تظهر سلوكا واقعيا في حياته.
على أن ضحايا الاستعمار الفكري ذهبوا في تطبيق مبدأ اللامبالاة مذهبا
أبعد مدى مما ذهب إليه أساتذتهم الأوربيون،ذلك أنك تجد كثيرا من الأوربيين ممن
يزعمون أنهم ماديون ، أو يزعم الناس لهم ذلك، قلما يتأخرون عن الذهاب إلى الكنيسة
كل يوم أحد، لسماع وعظ الراهب وإن لم يكن له وقع في نفوسهم ، وذلك لملء الفراغ الذي
في باطنهم من جراء ابتعادهم عن فكرة التدين، ومحاولتهم الحياة بدون عقيدة، بينما لا
تكاد تجد من شبابنا من النوع الذي ذكرنا ، من يذهب إلى المساجد ولو في يوم الجمعة،
بدعوى أن الخطيب جامد أو غير فصيح أو بدعوى كثرة الأشغال.
والخلاصة أن الإسلام يريد من المؤمن أن يعيش حياة متزنة في نفسه، وألا
يكون ظاهره يخالف باطنه ، وعمله يعاكس قوله، وذلك مدعاة لجلب الاطمئنان النفسي
والهناء الباطني ، والفوز برضى الله الذي هو أكبر غاية يهدف إليها الإنسان.
التيارات العقائدية
والاختيار الأصيل
محاضرة لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى في
ندوة التيارات العقائدية المعاصرة بالرباط
انظر ترجمة حياته في نافذة
" سير وصور"
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وبعد:
فيم التباحث أيها
المجتمعون ؟ ولم التساؤل أيها المؤتمرون ؟ لم التساؤل عن التيارات العقائدية
المعاصرة التي أنتم فيها مختلفون ؟ عن أيها تختارون ؟ عن أيها تتبعون ؟ لما التساؤل
؟ وأنتم المسلمون ، وأنتم المؤمنون ، وأنتم الموحدون ؟ لم التساؤل ؟ ومن قبل قد
اختار الله، وخاطب رسوله قائلا : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم
" - المائدة49-. لم التساؤل ، ومن قبل قد خط رسول الله إلى الناس كافة (خطوطه) وتلا
قول ربه : " وأن هذا صراطي مستقيما ، فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
"- الأنعام153- .
لا ، لا ، لا ، لا ضرورة
للاختيار ، فمن قبل قد اختار الله ، ومن أحسن من الله اختيارا ؟ ومن قبل كان من
سنة الله الرفض للتيارات العقائدية القائمة على غير ما اختار الله .
أجــل من قبل قــد اختار
الله : " وربك يخلق ما يشاء ويختــار ما كان لهم الخيرة "- القصص 68- ، ومن قبل قد
اختار الله : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم
الخيرة من أمرهم " - الأحزاب36- .
ومن قبل ، وفي الأزل ، قد
اختار الله حين : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم قالوا بلى ، شهدنا "- الأعراف 172- .
ومن قبل قد اختار الله ،
حين " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب
بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " - البقرة 213-.
ومن قبل قد اختار الله
حين أخذ الله الميثاق على جميع أنبيائه أن يلتزموا دين الفطرة الذي عهد لهم به ولمن
يأتي بعدهم من رسله : " وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما أتيناكم من كتاب وحكمة ثم
جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال : ءآقررتم وأخذتم على ذلكم إصري
قالوا أقررنا قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين "- آل عمران81- .
ومن قبل قد اختار الله
حين خاطب خاتم أنبيائه قائلا : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا
إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " –الشورى
13- . وقائلا : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل
لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " – الروم 30-.
وبالفعل قد اختار الله
حين سار جميع أنبياء الله عبر عهود نبواتهم وتعاقب رسالاتهم على نهج (دين الفطرة)
الذي اختار الله .
وقد ضرب خاتم أنبياء الله
محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه المثل لهذا المعنى الفطري في الحديث الذي
يرويه البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مولود إلا
يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة
جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء " ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : " فطرة الله التي
فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " . وكذلك في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم أن
رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
قال ذات يوم فيما قال في خطبته "
… وإني خلقت عبادي
حنفاء وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم
أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا
…
" .
فلئن كانت هناك إذن ضرورة
للاختيار فهي ضرورة دائمة أبدية خالدة ، متأصلة في الطبيعة البشرية لا تقبل النقض ،
وإنما تحتم الإبرام ، وعلى مر الدهور والأعصار ، تلك هي ضرورة اختيار الفطرة . أما
مايعترض هذه الضرورة الفطرية من تيارات فإنما ذلك شبهات وضلالات وانحرافات تثيرها
وساوس شياطين الإنس والجن في النفس الإنسانية لتعوقها عن السير في طريقها الفطري
إلى نهاية السعادة الأبدية الموعودة .
وليست هذه الضلالات
والانحرافات العائقة التي تثيرها شبهات وشهوات ، والتي تتلقفها العقول الإسفنجية
على حين غفلة من رقابة الدين والعقل ، والتي دعاها ربنا من قبل في كتابه الخالد
(الأهواء) والتي تدعى اليوم في لسان العصر ، (التيارات العقائدية) ليست هذه
الضلالات والانحرافات بالجديدة على بني الإنسان وإنما هي تيارات قديمة شاءت حكمة
الباري جل جلاله ، أن تنشأ بجانب (فطرة الله) فتنة لرسل الله وأنبيائه ، ولمن تبعهم
من عباده المؤمنين: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى
بعض زخرف القول غرورا ، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة
الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون "- الأنعام 112-، وإن
الآيات في الكتاب في هذا المعنى لأكثر من أن تتلى في هذا المقام.
وكما شاء الله أن تتوزع
هذه الضلالات وهذه الانحرافات ، وهذه التيارات أمم الأنبياء من قبل أمة محمد ، كذلك
شاء الله أن يبتلي أمة النبي محمد بها وقد عبر النبي
– صلى الله عليه وسلم
–
عن هذا الابتلاء في الحديث الثابت عنه من أكثر من طريق * حين قال " إن أهل الكتابين
افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة
، كلهم في النار إلا واحدة وهي الجماعة " وفي رواية " وهي ما أنا عليه وأصحابي "
وأنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ، فلا يبقى
منه عرق ولا مفصل إلا دخله ، والله يامعشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد
لغيركم أحرى أن لايقوم به " – ابن حنبل وأبوداوود والترمذي وابن ماجة-.
وكما كان في أمم الأنبياء
من قبل محمد صلى الله عليه وسلم من اتبعوا سننهم واقتدوا بأوامرهم وقاوموا
الانحرافات والضلالات والتيارات التي قعد أصحابها بكل صراط يصدون عن سبيل الله
ويبغونها عوجا ، كذلك كان وسيكون وسيبقى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يكون له
في رسول الله إسوة حسنة ، فيأخذ بسنته ويقتدي بأمره ، ويكافح في سبيل نصر دينه الذي
هو دين الفطرة التي فطر الناس عليها ، ولقد صدق رسول الله
–
صلى الله عليه وسلم –
حين عبر عن هذه السنة الإلهية الثابتة فقال في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم " ما
من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ،
ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا
يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه
فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان " .
