|
العالم الإسلامي
بين الغزو العسكري والغزو الفكري
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
يتعرَّض العالم الإسلامي إلى غزو واسع من
العالم الغربي منذ زمن غير قليل ، إلا أنه في هذه المرحلة
أخذ صورةً جديدةً فيها جرأةٌ على الإسلام والمسلمين ،
واستخفاف بهم وتحدٍّ لهم . وجمعت هذه الصورة الجديدة قسْوة
الغزو العسكري ووحشيّته وامتداد الغزو الفكري واتساع أثره
وفتنته .
إنَّ وحشيّة الغزو العسكريّ في فلسطين
وأفغانستان والعراق ومناطق أخرى ظاهرة للعيان . والعالم
الإسلامي يقف أمامها مشلول القوى خائر العزائم غير قادر
على صدِّها ، بين ضجيج الشعارات واضطراب الخطوات وتمزُّق
المحاولات، فنزل بالمسلمين من الهزائم ما لم يشهده تاريخ
المسلمين أبداً .
ولا نقول إنَّ هذا الغزو جاء مفاجئاً ، إلا
للغافلين النائمين ، يستيقظون على هوله وسرعته . لقد جاء
هذا الغزو على سنن لله ماضية عادلة حقٍّ لأن الله لا يظلم
أحداً ولا يظلم شيئاً . وفي الوقت نفسه جاء على خطّة
مدروسة ونهج معدٍّ لدى الغرب . ونعتقد أن ملامح هذه الخطة
بدأت تظهر مع أوائل القرن السادس عشر في هجمة على جنوب شرق
آسيا ، حين انطلقت البرتغال إلى " مالاقا " ، وحين قال
قائد الحملة يخاطب جنوده : " .... وأؤكد لكم إذا استطعنا
تخليص مالاقا فستنهار القاهرة ... وبعدها مكة نهائيّاً
..." ! وعندما سقطت " مالاقا " أقامت روما قدَّاس شكر !
وخطب أحدهم أمام ليو العاشر فقال : " إنَّ هذا النصر
سيسهِّل استعادة القدس " ! وامتدَّ الغزو مع القرون إلى
شمال أفريقيا وإلى عدن ومصر والسودان والبحرين ومسقط
والكويت ، والقوقاز وطشقند وسمرقند وبخارى وأوزبكستان .
وتقسم العالم الإسلامي إلى قطع متناثرة في تاريخ يحمل من
المآسي الشيء الكثير .
وفي هذه المرحلة الطويلة ، صادف أن انطلق هذا
الغزو العسكري والمسلمون في بداية وهن وضعف آخذ بالازدياد
، لا يستيقظون من مأساة إلا على مآسي جديدة متلاحقة .
ورافق هذا الغزو كذلك غزو فكريّ مدروس ، تتسلل
معه الفتنة في ديار المسلمين ، تكتسب كلَّ يوم جنوداً لها
من المنتسبين إلى الإسلام . وكما فشل المسلمون في صدِّ
الغزو العسكري ، فشلوا كذلك في صدّ الغزو الفكري ، حتى
عمَّ العالم الإسلامي حركاتٌ منظمة تجاهر بحرب الإسلام ،
وحركات تتخفَّى وراء زخارف لتنفث سمومها ، وحركات هجمت على
نصوص الكتاب والسنَّة تفسد تأويلها وتنشر فتاويها وتلبّس
على الناس دينهم ، وتلقي بينهم قضايا تشغلهم عن مجابهة
الخطر الحقيقي الذي يُهدِّد الأمة كلِّها .
وتعاون الغزوان العسكري والفكري في إضعاف
الأمة وتمزيقها وشلِّ قواها، ونشر الفتنة بعد الفتنة .
إنك تجد اليوم من يعلن أنه لا يرضى بتدخل الدول الأجنبية
في شؤون دولهم ، دون أن ينتبه إلى أن هذه الدول الأجنبية
قد اخترقت الأمة بفكرها وزخارفها ، وأصبح لها موالون ودعاة
مؤيدون ، ودون أن ينتبه إلى أنه هو من الداعين للفكر
الغربي والحياة الغربية ولو تحت شعار الإسلام .
يُفترض أنَّ من يدعو إلى الإسلام ، ويعلن عن نفسه أنه
داعية مسلم أن يلتزم هو بالإسلام ديناً وفكراً ومنهج حياة
، وأن تتناسق مصطلحاته مع نصوص دين الله وشرعه. لقد اختلطت
مصطلحات الوطنية والإقليمية والقومية مع مصطلحات الإسلام
، دون أن تبيّن حدود كل مصطلح ومفهومه وتطبيقه .