فالإسلام إذن هو دين
الفطرة الخالدة الذي اختاره رب الإنسان لإنسان الأرض ، حين شاءت حكمته أن يكون
الإنسان خليفة في هذه الأرض ، وهو بهذه الصفة الفطرية غير قابل لأن يوضع موضع
اختيار بين الإسلام وبين غيره من المذاهب والتيارات العقائدية قديمها وحديثها؛ ذلك
لأنه دين ، إنساني ، طبيعي ،اقتصادي، أدبي ، ومن نصر الله للإسلام أنني–
وأنا والحمد لله أحد أبنائه – لست أنا الذي أصفه بهذا الوصف الرباعي ، وإنما وصفه به أحد أعدائه الذي
أبلى البلاء –
غير الحسن –
في حرب الإسلام في الجزائر من أرض الإسلام ، ولكنه مع ذلك درسه ، وجربه ، وحكم له ،
ذلك العدو الذي أدى هذه الشهادة في الإسلام
–
والحق ما شهدت به الأعداء – هو المسمى (ليون روش) الذي رووا عنه ، أن الحكومة الفرنسية ندبته ليكون
جاسوسا على الأمير عبد القادر الجزائري وأوعزت إليه أن يتظاهر بالإسلام وأن يتوصل
إلى أن يكون موضع ثقته ومحل أمانته ففعل ذلك ونجح وأقام في ديار المسلمين ثلاثين
عاما ، تعلم في أثنائها اللغة العربية وفنونها ، والإسلام وعلومه واختبر الأوطان
الإسلامية المهمة ، الجزائر ، تونس ، مصر ، الحجاز ، القسطنطينية ، ثم ألف كتابا
أسماه (ثلاثون سنة في الإسلام) قال فيه : (( اعتنقت دين الإسلام زمنا طويلا لأدخل
عند الأمير عبد القادر دسيسة من قبل فرنسا ، وقد نجحت في الحيلة فوثق بي الأمير
وثوقا تاما ، واتخذني سكرتيرا له ، فوجدت هذا الدين
– الذي يعيبه الكثير منا –
أفضل دين عرفته ، فهو دين إنساني ، طبيعي ، اقتصادي ، أدبي ، ولم أذكر شيئا من
قوانيننا الوضعية إلا وجدته مشرعا فيه ، بل إنني عدت إلى الشريعة التي يسميها (جول
سيمون) (الشريعة الطبيعية) فوجدتها كأنها أخذت عن الشريعة الإسلامية أخذا ، ثم
بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين فوجدته قد ملأها شجاعة وشهامة ووداعة
وجمالا وكرما ، بل وجدت هذه النفوس على مثال ما يحلم به الفلاسفة من نفوس الخير
والمعرفة والمعروف ، في عالم لم يعرف الشر واللغو والكذب ، فالمسلم بسيط لايظن بأحد
سوءا ، ثم هو لايستحل محرما في طلب الرزق لذلك كان أقل مالا من الإسرائليين ، ومن
بعض المسيحيين ، (ولقد وجدت في الإسلام حلا للمسألتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان
العالم طرا ، الأولى قول القرآن " إنما المؤمنون إخوة " فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية
، والثانية في فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الفقراء حق أخذها غصبا إن امتنع
الأغنياء عن دفعها طوعا وهذا دواء الفوضاوية ، إن الإسلام دين المحامد والفضائل ،
ولو أنه وجد رجالا يعلمونه الناس حق التعليم ، ويفسرونه تمام التفسير ، لكان
المسلمون أرقى العالمين ، وأسبقهم في كل الميادين ، ولكن وجد بينهم شيوخ يحرفون
كلمه ، ويمسخون جماله ويدخلون عليه ما ليس منه ، وإني تمكنت من استغواء بعض هؤلاء
الشيوخ في القيروان والاسكندرية ومكة فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يفتونهم بوجوب
الطاعة للفرنسيين ، وأن لاينزعوا إلى الثورة ، وبأن فرنسا خير دولة أخرجت للناس ،
وكل ذلك لم يكلفني غير بعض الآنية الذهبية)). تلك هي شهادة ليون روش للإسلام ،
ولتعاليم الإسلام ، والحق ما شهدت به الأعداء .
ولئن أبى البعض ممن
أعمتهم شبهات التقليد ، وأضلتهم دعوات التيارات والأهواء التي سموها
–
تقليدا لغيرهم –
أسس التقدم والتجديد لئن، أبى هذا البعض قبول هذه الشهادة التي لم يدع صاحبها إلى
آدائها تحيز ولا جمود ، مدعيا أن صاحبها عاش في ظروف قد أكل عليها الدهر وشرب ،
وأنه لم يشهد اليوم ما أدته إلى إنسان الأرض (ليبيرالية) العم سام ، ولا (جدلية)
صاحب (رأس المال) ، فإني أدعوه إلى أن ينصت معي إلى شهادة أخرى ، واختيار آخر في
دين الفطرة ، الإسلام ، وصاحب هذه الشهادة وهذا الاختيار لا يزال حيا يرزق ، وقد
شاعت مؤلفاته وشهرته العلمية على كل لسان ، وهو لا يزال يدرس اليوم أحوال العالم
الحاضر عن علم ، وعن كثب وفي عين المكان ، وقد خبر كلا من مبادئ المعسكرين اللذين
يتنازعان اليوم السيادة على أرض الله ، ذلك هو المؤرخ الشهير (أرنولد توينبي)
{عندما ألقيت هذه المحاضرة كان توينبي ما زال حيا}، فلنستمع إليه وهو يؤدي هذه
الشهادة ، ويختار هذا الاختيار للإسلام ، في حديثه عن المأزق الذي وصلت إليه
الحضارة الغربية ، قال : " إن فلك الحضارة الذي مضى يشق عباب التاريخ خمسة أو ستة
آلاف سنة أخذ يندفع نحو شعب صخور يعجز بحارتها عن الطواف حولها
…
" " أما إذا انتقلنا – صعودا أو هبوطا –
من الصعيد التكنولوجي إلى صعيد الطبيعة البشرية ألفينا الفردوس الأرضي الذي أقامه
حذق الإنسان الصانع في مهارة فائقة قد أحالته ضلالة الإنسان السياسي إلى جنة
للحمقى.." - مختصردراسة التاريخ لتوينبي4/195-
قال
….."
والآن وبعد أن طويت المسافات بتقدم التقنية الغربية ، وفي الوقت الذي تتنافس فيه
طرق الحياة الغربية مع طريقة الحياة الروسية لكسب ولاء البشرية كلها ، الآن
….
يظهر أن التقليد الإسلامي في أخوة الإنسان للإنسان ، هو مثل أعلى يوافق حاجات العصر
الاجتماعية ، وهو أفضل من التقليد الغربي الذي أدى إلى قيام عشرات الدول الصغيرة
ذات السيادة على أساس الاختلاف القومي ، ثم يختم توينبي كلامه قائلا " فإذا سبب
الوضع الدولي حربا عنصرية يمكن للإسلام أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي مرة أخرى " -
الإسلام والغرب والمستقبل لتوينبي 28و73-
ولئن أنطق الله توينبي ،
فأدى الشهادة الحق ، واختار الاختيار الحق ، لدين الفطرة ولدين الحق ، فإن العرق مع
ذلك دساس ، فلقد غلبت توينبي انجليزيته أو غلبته نصرانيته
–
لست أدري –
حين ختم كلمته عن شهادة الحق هذه قائلا : (وأرجوا أن لا يتحقق ذلك) وأنا لا أختار
في الجواب عن رجائه غير المرضي هذا ، إلا ما اختار الله في الجواب عن الذين يرجون
رجاء غير مرضي من أمثاله حين قال : " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل
سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا "- النساء 123- وبعد فلئن كانت
هناك من ضرورة تدعونا نحن المسلمين اليوم إلى اختيار شيء ، فإنما تلك الضرورة هي
ضرورة اختيار العمل بما اختار الله وصدق الله " وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل
لكلماته " –الأنعام 115-.
ولئن تقدم غيرنا وتأخرنا
نحن ، فإنما ذلك كان لأن غيرنا أخذ بسنة الله في السيطرة على الكون ، وأخلدنا نحن
إلى الأرض واتبعنا هوانا ، وكنا كذلك الذي ضل الطريق فضرب الله له المثل حين قال :
" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين
ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل
عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم
يتفكرون "-الأعراف175- . وهاهو ربنا قد قص علينا القصص فهل من معتبر ؟.
وهاهو ربنا قد يسر لنا
القرآن للذكر فهل من مذكر ؟ وصدق الله : "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
"-الإسراء 9- ، وصدق أسلافنا الأولون الذين علموا القرآن وبه عملوا ، وعاشوا سادة
في كل أرض وعزوا ، وعشنا نحن في مواطننا عبيدا ، ورضي الله عنهم ورضوا عنه حين
علموا ، وحين عملوا ، وحين عزوا ، وحين قالوا : " كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات
لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن " .
وبعد فقد اختار الله ومن
أحسن من الله اختيارا .
العقل و
القلب
بين الغيب و الشهود
لفضيلة الشيخ عبد الكريم
مطيع الحمداوي
لا شك أن طريق الدعوة
محفوف بالمحن، وطريق الإيمان محفوف بالمخاطر، والحياة الدنيا كلها مؤدية إلى
الآخرة، وكل الأنام ما بين خلود في الجنة، وخلود في النار. وبين داري الدنيا
والآخرة طريق سيار يؤدي بمن صفت عقيدته وسلمت موازينه وقبلت أعماله إلى الجنة،
ويقذف بمن اختلت عقيدته وموازينه وردت عليه أعماله في جهنم.
وركوبتنا في الطريق هي أعمالنا
التي تضبط بأداتين وحيدتين، إن صلحتا قادتا إلى الجنة، وإن فسدتا قادتا إلى النار،
وهما القلب العقل...
لذلك أمدنا الله تعالى ـ رحمة
منه ـ بميزان للقلب و العقل يضبط حركتيهما، ويرشد تصرفاتهما.
هذا الميزان هو العقيدة السوية
التي تعد نواة تدور حولها حركتا القلب و العقل.
وكما أن القمر والأرض يدوران حول
الشمس، ويستمدان منها النور، كذلك القلب والعقل يدوران حول العقيدة ويستمدان منها
النور و الرشد و الصواب.
وكما أن للقمر والأرض مدارين
مرسومين حول الشمس، إن حادا عنهما كان الكسوف و الخسوف، وحل الظلام ( لَا الشَّمْسُ
يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يس 40، كذلك القلب و العقل، لكل منهما مجال خاص به
فإن حادا أو زاغا عن مداريهما الطبيعيين حول العقيدة فسد الإنسان، وارتكس في
الظلام... ظلام الجهل و الضلال و الغواية...
إن قضية العقيدة و دورتي القلب و
العقل حولها من أخطر ما يجب على المسلم أن يبدأ به، ونعني بالعقيدة... تلك التي جاء
بها الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ بيضاء نقية، مستمدة من الكتاب والسنة، لا شيء
معهما ولا شيء غيرهما... العقيدة التي تمشي على الأرض تعاملا مع الواقع، سلوكا
اجتماعيا، و اقتصاديا، و سياسيا، في الأسرة، والمجتمع، و الدولة، وساحة العمل
وميدان البحث العلمي، واستخداما لقناتي القلب العقل، أداتي المعرفة لدى الإنسان في
تعامله مع الغيب والشهود، مع المادة والروح، مع الوجود الآني والوجود الموعود، مما
يمثل منهجا متماسكا متكاملا متميزا.
ولئن كانت البشرية قد اكتشفت فساد
المناهج البدائية والخرافية التي استندت في تعاملها مع البيئة - إنسانا وطبيعة –
إلى وجود أرواح وشياطين وآلهة، تتحكم في نفوس الناس وحركاتهم الجسمية وسلوكهم
اليومي، فإن العلم الحديث بدوره قد اكتشف فساد المناهج الميتافيزيقية والفلسفية
التي وضعت بديلا للمناهج الخرافية في القرون المتأخرة والعصر الحديث؛ واعتمد فيها
لتفسير طبيعة الكون وسلوك الإنسان على ما زعموه جوهرا وماهية وهيولى وصورة، وقوة
فاعلة وطاقة حيوية وقوة كيميائية، وإرادة حياة وغرائز للدفاع والاستطلاع وبقاء
النوع.
ولئن كان العلم الحديث قد استبدل
أسلوبا جديدا غيرها، عده حلا سحريا لمشاكل الإنسان، وسماه " المنهج العلمي "، اعتمد
فيه على نظرية دارون، والمادية الجدلية التي تختصرها الآية الكريمة( وَقَالُوا مَا
هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا
الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
الجاثية 24، فإنه قد اكتشف أخيرا عجز هذا المنهج العلمي عن الوفاء بما كلف به من
مهام، وما نيط به من تكاليف، فظل يراوح مكانه تبريرا وتخبطا ومحاولة ترقيع وتلفيق.
اكتشف العلم الحديث ذلك بعد أن
تبين له علميا فساد نظريته المادية التي جعلها قاعدة لمنهجه، وخطل تفسيره السلوك
البشري بكونه مجردَ ظاهرة طبيعية لا تحتمل أي غموض أو إبهام أو غيبية، ومحضَ نشاط
محتوم في مواجهة البيئة من أجل البقاء، لا فرق في ذلك بين انقباض عضلة أو إفراز غدة
أو اختيار عمل أو ملبس أو زوجة أو علبة سجائر، ونتيجة ًمنطقيةً لأسباب مادية محضة
لا علاقة لها بحرية الإنسان أو مسؤوليته عن أفعاله وتصرفاته، أو مساواته مع بني
جنسه؛ وبعد أن اتضح له أن اعتبارَ السلوك البشري وسلوك أي كائن حي مجردَ استجابة
لظروف البيئة، يلغي حرية الإنسان، ويجعل جميع تصرفات البشر مهما ساءت، طبيعية
ومقبولة ومشروعة، وغيرَ مسؤولة قانونا وشرعا، مثلهم في ذلك مثل الكلب الذي يعض
المارة فلا يتحمل أي مسؤولية؛ مما عصف بكل مبادئ حرية الإنسان وكرامته وحقوقه التي
تتبجح بها الحضارة الغربية الحديثة.
ولئن كانت بعض الديانات والمذاهب
الضالة تدعي أن الإنسان فاقد لكل حرية في الاختيار، فإنها على الأقل زعمت أن الله
تعالى هو الذي سلبه هذه الحرية، وفرض عليه جميع تصرفاته الخيرة والسيئة، ترشيدا
لفطرته وتدريبا له على الخضوع والاستسلام، على ما في هذا الادعاء من بطلان.
أما " المنهج العلمي" فإنه قرر
أن الذي سلب الإنسانَ حريتَه وفرض عليه سلوكه هو الطبيعة وحرصُه على البقاء فيها،
فتجاوز بذلك أشدَّ المذاهب إغراقا في التخلف والغباء، لأنه راهن على إلغاء الفطرة
بدل العمل على ترشيدها وإعلائها وبلورتها وتوجيهها؛ فكانت النتيجة الوحيدة أن صمدت
الفطرة وسقط " المنهج العلمي "، معلنا إفلاسه في جميع الميادين الإنسانية، اجتماعيا
واقتصاديا وسياسيا وفكريا.
اجتماعيا بانهيار مختلف القيم
الأخلاقية والأسرية والقومية والثقافية والمعرفية، لدى الدول التي تبنته في مجال
العلوم الإنسانية تربية وتعليما وعلم نفس واجتماع، وبنت على أسسه أساليبها الخاصة
بضبط الشعوب وتوجيهها والتحكم فيها.
واقتصاديا بالانهيار المالي
والتردي الحضاري والضعف البنيوي والعجز الاقتصادي، والمشاكل الغذائية التي تعاني
منها هذه الشعوب.
وسياسيا بالهزيمة المنكرة التي
تجرعها المعسكر الشيوعي أخيرا في مواجهة جميع المبادئ البشرية المعاصرة، وضعية كانت
أو سماوية؛ والتَّفَتُّتِ الذي آل إليه مجتمع" جنة الأرض" التي هرب منها سكانها -
ولم يطردوا - بالملايين.
إن مصدر الخلل في جميع المناهج
البشرية بدائية كانت أو فلسفية أو مادية " علمية" يكمن في أربع:
1 ـ اعتبار بعض الوجود المادي من
الغيب وإخضاعه لمقاييس غيبية وضعية لا طاقة لها بفهمه وتحليله، كما هو الحال لدى
التفكير الخرافي في تعامله مع الظواهر الطبيعية برقا و رعدا و زلازل ولدى التفكير
الميتافيزيقي والفلسفي في تعامله مع بعض الطاقات البشرية المادية التي دعاها غرائز
وقدرات وملكات، والتفكير اللاهوتي المنحرف مثلما لدى اليهود و النصارى الذين ادعوا
بنوة المسيح وعزير لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
2 ـ افتقار المناهج التي تعترف
بالغيب إلى مصدر محدد وموثوق به تستقي منه معارفها الغيبية وتتحاكم إليه إذا وقعت
في اللبس والاختلاف وسقطت في التناقض والغموض والاضطراب.
3 ـ اعتبار الغيب غير موجود
وإخضاعه ـ بدعوى أنه محض مادة متطورة ـ لمقاييس مادية لا قدرة لها على استيعابه أو
الإحاطة به.
4 ـ اعتبار أصحاب المنهج العلمي
الكونَ محضَ مادة لا خالق لها، وتفاعلا ماديا بنوا عليه أساليبهم في البحث
والاستقراء والتفكير، ثم عندما أعياهم القفز والنط وجابههم جدار الغيب، اعترفوا
بمحدودية وسائلهم وقصور طرائقهم. ولكنهم لم يفكروا في مراجعة ركائز منهجهم
ومنطلقاتهم، بل أخذوا ـ يقترحون بلسان الحال ـ أن تتوقف البشرية عن التطور ومعالجة
قضاياها الإنسانية إلى أن يكتمل " المنهج " ويكتشفوا الحلول...!