فالإسلام يصوغ جميع هذه المصطلحات صياغة جديدة لترتبط
كلها من خلال تشريعه : العائلية والرحم ، الوطنية
والإقليمية ، والقومية مع قواعد الإسلام، ومن خلال تشريع
ربَّانيّ يجمع البشريّة كلَّها في ظلاله وتتناسق الروابط
كلها من خلاله كذلك ، لتأخذ كل واحدة من هذه الروابط مـعنى
وحدوداً من شرع الله ، حتى لا تتحوّل أيٌّ منها إلى عصبيّة
جاهليّة حرَّمها الإسلام ، ودون أن يدَّعي أحد أن أيَّاً
منها يمثّل شرعاً جديداً أو منهج حياة جديداً ، ويظل في
الإسلام بين جميع هؤلاء أخوّة واحدة هي أخوّة الإيمان التي
شرعها الله:
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
[ الحجرات : 10]
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن الرسول
r
قال : ( المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى
رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر ) [
رواه أحمد ومسلم ، صحيح الجامع الصغير وزيادته : رقم 6667]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول
r
قال :( المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ، ولا يكذبه ، ولا
يخذله ، كلّ المسلم على المسلم حرام : عرضه وماله ودمه .
التقوى هاهنا ـ وأشار إلى القلب ـ بحسب امرئ من الشرِّ أن
يحقر أخاه المسلم ) [رواه الترمذي . صحيح الجامع
الصغير وزيادته رقم : 6706 ]،وأحاديث أخرى كثيرة تحدّد
حقوق الأخوة الإيمانية وواجباتها ، وتنظم علاقاتها في منهج
متماسك ، لتكون هي الرابطة الربَّانيَّة الوحيدة التي تجمع
الناس كلّهم على الحقِّ .
ولقد حرص الغرب على إثارة العصبيات الجاهلية بين المسلمين
، واستجاب كثيرون من الناس عامة ومن الدعاة وغيرهم ، حتى
تمزَّقت أخوة الإيمان بين المسلمين ، وحتى سهُل على المسلم
أن يتقارب مع غير المسلم وينأى عن أخيه المسلم ، وتوالت
الدعوات إلى الاعتراف بالآخر والتقرُّب إلى الآخر وإقامة
الحوار والسلم مع الآخر ، وتناسوا المسلم وحقوقه ، ووجوب
الحوار بين المسلمين أولاً لإعادة الرابطة الربَّانيَّة
بينهم أُخوَّة الإيمان .
ويرى بعضهم مع دعوة الإصلاح الحالية أنَّها مطلب وطنيّ
وقومي وإسلاميّ . ولكن خلط هذه المصطلحات على هذه الصورة
يُغيّب الطريق والهدف والوسيلة إلى الإصلاح . فالإسلام
وحده يقدم منهجاً كاملاً مترابطاً للإصلاح ، منهجاً لا
نجده مع الشعارات المختلطة . والإسلام يقدم الوسيلة والهدف
ويحدّد الرابطة ، وبغير ذلك يصبح الإسلام شعاراً وتصبح
الممارسة العمليّة أهواءَ ومصالحَ وعواطفَ ، فتتمزَّق
الأمّة ، ويصبح لكلّ بلد إسلام خاص به لينحرف به إلى مصالح
دنيوية مخالفة لشرع الله ، ويصبح هنا أخوّة جديدة وهناك
أخوّة ثانية وأخوة ثالثة ، وأخوّة وطنية على غير ما شرع
الله ، وأخوّة مع النصارى أو اليهود أو غيرهم ، حسب الحاجة
وتحت شعار الإسلام .
وقد ينادي بعض الدعاة المسلمين بأنَّ الإصلاح يجب أن يبدأ
بالإصلاح السياسي ! فإذا بدأ بذلك فإلى أين ينتهي . ولقد
قامت دعوات ومحاولات لبدء الإصلاح بالإصلاح السياسي ،
وقامت انقلابات وثورات ، فإلى أين انتهت وماذا حققت من
إصلاح ؟!
وقد تجد الداعية المسلم يدعو إلى المصالحة الوطنية كأساس
لعمليّة الإصلاح الشامل ، وأساس لتحديد العلاقات والحقوق
والواجبات ، طارحاً عرض الحائط بكل نصوص الكتاب والسنَّة ،
منطلقاً من الدعوة الغربيّة العلمانيّة الديمقراطيّة ، حتى
جعل من الإسلام مجرَّد شعار لا رصيد له في الواقع .
والأسوأ من ذلك أن يفتري بعضهم على الإسلام فيخفي أخوّة
الإسلام ويدَّعي أن الإسلام يدعو إلى الأخوّة الوطنيّة
والأخوّة القومية والأخوة الإنسانيّة ، فجمع الماسونية
والعلمانية وغيرها في خليط غير متماسك . وكان أحرى
بالمسلمين أن يعلنوا أنَّ الإسلام صاغ جميع هذه العلاقات
صياغة إيمانيّة ، ونظّم لكلّ حدودها ودورها في منهاج
ربَّاني متكامل .
ونشير هنا إلى أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم حين بُعِثَ
نبيّاً ورسولاً كان يحيط به من أعداء الداخل والخارج ما هو
أشدّ مما نلاقي نحن اليوم . فلم يكن منهج الإصلاح الذي دعا
إليه منهج وحدة مع قريش أو أيّ فئة في الأرض ، ولم يكن
منهجاً وطنياً ولا قومياً ، وإنما كان منهجاً ربَّانيّاً
ودعوة ربَّانيّة يدعو إليها قومه قريشاً دون مساومات على
دين ودعوة ، ويدعو أهل المدينة وأهل الجزيرة العربيّة ،
ويدعو إليها الناس كافَّة ، ليصلح بها حال قومه وحال العرب
كلهم وحال البشريّة جمعاء . هذه هي دعوة الإسلام ، ولا نرى
أنه يحلّ لأحد من الناس إذا انتسب إلى الإسلام داعية أن
يخالف نهج الإسلام ، أو يبدّل فيه ويحرَّف ، ويجعل مخالفته
وانحرافه كلّه تحت شعار الإسلام !