إن هذا الوضع الذي تعيشه البشرية
اليوم بإفلاس جميع المناهج الوضعية في ميدان العلوم الإنسانية، وعجزها وافتضاح أمر
تبجحها وادعائها، يفرض إعادة النظر في قضيتين أساسيتين من قضايا المعرفة هما:
1 ـ مجال المعرفة وهو الغيب
والشهود، ومصادر البحث فيهما.
2 ـ أداة المعرفة وهي العقل
والقلب، وكيف يعملان تعاونا أو تنافيا، ترادفا أو توازيا...
وهذا يجعل المنهج الإسلامي بكل
موضوعية وتجرد وثقة البديل الطبيعي والحل الأمثل، لأنه بكل عفوية ويسر المنهج
الوحيد الذي عالج هاتين القضيتين بوضوح، ووضع لهما ما يناسب من الأسس والمبادئ
والضوابط... فبنى بذلك قيما، وأخلاقا، ومجتمعا وحضارة؛ ذلك أن الرسول ـ صلى الله
عليه وسلم ـ منذ مستهل الدعوة، وقد بعث بشيرا ونذيرا ليخرج الناس من ظلمات الجهل
إلى نور المعرفة، ومن ضنك الضلال إلى رحابة التعبد لله، والتحرر مما سواه، مؤيدا
بالوحي معززا بالرسالة المنزلة كتابا من لدنه تعالى، وبالملائكة رسلا مبلغين،
ومدافعين، ومشاركين في المعارك، وبالمعجزات المتعددة تترى من ضمير الغيب، لم يستغن
في دعوته عن محوري العقل والقلب، بل اتخذهما قناتين أساسيتين للتبليغ، وأداتين
فعالتين للتربية والترشيد.
العقل للإدراك والتدبير، والقلب
للإيمان بالغيب الذي يقصر العقل عن ارتياد آفاقه، لذلك أعطت الدعوة الإسلامية أجدى
النتائج، وأوفى الثمار ولكن ( لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
وَهُوَ شَهِيدٌ ) ق 37.
لقد زاوج الرسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ بين العقل والقلب طيلة دعوته، بشكل متوازن ودقيق لا يرقى إليه الخلل، فهما
لديه متوازيان مترافقان في حالات، ومستقلان عن بعضهما في مجالات، ومتعاونان أو
متداخلان بنسب معينة، أو مترا دفان، يقف أحدهما حينا ليتابع الآخر المسيرة، كفرسي
رهان، بينهما برزخ لا يبغيان.
إن القرآن الكريم يلح على ضرورة
توقير الغيب وتناوله بالقلب السليم، المليء بالإيمان الذي لا يناقش ولا يجادل ولا
يسأل، مؤكدا حقائق متناهية في المطلق، لا يحيط بها العقل المجرد:
- (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا
الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الشورى 52
- ( وَلِلَّهِ غَيْبُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ
وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) هود 123
- ( وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ
يَشَاءُ ) آل عمران 179
- ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) البقرة3
كما يلح أيضا في مواطن أخرى على
ضرورة استخدام العقل، وينعي على من جمد عقله وعطله، بلادته وغباءه وضلاله:
ـ (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ
عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) الأنفال 22
ـ (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) المؤمنون 80
ـ (وَإِنَّكُمْ
لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ (الصافات
137- 138
ـ (وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا
آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) العنكبوت 35
كذلك أعطى الرسول ـ صلى الله
عليه و سلم ـ من نفسه المثل تعليما لأصحابه وتربية، عندما مر بجماعة وهم يؤبرون
النخل ( يلقحونه ) فقال: " ما تصنعون ؟ “. قالوا: " كنا نصنعه “، قال: " لعلكم لو
لم تفعلوا كان خيرا " فتركوه فنقصت ثمار النخل، فذكروا ذلك له ـ صلى الله عليه و
سلم ـ فقال: " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر "
بمثل هذه الدقة والوضوح ميز
الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ بين ما هو ديني من قضايا الوحي، وما هو دنيوي من
قضايا الرأي والتفكير، بين ما يتنزل أحكاما من ضمير الغيب يسلم به يقينا، وبين ما
هو مادي محض من الأمور المتعلقة بمعاش الناس، ونشاطهم وكدحهم ومصالحهم، يرجع فيه
إلى العقل والتجربة والخبرة والتمييز المبني على المحاكمات المنطقية، بين ما هو
قلبي لا يدرك إلا في إطار قوله تعالى:
( أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ
اللَّهُ ) البقرة 140.
( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء 23.
( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) الجن 26.
وبين ما هو عقلي حدد الرسول ـ صلى
الله عليه وسلم ـ معالمه بقوله: " إنما أنا بشر... “، وبَيَّنَ القرآن الكريم مجاله
في قوله تعالى:
(قَدْ بَيَّنَّا
لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الحديد
17
(وَتِلْكَ
الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ )
العنكبوت 43.
(وَقَالُوا
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك
10.
بذلك برزت في الحقل الثقافي الإسلامي
أداتان للمعرفة هما القلب و العقل، برزتا متكاملتين ومتوازيتين في اتجاه واحد يهتدي
بهما الإنسان إلى الحق فيتبعه ويستبين بهما الباطل فيجتنبه.
كما برزت تبعا لذلك معرفتان:
معرفة ربانية مبنية على مصدر واحد هو القرآن الكريم و السنة، مجالها ما يجب وما
يحرم من الأعمال، وما يجوز وما لا يجوز من التصرفات و الأفعال، ومعرفة إنسانية
تعتمد على العقل مجالها المادة وبعض تصرفات الإنسان، واختياراته التي لم ينظمها
الشرع؛ وبرز التعبيران القرآنيان:" المعروف" و"المنكر"، أي: ما تعرفه القلوب
والعقول وما تنكره القلوب و العقول، وهما وعاءا العبادات الإسلامية التي لا تكاد
تخرج عنهما، رحمة من الله ولطفا وتيسيرا (الَّذِينَ
إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) الحج 41.
ولئن كان "المعروف" هو
المقبول اجتماعيا و دينيا لكونه موافقا للعادة و العبادة شاملا كل ما تعارف عليه
الناس من المباحات والفضائل والمعاملات التي لا تضر المجتمع، ولا تتعارض مع الدين،
وكل التكاليف الدينية إتيانا وتركا، أمرا ونهيا، كما يفهم من قوله تعالى:
(يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ )
الأعراف 157
(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ )
البقرة 263
(تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) آل عمران 110.
(وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) النساء 25.
(فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) البقرة 234.
ولئن كان المنكر هو ما لا
يقبل اجتماعيا ولا دينيا كما يفهم من قوله تعالى:
(وَتَأْتُونَ فِي
نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ ) العنكبوت 29.
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا ) المجادلة 2.
وقوله صلى
الله عليه وسلم: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه
الناس" ـ مسلم والترمذي ـ، فإن هذا المعروف وهذا المنكر بشقيهما الغيبي والشهودي،
لا يعرفان إلا بالعقل والقلب مسترشدين بالوحي الإلهي، والتوجيه القرآني، وبالتفكير
في مصالح المجتمع ومعاشات الناس والتمييز بين النافع والضار من التصرفات.
العقل أداة للتفكير،
والتحليل، والملاحظة، والمقارنة، والتجريد، والتعميم، والتجربة، والاستدلال،
والمحاجة، والمجادلة، والمحاكمات المنطقية، واستقراء الجزئي وصولا إلى الكلي،
ومعالجة الخاص والمحدود والمقيد لاستكناه العام والمطلق، مجاله الكون المادي الفسيح
اكتشافا واختراعا وتطويرا وتسخيرا، وميدانه المعاملات البشرية المتنوعة التي لم
ينزل فيها الشرع أحكاما معينة... يعتبر بالأدلة، ويعتد بالمقابلات والمقارنات
والنتائج والمقاصد والغايات، يحسن ويقبح فيما ترك له أمر تحسينه وتقبيحه، ويميز
المواقف السلوكية المناسبة لأقدار الرجال وظروف الزمان والمكان...
هذه العمليات
العقلية هي التي يطلق عليها القرآن مصطلحي" تفقه" و" تفكير" ليميز بذلك بين عقل
نبيه نير يعرف مجاله وحدوده وطاقته، وبين عقل غبي بليد قاصر عن مجاله وحدوده
وطاقته، وبين عقل أهوج طائش يحلو له تجاوز مجاله وحدوده
وطاقته، قال تعالى:
ـ (
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ
هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) آل عمران: 191
ـ (
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) الحشر:
21
ـ ( قَدْ فَصَّلْنَا
الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) الأنعام: 98
ـ ( فَمَالِ هَؤُلَاءِ
الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) النساء: 78
ـ ( لَا تَسْأَلُوا
عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) المائدة: 101
وهذه المجالات هي التي فتح الله آفاقها للناس، وحثهم على ارتيادها وتسخيرها،
وخاطبهم في شأنها قائلا:
ـ ( سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت: 53
ـ (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) المؤمنون 80.
ـ (
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ
اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
البقرة: 164
هذه المجالات لم يحجبها الله عن
أي من البشر كافرا أو مؤمنا إذا ما استخدم عقله واتبع السنن الكونية في البحث
والتنقيب (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ
عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الإسراء 20
إن العقل إذا ما استخدم في مجاله
وحدوده وطاقته ـ فهما و تدبيرا وتخطيطا وتنفيذا ـ كان نورا وهداية وتوفيقا، كما كان
خير طاقة تقوي القلوب وتشد أزرها وتطمئنها وتساعدها على الثبات ووضوح الرؤية، مثلما
هو شأن إبراهيم ـ عليه السلام ـ في حواره مع نفسه أثناء تأمله السماء بعقله في لحظة
صفاء قلبي وشفافية روحية: ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ
اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ
الْآفِلِين فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ
قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّين
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا
أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون ( الأنعام76-77-78
وقد روي عن النبي
صلى الله عليه وسلم ـ أحاديث كثيرة في تمجيد العقل ورفع شأنه والحث على التمسك به،
كلها ما بين ضعيف وموضوع، مثل:
ـ " يا أيها الناس
اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه".
ـ " يا أيها الناس
إن لكل شيء مطية، ومطية المرء العقل وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلا".
ـ "إن الأحمق يصيب
بجهله أكثر من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى عند ربهم
بقدر عقولهم "
ـ " وما تم إيمان
عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله “.
ـ "لا عقل كالتدبير
ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق “.
وهي أقوال أقرب إلى
الحكم والمواعظ منها إلى الحديث النبوي الشريف.
ولكن لنا في القرآن
الكريم من الآيات الدالة على أهمية العقل ومكانته في مجال المسؤولية الفردية
والجماعية، الدنيوية والأخروية ما يغني المسترشد والمستهدي. إذ وردت لفظة "العقل"
ومشتقاتها في تسع وأربعين آية ، من أروعها دلالة ، وأبلغها حجة وأوضحها هديا
وإعجازا ، قوله تعالى في سورة الروم : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً
وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ
خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَسْمَعُون وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ
مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون) الروم : 20 / 24
أما القلب فهو القناة
الخاصة بتلقي الغيب والثبات عليه واليقين والاطمئنان والسكينة به والاستشهاد في
سبيله.
ـ (وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ
هُمْ يُوقِنُونَ ) البقرة 4
ـ (الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )الرعد: 28
ـ ( وَلَمَّا رَأَى
الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)
الرعد 22
القلب مركز العواطف
والشعور، ومحضن المحبة والإيثار والتراحم والتآزر والتوادد والتعاون، ومنبت الغرائز
والفطر الراقية إذا ما تعهد بالرعاية صدقا وإخلاصا وشفافية وسلامة توجيه، ومكمن
الحقد والحسد والبغضاء والجحود والكفران، ومنبع النوازع الشريرة والأحاسيس الوضيعة
إذا ما أهمل شأنه، وترك للقذى يغذيه، والكدر يتشربه؛ لذلك هو متأرجح بين الخير
والشر حسب سعي صاحبه ونواياه وأهدافه ومؤثرات الغيب والشهود فيه؛ يبتعد عن الخير
نحو الشر كلما اكتسب صاحبه الإثم والبغي والعدوان. ويقترب من الخير والرضوان، ما
التزم صاحبه الهدى والرشاد، وتقرب من رب العباد، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه
عن رب العزة قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه... )
القلب معقد الإيمان
ـ وإن كان تمام الإيمان بالتصديق اللساني وعمل الجوارح ـ لذلك نرى الإيمان بالقلب
لا يزيد ولا ينقص، فهو إما يقين وإما كفر، وما عرف بالزيادة والنقص في الإيمان
متعلق بأعمال الإيمان التي بها يزيد وينقص، أي بتطبيق مقتضياته فرائض و سننا ونوافل
وتطوعا.
القلب وعاء الفطرة
ونبعها صافيا كان أو كدرا، حيا كان أو ميتا، به يتعلق الرضى والسخط والسكينة والقلق
والخضوع والثورة والاستسلام والتمرد:
ـ ( أَوَمَنْ كَانَ
مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ
مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام 122
ـ ( لِيُنْذِرَ
مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) يس 69 ـ 70
وما أضمر امرؤ شيئا في
قلبه إلا ظهر على صفحة وجهه أو في فلتات لسانه:
ـ ( فَالَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون) النحل
22.
ـ (
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ ) التوبة 77
ـ (
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) محمد 30
وما خالج قلب المرء
من قناعات وأحاسيس انعكس في سلوكه مواقف حدية، أو اندفاعات استشهادية، أو تصرفات
معتدية، أو كفريات متردية؛ لأن ذلك نابع من مصدر يمثل كل ما في الإنسان من طاقة
وعنفوانية، فالإيمان ومحبة الخير والعمل الصالح فطرة أعلي شأنها ورشدت، وقناعة
قلبية امتزجت بأحاسيس المرء وشعوره، فصارت جزءا منه، وطاقة كامنة في وجدانه تبرمج
مواقفه وتوجه سلوكه، وتفجر لديه كل عناصر المواجهة والتحدي والمجابهة، لذلك تجد ذوي
الميول القلبية للمثل والقيم متحمسين لها إلى حد التطرف والبالغة أحيانا، متمسكين
بها إلى حد التضحية من أجلها بالأرواح؛ أما المواقف العقلية المبنية على القناعات
الفكرية والحسابات النفعية والحجج المادية، والأدلة المنطقية فلا تتحول إلى طاقة
تصد ومواجهة إلا إذا أمدها القلب بالحماس والقوة وشحذها وأججها بشحنه العاطفية
المخزنة، فإن ظهرت سلوكا وتصرفات كانت مجرد إيماءات ميتة ورياضات غبية، وعبادات
شكلية لا تنهى عن فحشاء ولا تحض على معروف، ولا تحفز إلى تآزر، أو تراحم، أو تعاون
على بر، أو دفاع عن مثل وقيم ومبادئ، عبادات وصفها الله سبحانه بقوله: (وَمَا كَانَ
صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ
بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) الأنفال 35
لذلك تجد العالم ميت
القلب ينهى عن المنكر ويغشاه، ويأمر بالمعروف ولا يأتيه، يبشر بالتميز وهو غارق في
التحيز، يشتم الظالمين سرا ويواليهم ويخدمهم جهارا، وعظه وإرشاده بهرج خطابي زائف،
واحتراف لمصلحة من يدفع، كل همه قرب من الأمراء، ومماراة للسفهاء، وصرف لوجوه الناس
إليه، كما هو حال بعض العلماء المعاصرين المعروفين لدى الخاص والعام ممن لم ينج من
مدحهم وتزلفهم حاكم، ولم يخل من اقعائهم وانبطاحهم مجلس سلطان.