إنَّ موقف المسلم الداعية لا يتحدّد بطلب التعاون مع غير
المسلم فحسب ، ولكنه يتحدّد ـ وهو داعية ـ بأن يبلّغ رسالة
الله إلى الناس كافّة ويتعهّدهم عليها كما أمره الله
سبحانه وتعالى في الكتاب والسنَّة ، ويبني علاقاته وهو
داعية على أساس الدعوة والبلاغ والتعهّد ، ليوفي بالعهد
والأمانة والعبادة التي خَلَقه الله للوفاء بها . ومن خلال
ذلك ينشأ التعاون على أساس من شرع الله الذي فصّل ذلك .
كيف يمكن للداعية المسلم أن يدعو إلى الإصلاح على أساس
الإسلام ، ثم يدعو الفئات التي تحارب الإسلام أو لا تؤمن
به لتتعاون معه على نصرة الإسلام ومنهاجه في الإصلاح ؟!
لماذا هذا التناقض الواضح ؟!
لقد مضى على العمل الإسلامي زمن غير قصير ، ولاقى من الفشل
الشيء الكثير ، حتى توافرت لديه تجارب كثيرة ، لو وقف
عندها ودرسها ودرس الأخطاء التي وقع فيها ، ووضع منهجاً
عملياً لمعالجة هذه الأخطاء ، لو فعل ذلك لاستقام له الدرب
، وخلص من التناقضات ، وكان أقرب للتقوى .
هذا ينادي إلى الإصلاح الإنساني المصري ، وذلك ينادي إلى
الإصلاح الأردني وآخر في بلد آخر ، على مناهج تحمل التناقض
فيما بينها ، فلماذا لا تكون الدعوة كما يريدها الإسلام
دعوة إلى إصلاح الإنسان على منهج يصلح لكل إنسان ، لكل
وطنيّة وقوميّة . فالمشكلات واحدةٌ والحلول متضاربة .
ونحار بين اضطراب المصطلحات وتناقضها فيما بينها من ناحية
، وفيما بينها وبين الإسلام من ناحية أخرى . فإذا كان كل
داعية يؤكِّد تمسّكه بدستور بلاده ، وبالنظام الجمهوري
والديمقراطي والبرلماني ، فأين النظام الإسلامي ؟! أليس
للإسلام نظام للإصلاح والحكم ؟! فما هو أيها الدعاة ؟!
كلما طلع مصطلح أو فكر من الغرب هَرعْنا إليه واحتضنَّاه
لنثبت أنه من الإسلام والإسلام منه براء . ألم نجعل
الاشتراكية من الإسلام ، ولما جاءت الديمقراطية بدَّلنا
وجعلناها من الإسلام ، وانتشر الدعاة المسلمون في الأرض
يدعون إلى الديمقراطية ، ولما ظهرت الحداثة تسابقت الأقلام
لنثبت أن الحداثة عربيّة أو إسلاميّة ، ولما جاءت
العلمانية وامتدت في ديار المسلمين لم يتردّد بعض الدعاة
المسلمين في مؤتمر إسلامي عام أن يعلنوا أنَّ العلمانية
مساوية للإسلام في مقصودها ، وأن يقول داعية : لا نملك إلا
أن نندمج مع النسيج الثقافي والديني في ذلك المجتمع الغربي
!
عجباً كل العجب ! أليس هذا نوعاً من إعلان الإفلاس والهوان
؟!، نسرع ونهرول لتقليد الغرب في اللباس والطعام والشراب ،
وفي الفكر والأدب والشعر ، وفي حفلات الرقص ، وإطلاق حريّة
المرأة على أسس علمانيّة ديمقراطيّة فاقعة في لونها ، ولم
ننشط مثل هذا النشاط في بناء العلوم التطبيقية والصناعة
والسلاح وسائر أسباب القوّة ! نقلّد الغرب في كلِّ شيء إلا
في النافع من ميادين الحياة ، حتى كأنَّ الإبداع عندنا هو
التقليد ثم التقليد !
فلا عجب بعد ذلك أن نجد من يقول : " إنَّ الإصلاح الشامل
لا يتحقّق إلا من خلال الديمقراطية التي نؤمن بها ونلتزم
بأصولها ، وندعو الأحزاب والقوى السياسية الأخرى إلى
تأييدها كميثاق وطني " ! فلا بدّ أن نسأل الداعية المسلم
أين الإسلام ؟! ولا بدَّ أن نذكّر الداعية المسلم بأنَّ
أصول الديمقراطية التي يلتزمها هي الوثنيّة اليونانيّة ،
ولا بدَّ أن نتساءل أليس هذا الصوت وهذه التعبيرات هي التي
يدعو إليها بوش ؟! ولا بدّ أن نذكّر الداعية المسلم بأنَّ
الديمقراطية التي يتحدَّث عنها هي بنت العلمانيّة أو هي
العلمانيّة !
وإذا كان ادعاء بعض المسلمين أنهم يريدون الديمقراطية لأن
فيها حريةً وعدالةً ومساواةً ، فنسألهم حينئذٍ : أوليس في
الإسلام حريّة وعدالة ومساواة ؟! ولا شك أنَّ في الإسلام
ذلك كلّه وأكثر منه ، ولكنكم فشلتم في تطبيق حريّة الإسلام
وعدالته ومساواته ، فستفشلون في تطبيقها في ظلِّ
الديمقراطية كما فشل أصحابها في تحقيق هذه الزخارف . إنَّ
هذه الشعارات هي زخارف مخدَّرة في الديمقراطية ، ولكنّها
حقائق وأسس في الإسلام !
ويتبع هذه الشعارات قول بعضهم: " يجب الإقرار التام بأنَّ
الشعب هو مصدر السلطات جميعها " ! أين الإسلام الذي يحدّد
السلطات بشرع من عند الله؟! إنَّ هذا المبدأ هو مبدأ
ديمقراطي وثني نادت به الوثنية اليونانية وامتدَّ منها إلى
العلمانية الغربيّة وإلى الديمقراطيّة . ومن هذا المبدأ
أجاز الشعب ، وهو مصدر السلطات ، الزنا واللواط والخمر
وأنواع الفاحشة كلها وكثيراً من أنواع الفتنة والفساد
والظلم الظاهر والمخفي . وكيف ينادي داعية مسلم وهو يعلم
أن الشعب في معظمه يجهل الإسلام ، وأن فئات كثيرة فيه
تحارب الإسلام ، فأي شعب وأيّ سلطات ؟!
ولقد نادى كثيرون بحريّة الاعتقاد للناس . إنَّ هذا المطلب
لا يمثل مشكلة المسلم أو قضيته . ذلك لأن حريّة الاعتقاد
فطريّة ، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَقُلِ
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ
شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا
يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ
الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً)
[ الكهف :29]
إنَّ قضيَّة المسلم أن يدعو إلى الإسلام دعوة جليّة واضحة
: ( وقل الحق من ربكم .....) ! فالقضيّة إذن إبلاغ الحق ،
دين الله ، الإسلام . وبعد ذلك فمن آمن فله جزاء ومن كفر
فله جزاء آخر . فليست القضيّة كما هي في الديمقراطية أن
نترك الناس يعتقدون كما يشاؤون ، يؤمنون أو يكفرون ، دون
أن يجدوا من يدعوهم إلى الحقِّ ، إلى النجاة من فتنة
الدنيا وعذاب الآخرة ، ودون أن يذكرهم بأن لكل موقف جزاء
عادل .
فهذه فتنة كبيرة ، فالناس كلهم مصيرهم إلى جنّة أو إلى نار
، والداعية المسلم مسؤول أن يدعو ليخرج الناسَ من الظلمات
إلى النور ، وينقذهم من عذاب الآخرة الذي هو حق أكيد في
شرع الله لمن لم يؤمن ، ولكنّها قضيّة متروكة في
الديمقراطية والعلمانيّة ! ولقد بعث الله الأمة المسلمة
لتكون خير أمة أخرجت للناس ، لأنها تدعو وتبلِّغ رسالة
الله وتتعهّدهم وتنقذ الناس !
ويتكرر بين الناس مصطلح : " الأديان السماوية التوحيدية "
! وهذا مصطلح متناقض بعيد التناقض ، فالله سبحانه وتعالى
لا إله إلا هو ، ما كان ليرسل لعباده أدياناً مختلفة
يتصارعون عليها ، ثم يحاسبهم يوم القيامة ! إن وحدانية
الله سبحانه وتعالى وعدالته ورحمته بعباده تأبى ذلك .
فالله أرسل لعباده رسلاً يبلّغون ديناً واحداً ، ديناً
سماوياً توحيدياً واحداً هو الإسلام : إنه دين نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم
السلام جميعاً ، كما نصَّ على ذلك كتاب الله ، وخُتِموا
بمحمد
r
:
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ
بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
[ آل عمران : 19 ]، وعندما ينتقل هذا المصطلح إلى بعض
الدعاة المسلمين لينضم إلى سائر المصطلحات التي سبق ذكرها
والتي أخذ يتبنّاها هؤلاء الدعاة ، ندرك عندئذ شدَّة أثر
الغزو الفكري وامتداده في العالم الإسلامي .
ولقد حرتُ في قول داعية مسلم : " .... الذي ينبثق من
إسلامنا كدين ونظام حياة شامل وكامل ..." ، وفي الوقت نفسه
يدعو إلى المفاهيم التي سبق أن ذكرناها ! فإذا كان الإسلام
ديناً ونظامَ حياة شاملاً ، فلماذا مفاهيم العلمانية
والمفاهيم الغربية ؟! لماذا هذا التناقض ، ولماذا التمسك
حيناً بالاشتراكية وحيناً بالعلمانية وحيناً بالديمقراطية
، كأننا نتسوّل الأفكار ومن هنا وهناك ؟!