وهذا يكشف عن خطأ جسيم وقعت فيه
بعض الحركات الإسلامية المعاصرة التي ركزت على الجانب التعليمي دون الجانبين
الأخلاقي والروحي، وبدل أن تكون منارات لتخريج الدعاة الصادقين والمؤثرين على
أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، تحولت إلى معاهد يلتحق بها إلى جانب الطالب الصادق
الطالب البارد والخبيث والجبان والخائن، والوصولي والمرتزق والنذل والوضيع، لا يكاد
يتميز أحدهم عن غيره إلا بما يحفظه من نصوص، وما يتقنه من فنون القول والحذلقة
والتفيهق، حتى إذا جاءت ساعة الرجولة والشهامة والنجدة ارتكسوا في الفتن (صَرْعَى
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة )
الحاقة 7 ـ 8
وهذا أيضا
يشير إلى إحدى نقاط ضعف المبادئ الوضعية والمناهج المادية كالشيوعية مثلا، لأنها
باقتصارها على مخاطبة العقول عجزت عن إثارة حماس الأتباع والمريدين ودفعهم إلى
مجابهة خصومها والموت في سبيلها، رغم ما اتخذته من أساليب للإقناع والتشجيع، حوارا
وجدلا وتحليلا وأدلة عقلية وإغراء ورشوة، فلجأت إلى "الحقد الطبقي"، وهو عاطفة
قلبية، تستثيره ضد المستغلين؛ ولكنه لم يكن كافيا لحمل الناس على التضحية والفدائية
والموت. وكانت نهاية المطاف إعلان الهزيمة أمام المعسكر الرأسمالي الذي وظف أخس
العواطف البشرية الدنيئة المتعلقة بالمال واللذة وشهوات النفس.
لكن استعمال
القناة القلبية ـ وإن كانت هذه وظيفتها ـ ينبغي أن يضبط طاقة ومجالا؛ لأن الإسراف
في الاعتماد عليها وتعميم استخدامها، وتسيب توجهاتها يؤدي إلى مخاطر جسيمة على
الفرد والمجتمع والأمة والإنسانية كافة.
أول هذه
المخاطر الخروج عن السواء الذي هو المعبر الرئيسي إلى الدروشة والخرافة والشعوذة،
ثم الشرك والكفر والخيانة، كما هو ملاحظ لدى بعض الطرقيين والمبتدعة والقبوريين
والعملاء طيلة عهود الانحراف والذلة والخضوع للأجنبي. لذلك كان لزاما أن يضبط القلب
وما يصدر عنه بثلاثة ضوابط: الكتاب، والسنة الصحيحة، والعقل.
بالكتاب
والسنة الصحيحة ينجو المرء من الانحراف العقدي والفكري والعبادي والسلوكي، لأنه
يقتصر في تلقي الغيبيات والأحكام والعبادات على مصدرين وحيدين لا ثالث لهما. فكل ما
لم يرد في القرآن الكريم ولم يرو صحيحا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يؤخذ
به. وكل ما أفتى به شيخ أو رآه أو أمر به فقيه أو عالم من غير الكتاب والسنة
الصحيحة لا يعتد به. وكل ما رئي في المنام، أو ألقي في أمنية امرئ مما دعي إشراقا،
أو إلهاما، أو إضافة إلى التشريع أو العبادة أو ما شابه ذلك، ليس إلا تلبيسا وشيطنة
وضلالا. وكل ما سكت عنه القرآن الكريم والسنة النبوية يكون الاحتكام فيه إلى العقل،
ولكنه العقل الرباني الرشيد الذي ينظر بنور الشرع في حدود مجاله وطاقته، مؤثرا
المصلحة العامة على الخاصة، وبقاء الأمة على بقاء الفرد، وعلو شأن الجماعة على علو
شأن الأفراد والطوائف.
إننا بالقلب موجها
بالكتاب والسنة والعقل الرباني، وبالعقل مضبوطا بالكتاب والسنة والقلب الحي، ننفي
عن الإسلام وحركته الحضارية العالمية، وعقيدته الربانية السمحة، وشريعته الفذة
العادلة كل شائبة تشين نظامه ومناهجه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل
الجاهلين ). ومعلوم أن الغلو والانتحال والإبطال والتأويل الجاهل بالعقل السائب
والقلب الميت.
إن كل خلط أو خلل في
استخدام قناتي القلب والعقل، كاستعمال احداهما مكان الثانية، أو استخدام واحدة فقط
في مجال لا بد من اشتراكهما فيه يؤدي بالضرورة إلى خلل في المفاهيم و التصورات،
وفساد في النوايا والمنطلق والأهداف والغايات، وانحراف في الأعمال والتصرفات،
فيضطرب بذلك المجتمع وتهتز أركانه ويرتكس في الفتن.
إن استخدام العقل
والقلب في مجاليهما وحدود طاقتيهما وبضوابطهما الشرعية، يعصم من الانحراف ذات
اليمين وذات الشمال، فيحفظ للأمة تماسكها ويوجه طاقتها نحو العزة والمنعة، ويثبت
أقدامها على الصراط المستقيم ويحفظها من أخطر مرضين ينخران المجتمع ويوهنان الصف،
هما الدروشة والشيطنة.
الدروشة وهي نتيجة
طبيعة لدى من يلغي عقله، ويتخذ لتلقي الغيب وأحكام السلوك والعبادة مصادر غير
الكتاب والسنة أو معهما؛ تبدأ أولا طيبة وصفاء وثقة عمياء في الناس والنصوص
المروية، ثم تستفحل لتتحول إلى بلادة وغباء، ثم إلى خرافة وشعوذة،
يشرف على توجيهها
واستثمارها متشيطنون هم شيوخ الصوفية والقبورية الذين يوظفون كل غيبي لمصالحهم
وأهدافهم، أو عملاء الأجهزة السريون منهم والعلنيون...
أما الشيطنة فهي
الثمرة الخبيثة لدى من يعتمد على العقل وحده وبدون ضوابط من كتاب أو سنة،
وهي مدرسة أسسها بنوإسرائيل فأتعـبوا بها أنبياء الله وطاردوهم وقتلوهم وحرفوا
كلامهم وشرائعهم كما هو مفصل في القرآن الكريم.
إن أساس مدرسة الشيطنة
الاعتداد بالعقل وحده متمردا على كل القيود، متجردا من كل الضوابط، لذلك ترى بعض
الدعاة المتشيطنين ـ قادة وأتباعا ـ يرتكبون كل كبيرة ويأتون كل إثم ويتعاملون مع
كل ظالم ويتزلفون إلى كل حاكم، ويعينون على كل خيانة من أجل تحقيق مكسب أو احتلال
موقع، أسلوبهم المقايضة والمتاجرة، وترسهم التبرير العقلي نفيا للشمس في رابعة
النهار، وإثباتا لدخول الجمل في سم الخياط
ـ ( يُخَادِعُونَ
اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا
يَشْعُرُونَ ) البقرة 9.
لقد وظفت الشيطنة عبر
التاريخ الإسلامي للأهواء والمصالح الفردية، وخدمة الأجنبي والتكالب على السلطة،
والجاه واللذة ففتحت على الأمة أبوابا للفتن والتناحر والتقاتل مازالت مشرعة إلى
الآن منذ قتل الأئمة الراشدون بشيطنة المتكالبين على الحكم ودهائهم.
هذا الانحراف الذي
أوقع بعض الدعاة في الدروشة أو الشيطنة،
هو الذي يدفع حاليا بعض
الشيوعيين إلى محاولة الالتفاف على الإسلام، بعد أن سقطت أحلامهم التي كانت معلقة
بالمعسكر الشيوعي، وبدلا من أن يعودوا إلى أمتهم، وإلى دينهم بقلب حي مفعم بالمحبة
والصدق والإخلاص والإيمان، آثروا التعامل مع القضية بشيطنة دعوها دهاء وحنكة،
محاولين " أسلمة " الماركسية بحذلقات لغوية يمجها الذوق السليم، وتبريرات ديماغوجية
تافهة ترفضها العقول السوية، دون أن يتجشموا مشقة تغيير ما بأنفسهم وسلوكهم؛ وبذلك
بقي الماركسيون كما كانوا... لم يتغير لديهم إلا مواضيع الشقشقة التي كانت بالماركسية السافرة
فأصبحت بالماركسية المحجبة، وسلاحهم في كل هذه المجالات الجدل والمراء، واتباع
المتشابه والمعضل والمشكل، (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
تَأْوِيلِهِ ) آل عمران 7.
لقد فات هؤلاء
الشيوعيين " المتأسلمين الجدد" أن العقل وحده لا يرتاد آفاق الغيب؛ لأنه محدود
بالزمان والمكان، والمحدود لا يحيط بالمطلق، وأن الدين الذي هو أهم قيمة لدى
الإنسان مصدره الغيب، ومحضنه الدافئ القلب، ثم بعد ذلك يأتي العقل للدعم والتوجيه
والترشيد.