ويضع بعضهم قاعدة جديدة ينسبها إلى الإسلام للتعاون بين
المسلمين وغير المسلمين ، فيقول : " لهم ما لنا وعليهم ما
علينا " ! أيّ أنَّ لغير المسلمين ما للمسلمين وعليهم ما
عليهم . إنه مبدأ ديمقراطي علماني يرفعونه شعاراً ولا
يطبقونه عملياً ، وليس للإسلام علاقة به . إنَّ الإسلام
نظّم العلاقات بين المسلمين وجميع الفئات على أسس
ربَّانيّة ، سعِد بها الناسُ جميعاً في ظل حكم الإسلام
وشريعته . ووجد فيها أهل الكتاب من العدل ما لم يجدوه في
ظل أي حكم آخر في تاريخهم كلّه . هذه كتب التاريخ تروي
وتشهد بذلك وتُقدّم أروع الأمثلة . وكيف يكون في دين الله
مثل هذا المبدأ غير العمليّ . فالمسلم عليه الزكاة فرضاً
وغير المسلم ليس عليه هذا الفرض . والمسلم عليه الجهاد في
سبيل الله ، وغير المسلم ليس عليه ذلك ، حيث إنَّ الجهاد
في سبيل الله يقوم به من يؤمن بالله والإسلام ويجاهد لنصرة
الإسلام وإعلاء كلمة الله وشرعه . وقس على ذلك أموراً أخرى
.
والذين يدعون إلى الوحدة الوطنية بدلاً من الوحدة
الإسلاميّة ، يحتجون بأنَّ غير المسلمين جزء من النسيج
الوطني، ولكنهم جهلوا أو تناسوا أنَّ الإسلام وحده هو الذي
ينصفهم بعدله وشرعه ، نسوا أو تناسوا أن هؤلاء كانوا جزءاً
من نسيج المجتمع في المدينة ، ولكنهم لم يكن لهم ما
للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، ولم تقم بينهم وبين
المسلمين أخوّة وطنيّة ، وشعارات مخدّرة وإنما كان لهم
حقوق أوفى المسلمون لهم بها . وعدلوا معهم وأنصفوهم فسعدوا
بها .
والإسلام يأمر بالقسط والعدل مع الناس كافّة ، وعلى ذلك
قام شرعه ، ولكن القسط والعدل كما فصّله الإسلام لا يشمل
الموالاة والخضوع والتبعية .
الداعية المسلم يجب عليه أن يدعو إلى وحدة المسلمين وإلى
أخوة الإسلام وإلى تطبيق شرع الله ، وإلى الإيمان بالله
وبرسوله محمد
r
وبسائر الأنبياء كما جاء في الكتاب
والسنَّة . وغير المسلم يدعو إلى وحدة عائلية أو وطنية أو
قومية أو حزبية من خلال عصبيات جاهلية ، تمزّق الأمة
والناس فِرَقاً وشيعاً يُصارع بعضها بعضاً .؟
وأخيراً نشدُّ الانتباه إلى أنّ ممالأة أعداء الله
والتنازل لهم ، وتغيير شرع الله إرضاءً لهم ، كلُّ ذلك لن
يجعلهم يغيرون من خُطّتهم المقرّرة في حرب الإسلام، ولكننا
نخسر شيئين : نخسر نصر الله وتأييده ، ونخسر احترام أولئك
وهيبتنا في عيونهم . وكلّما تنازلنا أمعنوا في الإيذاء
والجرأة به . وحسبك تدنيس القرآن الكريم بعد أن تنازل
المسلمون حتى عن بعض ديارهم وأعراضهم وبعض ثرواتهم.
لم نُقِمْ نحنُ المسلمين في واقعنا اليوم للقرآن الكريم
منزلته الأمينة . الملايين من المسلمين يجهلون القرآن
الكريم ، والملايين يجهلون العربيّة ، والملايين لا
يتدبّرون القرآن الكريم ولا يمارسونه عملياً في حياتهم .
ورأى الغرب ذلك فينا ، فتجرَّأ على تدنيس القرآن الكريم .
لم يعد لنا في ميزان الواقع الدولي أيّ وزن حقيقي لكثرة ما
تهاونا وتنازلنا ، وقلَّدنا وخضعنا :
أمّـةُ الحقِّ ما دهاكِ فأصْبَـحْـ
|
|
ـتِ
شظـايا تـناثرتْ في النِّجـادِ
|
|
كلُّما رُمْتِ ملتقى كُنْـتِ
في السا |
|
حة أوهْـى من حفنةٍ
مـن رمادِ
|
العلمانية:طه حسين وقاسم أمين نموذجا
للأخ الدكتور حسن
عبد الرحمن بكير
إن دراسة نماذج من أرباب التيار
العلماني تعطي صورةً واضحةً عن التوجه العلماني ومعالم
منهجه في تناول قضايا التجديد، ويساعد على تقويم هذا
الاتجاه تقويما موضوعيا بتحديد مصدر انحرافاته ومواطن
زللـه.
وإذا كانت هذه النماذج كثيرةً
ومتنوعةً، فإني أقتصر على تقديم بعض منها، وهي تختزل أهم
ما في التيار العلماني من أسس ومنطلقات. ومن أبرز هذه
النماذج :
1 –
قاسم أمين :
وهو أحد الأوائل الذين رفعوا شعار
التجديد، غير أنه تجديد يحاكي الغرب في كل مظاهره ضاره
ونافعه، ويعكس افتتانا - لا حدَّ له - بكل ما هو وافد؛ مما
شكل بداية دعوة كان لها تداعياتها الخطيرة على مجالات
اجتماعية كثيرة .
لقد سار قاسم أمين في دعوته إلى
التجديد متدرجا على مراحل؛ ففي المرحلة الأولى أصدر كتابه
« تحرير المرأة »() محاولا الظهور بمظهر المجتهد المجدد؛
فبذل جهده للتدليل على ما زعمه من أن حجاب المرأة – كما هو
سائد في المجتمعات الإسلامية – ليس من الإسلام ، وأن
الدعوة إلى السفور ليس فيها ما يخالف الدين وأصوله العامة،
فالحجاب – كما يدعي – أصل من أصول الأدب فحسب يلزم التمسك
به ، ويؤكد ذلك بقولـه: « إن الشريعة ليس فيها نص يوجب
الحجاب على الطريقة المعهودة، وإنما هو عادة عرضت لهم من
مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها وألبسوها لباس
الدين، كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم
الدين والدين منها براء»().
وفي إيراده لقوله تعالى :
}
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ
آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي
أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي
الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ
لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا
يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ
زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
{
()
، يلوي قاسم أمين للآية عنقها فيقول: « إن الآية قد أباحت
أن تظهر بعض أعضاء من جسم المرأة أمام الأجنبي عنها، غير
أنها لم تسم تلك المواضع، وقد قال العلماء إنها وكلت فهمها
وتعيينها إلى ما كان معروفا في العادة وقت الخطاب..»()().
لقد بحث الكاتب موضوعات الحجاب
واشتغال المرأة بالشؤون العامة وتعدد الزوجات والطلاق،
ووظف لما ذهب إليه آيات قرآنية توظيفا غير سليم؛ وتلخص
منهجه في محاولة التوفيق بين الإسلام وبين مذاهب الغربيين
في مرحلة أولى، وعندما جُوبِهَ الكتاب وصاحبه بمعارضة
شديدة، انتقل الكاتب إلى مرحلة ثانية أكثر جراءة كشفت عن
منطلقاته وأهدافه. ففي كتابه اللاحق «المرأة الجديدة»()
ظهر أثر الفكر الغربي واضحا؛ حيث دعا إلى التزام مناهج
البحث الأوربية الحديثة التي ترفض المسلمات العقدية
السابقة، سواء أكان مصدرها الدين السماوي أم غيره، ولا
تعترف إلا بما ثبت بدليل من تجربة أو واقع، وهو ما يدعى
«الأسلوب العلمي» الذي يُنسب إلى باحثي الاجتماع
الأوربيين. ()
إن المنهج العلمي قد يكون محل اتفاق
وذلك في العلوم التجريبية كالطبيعة والرياضيات والكيمياء
والفيزياء والهندسة والطب… أما العلوم الإنسانية التي تبحث
في أسرار النفس البشرية والعلاقات الاجتماعية والقيم
الخلقية، فلا يتصور فيها وجود منهج موحد، بل إن علماء
الغرب أنفسهم لم يتفقوا على منهج واحد لدراسة الإنسان وما
يتعلق به من جوانب نفسية وفكرية وخلقية.
ولعل من هذه الدراسات ما هو مسخر
لخدمة أفكار ونظريات ربما كان من أولى أسسها محاربة الدين
وهدم القيم والمبادئ الخلقية. ()
وهذا ما اتبعه قاسم أمين في منهجه
الملتوي ، وأراد أن يظهر بمظهر مجدد العصر الذي تلمس مكمن
الداء واضعا يده على الجرح، بالرغم من أنه لم يكن يوما ممن
اشتغلوا بالفقه ولا بأصوله، ولم يملك أدوات الاستنباط
التي تؤهله لولوج ميــدان الاجتهاد. ()
ولذلك فإن ما أورده من أدلة - سواء
أكانت نصوصاً قرآنيةً أم تاريخيةً أم عقليةً – تعامل معه
تعاملاً موجهاً لخدمة أفكاره المسبقة تحت ذريعة فتح باب
الاجتهاد للنهوض بالمجتمعات الإسلامية.
وهو – على الرغم من أنه كان يوظف بعض
حقائق الواقع في تشخيص أحوال الأمة وما تعانيه من أمراض -
فإنه لا يلبث أن يعرب عن مقصده؛ إذ يدعو صراحةً – وفي
افتتان شديد – إلى الأخذ بالحضارة الغربية وأساليبها. فبعد
أن رد سبب الإعجاب الشديد بالماضي إلى الشعور بالضعف
والعجز، قال : « هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى
علاجه وليس له دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يتعرفوا
على شؤون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها
وآثارها. إذا أتى ذلك الحين – ونرجو ألا يكون بعيدا –
انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة
التمدن الغربي وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في
أحوالنا إذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية الحديثة، وأن
أحوال الإنسان مهما اختلفت - ماديةً كانت أو أدبيةً -
خاضعة لسلطة العلم؛ لهذا نرى أن الأمم المتمدنة - على
اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين - متشابهة تشابهاً
عظيماً في شكل حكومتها وإدارتها ومحاكمها ونظام عائلتها
وطرق تربيتها ولغاتها وكتابتها ومبانيها وطرقها، بل في
كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والأكل. هذا هو
الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوربيين ونشيد بتقليدهم،
وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوربية ».()
إن الثورة التي دعا إليها قاسم أمين
لم تقتصر على ميدان الاجتماع، بل شملت مجالات كثيرةً أهمها
الأدب واللغة؛ فقد كان من الداعين إلى كتابة الآداب
باللهجات العامية، ولا يخفى ما في هذه الدعوة من محاربة
للغة القرآن التي أراد لأصحابها أن ينسلخوا منها كما
انسلخت الأمم الأوربية الحديثة عن لغتها الأم ( اللاتينية
) .