فاتهم أن الدين
انحياز أولا وأخيرا، انحياز قلبي وجداني لأمة وعقيدة وشريعة كما قال تعالى:
ـ (وَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
الأنفال 63.
ـ (قُلْ إِنْ
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران 31،
وكما قال الرسول صلى
الله عليه وسلم:( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )، ( إن أوثق عرى
الإيمان الموالاة في الله، والحب في الله والبغض في الله )، ( وهل الدين إلا الحب
في الله والبغض في الله )، ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله
أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد
أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ).
وما فات الشيوعيين
من هذا الأمر هو عين ما فات بعض المسلمين الذين امتلأت قلوبهم خوفا وطمعا، وحرصا
وهلعا، فتردوا في مهاوي الشيطنة تبريرا وتحريفا وتأويلا، فقست قلوبهم قسوة لم
ينصروا معها مظلوما، أو يغيثوا ملهوثا، ولم يتذكروا معها أرملة لشهيد، أو ولدا
لمهاجر، أو أسرة لمعتقل، بل لم يعودوا معها مستعدين حتى لاستماع الحق، والحوار حوله
أو معه، كما هو شأن قوم نوح الذين لم تزدهم دعوته إلا فرارا، ولم يزيدوا عند سماعهم
إياها على أن (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ
وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) نوح 7.
وهو ما فات أيضا بعض
شباب الحركة الإسلامية الذين استعجلهم حب الظهور والزعامة، فحاولوا شق الصف وفتنة
الجماعة
والتجسس عليها والكذب
عليها، بتأويل الأقوال والتصرفات، وتبرير الأعمال والتوجهات، مدججين بكل ما يخطر
وما لا يخطر على بال من مكر، غير متورعين عن استعمال أخس أساليب الكيد والشيطنة،
فكان عاقبة أمرهم أن ارتكسوا في الفتن أو قبعوا في مزابل الخزي والنسيان، أو اضطروا
إلى التذلل والاعتذار لملاحدة العصر وشيوعييهم والتملق حتى لداعراتهم، لعَلَّ
توبتهم من سابق انتمائهم الإسلامي تقبل، ومكاسبهم الدنيوية تحفظ، أو شغلوا عن فتنة
الدعوة وأهلها بما اقتضته حكمة العلي القدير، نسأل الله العفو والعافية.
إن الشطط في
الاعتماد على القلب والعقل يخرج عن دائرة السواء، كما أن العدل في الاعتماد عليهما
والمزاوجة بينهما بالضوابط التي تنظم حركتهما، يضمن السواء في جميع الميادين، ويجعل
الإنسان مستويا على ساقين سليمتين، والدين ميسرا واضحا لكل ذي عينين، والعلم
الطبيعي متطورا مزدهرا في خدمة الإنسانية، ومن أجل سعادتها.
ولقد حققت العقول
عندما سخرت في مجالها وحدودها، ما نراه من تقدم وريادة وتطور في مختلف العلوم،
صناعة، وزراعة، وطبا، وفلكا، وفضاء، وذرة...
كما أنشأت القلوب
الحية الربانية نماذج من الرجال الأفذاذ الذين غيروا وجه التاريخ، ورفعوا شأن
الأمة، وحققوا مجتمع السعادة والطمأنينة والرخاء والحرية...
كما تورطت العقول
والقلوب عندما تجاوزت حدودها وهي تعالج قضايا الغيب والشهود في متاهات من الأخطاء
هبطت بها إلى مستوى تساؤلات الصبية والحمقى، دون أن تحقق أدنى نتيجة.
ومع ذلك فإن الخطأ
في استعمال العقل والقلب ليس بالأمر الخطير إذا توفر الإخلاص والموضوعية والصدق في
البحث عن الحق، والإرادة الصلبة للنقد الذاتي، والتحكم الواعي في السلوك
والاختيارات، إذ سرعان ما يتراجع المخطئ إلى الصواب كلما اكتشفه.
لكن إذا رافق الخطأ
نية فاسدة، أو حرص على مصلحة ذاتية، تعذر الإصلاح واستحال الرجوع، مثلما هو الحال
لدى الماركسيين الذين تأبى أهواؤهم الثورة على الذات وتقتضي مصالحهم ركوب الموجة
الإسلامية فيرفعون شعار " الدين عقل فقط ". أو لدى وعاظ السلاطين الذين يتخذون يدا
في جيب الحاكم ويدا في جيوب العامة، محاولين استغفال الطرفين واحتلابهما. أو لدى
شيوخ الصوفية الذين تقتضي مصالحهم استغفال الأتباع، وتحويلهم إلى موتى بين أيدي
غاسليهم، أو عجين في قصعة بين أيديهم فيرفعون شعار " الدين قلب فقط ".
هذه الفئات لا يجدي
لديها نصح، ولا ينفع معها حوار أو تذكير، لأن بينها وبين الحق سدا متينا من هوى
الأنفس ومصلح الدنيا، وقد ضرب الله تعالى لهؤلاء ومن على شاكلتهم مثلا من قوم ثمود
فقال:( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى
فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) فصلت
17.
أمة القرآن من القرآن
لفضيلة
الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى
انظر ترجمة حياته في نافذة
" سير وصور"
كانت الغاية الشريفة الأولى التي قصدت إليها وزارة
الأوقاف والشؤون الإسلامية، من توجيه الدعوة إلى من وجهت إليهم من علماء المغرب،
للمشاركة في موسم المحاضرات الدينية التي تلقى عادة تحت إشرافها بواسطة الإذاعة
والتلفزة، بمناسبة حلول شهر رمضان في كل سنة: "أن تعم الفائدة مختلف الأوساط
المغربية".
وكانت الغاية الثانية من دعوتها تلك " أن يكون علماء
الدين قاموا بواجب الإرشاد والتوجيه الإسلامي".
وعندما تلقيت الدعوة للمشاركة، أخذ خاطري يجول فيما
عسى أن يكون أوجب واجبات الإرشاد والتوجيه في هذا الظرف بالخصوص، هذا الظرف الذي
وجهت فيه (لأمة القرآن) ضربة لم يسبق أن وجه إليها مثلها في جميع مختلف الظروف
العصيبة التي مرت عليها خلال تاريخها المتعاقب، ولم يسبق إلى ذهني أن يكون أوجب من
أي واجب من واجبات التوجيه والإرشاد غير تنبيه المستمعين من (أمة القرآن) في هذا
البلد، إلى مكمن الداء، وأصل البلاء، فيما نزل من المحن والمصائب التي كانت آخرها
في موطن الإسراء والمعراج أجدر بأن يقال فيها ما قيل في أخرى سبقتها.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام
وإيمان
عن نقطة البدء التي كانت مبدأ ظهورهم على وجه الأرض
كمسلمين ، هادين ومهتدين ، وغالبين لا مغلوبين ، وأعزاء لا أذلاء ، وفاتحين لا
مفتوحين ، وحاكمين لا محكومين .
وما كانت نقطة البدء تلك، ولا تكون، ولن تكون أبدا
سوى (القرآن )، القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد بن عبدالله في شهر
رمضان ، "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ " البقرة 185، بينات من الهدى إلى الخير
العام ، خير الجسد وخير الروح ، خير الفرد وخير المجتمع ، خير الدنيا وخير الآخرة .
بينات من الفرقان بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الطيب والخبيث، بين
المنجي والمهلك.
كان الإنسان قبل نزول القرآن على الحالة التي وصفها
القرآن حين قال الله تعالى: " تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ
قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ
الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا
لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ " النحل 63ِ، وقد وصف النبي –صلى الله عليه وسلم- غضب الرب على إنسان
ما قبل نزول القرآن حين قال في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه: "إن الله نظر إلى
الخلق فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ) ولكن رحمة الله التي سبقت
غضبه تجلت في أن بعث محمدا للعالمين بشيرا ونذيرا، وصدق الله : "وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " الأنبياء 107 ، وصدق رسول الله صلى
الله عليه وسلم حين وصف هذه الرحمة التي حبا الله بها خلقه برسالته فقال : "إنما
أنا رحمة مهداة" أبو داوود.