ومحاربة لغة القرآن الكريم موقف عدائي
ضد الإسلام نفسه؛ لأن الوسيلة الضرورية لفهم هذا الدين
ومعرفة أحكامه وما ارتبط به من علوم، إنما هي اللغة
العربية الفصيحة كما نزل بها القرآن الكريم على خاتم
الأنبياء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
إن إيراد قاسم أمين أنموذجا من
النماذج العلمانية التي رفعت شعار التجديد وزعمت امتلاك
منهج للاجتهاد بالرغم من أنه ليس فقيها ولا عالما بعلوم
الشريعة؛ إنما كان بسبب الدور الطليعي الذي مثله منذ بداية
القرن الماضي في حركة التغريب وهدم أركان الشريعة
بالالتفاف الخطير على النصوص وتأويلها تأويلاً يفرغها من
معاني أحكامها الصحيحة الصريحة.
2
– طـه حسين :
يُعد طه حسين أنموذجاً ممثلاً لفئة
كبيرة من العلمانيين سارت على خطاه وحذت حـذوه في الدعوة
إلى التجديد إلى حد الانقلاب على ما تعارف عليه الأصوليون
والفقهاء من أبجديات العقيدة وبدهيات الشريعة.
والذي يقرأ مصنفات طه حسين يتبين لـه
المسار الفكري الذي اختاره وكثيرون أمثاله؛ ذلك أن الرجل
بدأ مرحلته الأولى بمهاجمة الإسلام مهاجمةً سافرةً،
محاولاً التشكيك في أصوله ونصوصه من خلال كتابه في «الشعر
الجاهلي» الذي أثار ضجةً كبيرةً وغضباً عـامـاً استتبع
ردوداً متعددةً كشفت عن تهافت الكتاب وبطـلان
دعاويــه.()
ونظرا لقوة الضجة التي أثارها الكتاب
والمصير الذي انتهى إليه ()،
لجأ الكاتب إلى تغيير طفيف في الترتيب والأسلوب بحذف بعض
العبارات التي تحمل كفراً صريحاً وهجوماً مباشراً على
الإسلام، ثم أصدر كتاباً «في الأدب الجاهلي»، لكنه لم يخل
-بدوره – من طعن ودس للسموم.
وفي الكتابين، أو على الأصح في الكتاب
الأول والنسخة المعدلة منه دارت أهم المطاعن حول محور أساس
تمثل في إنكار الوحي والقول ببشرية القرآن. ()
ومن أهم ما تضمنه كتاب «في الشعر
الجاهلي» من إنكار صريح لما جاء به الوحي:
1 – طعن طه حسين في الدين الإسلامي بتكذيبه لما أخبر به
القرآن الكريم؛ وذلك بإنكاره الوجود التاريخي لإبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام، حيث يقول: « للتوراة أن يحدثنا عن
إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن
ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات
وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا
بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة » ()
.
2 - ذهابه إلى أن المسلمين ربطوا بين الإسلام من جهة ودين
إبراهيم من جهة ثانية كي يثبتوا أولية الإسلام في الحجاز،
وكي يوجدوا له جذورا في المنطقة، يقول: « أما المسلمون،
فقد أرادوا أن يثبتوا للإسلام أوليةً في بلاد العرب كانت
قبل أن يبعث النبي [
r
] وأن خلاصة الدين وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه
الله إلى الأنبياء من قبل » ()
.
3 – ذهابه إلى تفسيرات مخالفة لما تفيده الآيات الصريحة؛
فقد زعم أن مودة النصارى للمسلمين ليس سببها أن منهم
قسيسين ورهباناً كما جاء في الآية الكريمة()،
وإنما مرجعها – كما ادعى – قلة احتكاك المسلمين بالنصارى
لانعدام وجودهم حول المدينة المنورة مركز الدولة الإسلامية
الأولى : « وأما نصرانية النصارى، فلم يكن معارضتها
الإسلام إبان حياة النبي [
r
] قوية قوة المعارضة الوثنية اليهودية... لماذا؟ ؛ لأن
البيئة التي ظهر فيها النبي [
r
] لم تكن بيئةً نصرانيةً، إنما كانت وثنيةً في مكة
ويهوديةً في المدينة، ولو ظهر النبي [
r
] في الحيرة أو نجران للقي من نصارى هاتين المدينتين ما
لقي من مشركي مكة ويهود المدينة » ()
.