ولقد كانت نقطة البدء في التوجيه الإلهي للرسول
المبعوث إلى العالمين بالقرآن ، أن نبهه إلى ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه ،
فقال جل وعلا يخاطبه :" إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا" المزمل 6، ولم
يكن ثقل القرآن إلا العمل بما جاء به كما جاء ذلك عن الحسن البصري وقتادة ، وأخبره
سبحانه وتعالى بأنه ليس بدعا من الرسل السابقين في أن جعل لكل منهم عدوا من
المجرمين يحاول صده عما أنزل إليه بكل وسائل الإغراء والإيذاء ، وأن عليه أن يتمسك
بالذي أوحي إليه ، وحذره أن ينفلت أو ينحرف أو ينخدع أو ينصاع وإلا فإن الله هو
العلي الكبير الذي لا نصر لمن خالف أمره ولا ناصر لمن خذله، فقال تعالى :" وَإِنْ
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " الأنعام116، وقال
تعالى :" وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ
أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ
وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ " البقرة 120، وقال سبحانه :" وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ
أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ
قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ
أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ
الظَّالِمِينَ "
البقرة 145، وقال تعالى:" وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ
اللَّهُ إِلَيْكَ " المائدة49، وقال عز من قائل :" وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا
لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ
الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " الإسراء 73-74-75.
وما كان لمحمد، وهو الرسول الذي اختاره من يعلم حيث
يجعل رسالاته لتحمل أعباء الرسالة إلى الإنسانية عامة، إلا أن يعد نفسه إعدادا
لتحمل هذه المسؤولية العظمى، وما ذلك إلا أن أسلم وجهه لله وهو محسن مستمسك بعروة
(القرآن) الوثقى، حتى أصبح القرآن نورا له يمشي به على الأرض في جميع أعماله الخاصة
والعامة، مع نفسه ومع الناس، مع الأقربين إليه والأبعدين، مع الأصدقاء والأعداء، في
السياسة وفي الحكم ، وفي السلم وفي الحرب، ومن ثم صح قول عائشة رضي الله عنها عندما
سئلت عن خلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم- :"كان خلقه القرآن"، وقد جاء القرآن
يشهد على هذا الوصف القرآني حين قال : "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " القلم .
والمسلمون الأولون الذين عاشروا الوحي وكانت آذانهم
أسبق الآذان إلى سماع نداء القرآن فلبوا النداء، هؤلاء المسلمون الذين سمعوا نبي
القرآن وهو يتلو عليهم من أمثال قول الله :" وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ
مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا
إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا
عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِين أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا
الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَهُدًى وَرَحْمَة " الأنعام 155- 156- 157، هؤلاء المسلمون الذين آمنوا بمحمد
وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه لم يفهموا أول ما فهموا أي معنى لنزول
القرآن سوى العمل بما جاء به أمرا ونهيا، وإلا أن يصبح القرآن خلقا لهم كما كان
خلقا لصاحبهم، وفي ذلك جاء قول ابن مسعود رضي الله عنه :"كان الرجل منا إذا تعلم
عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن" .
ونحن إذا تأملنا الآيات الكريمة التي يوجه فيها الرب
الكريم الخطاب إلى الأمة الإسلامية على سبيل الأمر أو النهي، على سبيل الأمر كقولـه
تعالى :" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ
وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ "الأنفال 24، وكقوله تعالى :"
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا " آل عمران 103،
وقوله : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ "
الحجرات 10، "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ " الأنفال 1،
"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " المائدة 2، أو على سبيل النهي كقولـه
تعالى :" وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " الأنفال 8، "
وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ
مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ " هود 113، "وَلَا
تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِين مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " الروم 32، "يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ
إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ "
الممتحنة 1، إلى غير ذلك من آيات الخطاب القرآني الموجه إلى الأمة الإسلامية ، أقول
: إذا تأملنا هذه الآيات نجد أن المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يتصور لشخصيته
المعنوية والواقعية أي وجود إلا على معنى وجود متطلبات هذه الآيات في تصرفات
أفراده ، وسلوك إنسانه في جميع مجالات الحياة الخاصة والعامة ، ومهما تقسو الظروف
أو تلين، فإن هذا التصور الصحيح للأمة الإسلامية على أنها العالمة العاملة بالقرآن
هو التصور الذي ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا حين نتلو قول الله تعالى : "وَلِلَّهِ
الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " المنافقون 8، وقوله تعالى :" وَلَنْ
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا " النساء 14، وحين
نقرأ تاريخ الذين أعزهم الله فما أذلهم، ونصرهم فما خذلهم، ورمى لهم حين رموا، في
أكثر المعارك، وأغلب الحروب، وأرهب المواقف، فإذا انعكست الآية، ونكست الراية، ورجع
الجنود على أعقابهم خاسرين، فاعلموا أن القرآن لم يتل حق تلاوته، ولم تمتثل أوامره
ونواهيه، ولم تطبق تعاليمه في شؤون الفرد وفي شؤون المجتمع، وصدق الله :" أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
" الجاثية 21، " وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ " الحج 40.
فإذا كان لأمة القرآن شرف خطاب القرآن لها بأنها خير
أمة أخرجت للناس، فإن ذلك لم يكن لها لأنها تسكن مشرق الأرض دون مغربها، أو شمالها
دون جنوبها، أو لأن ربك زاد لها بسطة في الجسم على باقي سكان الأرض ، وإنما كان لها
ذلك بشرط شرطه عليها القرآن، وهو أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالقرآن لم
يقل " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس " آل عمران110، وسكت، ولكنه
علق ذلك على الصفة حين قال :" تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " آل عمران110، فإذا أخلت بذلك الشرط، وخالفت
ما أخذ الله عليها من العهد، انعدمت فيها صفة الأفضلية، واستحقت أن ينزل بها ما
أنزل بغيرها من الأمم التي خالفت أمر الله، واستمعوا معي إن شئتم إلى هذا الحديث
الذي رواه أصحاب السنن عن نبي القرآن قال عليه الصلاة والسلام :"إن من كان قبلكم
كان إذا عمل العامل فيهم جاءه الناهي تعذيرا فقال يا هذا، اتق الله، فإذا كان من
الغد جالسه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب
بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا
يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف
ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله
بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم" واستمعوا معي أيضا إلى هذا الحديث الآخر
الذي يرويه الإمام أحمد وأبوداوود عن نبي القرآن قال صلوات الله وسلامه عليه :
"إذا ضن الناس بالدرهم والدينار وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر ضرب الله
عليهم ذلا فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".
في القرآن يا أمة القرآن آية تعدكم بالخلافة في
الأرض والتمكين في الدين والأمن بدل الخوف، فراجعوا أعمالكم واسألوا أنفسكم، هل
أخلفتم أم أخلفت الآية؟ ألم يقل الله :" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا " النور 55،
القرآن كله دعوة إلى الإصلاح لا إلى الإفساد،
والقرآن كله دعوة إلى التقوى لا إلى الفجور والقرآن كله دعوة إلى العدل لا إلى
الظلم، والقرآن كله دعوة إلى القوة لا إلى الضعف.
قالوا لكم : إنكم غلبتم لأنه ينقصكم العلم، قولوا
لهم : إنما فقدنا العلم لأننا فقدنا أنفسنا، ألم يقل الله :" إِنَّ اللَّهَ لَا
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ " الرعد 11.
أفما آن لكم بعد أن تردوا القلوب إلى رباط القرآن
بعد أن انفلتت، وإلى صراط الله السوي بعد أن حادت، واعلموا أن الله الذي سبقت رحمته
غضبه فبعث للعالمين نبي القرآن، ضمن لأمة القرآن أن يهديها سبيل النجاة، ومعالم
النصر، إذا هي رجعت إلى تعاليم القرآن، فكما أنه سبحانه يحيي الأرض بالمطر بعد
موتها، كذلك يحيي القلوب بالقرآن بعد غفلتها، فاستمعوا إلى نداء القرآن حين يقول :"
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
فَاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " الحديد
16، ويقول :" فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا
الْأَلْبَابِ " الزمر 1.
وبعد فإذا كان من واجب الأمة الإسلامية أن لا ينقطع
فيها واجب التوجيه والإرشاد والتنبيه والإيقاظ، على ممر الأزمان، ومختلف الأحوال
فإن الأكبر إثما والأخسر عاقبة، والأجلب لغضب الله وسخطه أن يسمع الناس في الليل أو
في النهار آيات الكتاب الذي لا يغسله الماء، وأحاديث الرسول الذي لا ينطق عن الهوى،
ثم يتفرقون، في الليل أو في النهار، مقبلين على الآثام يرتكبونها ولسان حالهم يقول
" سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " البقرة 93.
|