4 – وضعه القرآن الكريم مع التاريخ والأساطير في صف واحد
بصفتها المصادر الموثوقة للحياة الجاهلية؛ يقول في هذا
السياق : « وإن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع،
وإنَّا نستطيع أن نتصوره واضحاً قوياً بشرط ألا نعتمد على
الشعر، بل على القرآن من ناحية والتاريخ والأساطير من
ناحية أخرى » ()
.
5 – تشكيكه الخطير في الأحكام السابقة عن الشعر الجاهلي من
خلال ادعائه أنه شعر منتحل ومصطنع لأسباب تتعلق بالدين
والشعوبية واختلاف الرواة ()؛
فما نقل عن فحول شعراء الجاهلية يقول عنه طه حسين : « إنما
هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب، أو صنعة النحاة، أو
تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين »
()
.
وإذا كان كثيرون قد تولوا الرد على
مزاعم طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي؛ فإنه لا يفوت في
هذا المقام الإشارة إلى أكبر خلل منهجي وقع فيه. ذلك أنه
ينطلق في بحثه من فروض هي مجرد تخيل قائم على الحدس والظن،
غير أنه يسير في بحثه وكأن هذه الفروض قد ثبتت صحتها وسلّم
بها حقيقة، ثم يقفز إلى استنتاجات يعدها نتائج علمية؛ مثال
ذلك : افتراضه أن ما رُوي عن ابن عباس من حفظ الشعر القديم
والاستشهاد به في معرض تفسير القرآن الكريم، إنما هو مجرد
اختراع وُضع للبرهنة على أن ألفاظ القرآن الكريم كلها
مطابقة للفصيح من لغة العرب – ولا يخفى ما في هذا الزعم من
بطلان - ، أو أنه اختراع وُضع لإثبات أن ابن عباس كان من
أحفظ الناس لكلام العرب الجاهليين، وعليه فإن إثبات قوة
الذاكرة لابن عباس يخدم أهداف الشيعة السياسية؛ لأن ابن
عباس كان يشهد بأن عليا أقوى منه ذاكرة.
وهذه الفروض التي ليس لها أي أساس
علمي أو تاريخي، يبدأ صياغتها- غالبا -على نحو :
-
«أليس من الممكن أن
تكون قصة ابن عباس قد اخترعت لكذا وكذا من الأسباب ».
-
«أليس من الممكن أن
...»
-
«لعل ...»
-
«أكاد أعتقد ...»
هذه الفروض يحولها طه حسين بـ«لعل» و بـ«أليس من الممكن»
من محض افتراضات واحتمالات بعيدة إلى نظريات ثابتة ونتائج
علمية مؤكدة؛ حيث ينتهي إلى القول : « ولكننا محتاجون بعد
أن ثبتت هذه النظرية (؟!) أن نتبين الأسباب المختلفة التي
حملت الناس على وضع الشعر وانتحاله بعد الإسلام » ()
. ولا يجد الباحث أي سند علمي يفيد ثبوتها.
إن خطورة دعاوى طه حسين حول الشعر
الجاهلي لا تقف عند حد الشعر الجاهلي نفسه، ولو كان الأمر
كذلك لكان هيِّناً، ولكن مَكْمَن الخطر أن المسألة تمس
النص الإلهي الموحى به إلى الرسول
r
؛ إذ تحيله إلى نص بلا دليل من لغة العرب يدل عليه ويصدق
إعجازه. ()
ذلك أن النص القرآني - عندما نزل -
كانت العرب قد وصلت إلى قمة الفصاحة والبيان، فنـزل هذا
النص ليعجزهم عن أن يأتوا بمثله أو بأقل سورة منه. قال
تعالى:
-
}
أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
{
() .
-
}
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا
نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ
مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ
{
()
.
-
}
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِثْلِـــــــــــــــــهِ وَادْعُوا مَنِ
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ
{
()
.
والرقي اللغوي الذي وصله العرب -
فصاحةً وبياناً -، جله كان شعراً لا نثراً، فلم تخل قبيلة
- من قبائل العرب - من شاعر أو شعراء يتبارون في نظم أبلغ
شعر وأعذبه، وكفى الشعر تأثيراً أن بيتا أو بضع أبيات منه
كانت كفيلةً بالرفع من شأن قبيلة كلها أو الحط منها، بل
كانت سببا كافيا لإشعال نار الحرب أو إطفائها.
وهذه العناية البالغة بالشعر - في عصر
ما قبل الإسلام - شاهدٌ على حفظ اللغة أولاً، وبرهان على
مستوى السمو والرقي الذي وصل إليه العرب بها ثانياً.
ودعوى طه حسين إنكار الشعر الجاهلي لا
يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة – كما يقول أحد الباحثين - : «
هو نزول النص الإلهي في أمة لا شاهد لها على فصاحة لغتها
وإبانة لسانها؛ مما يجعل آيات كثيرةً من النص عرضةً للتقول
بأنها غير ذات موضوع؛ لأنها أتت تتحدى العرب بفصاحة لغتهم
وبلاغتها، وفي إنكار الشعر الجاهلي – الذي أودع لغة العرب
فحفظها لهم – يصبح موضوع التحدي غير قائم أصلاً...»().
هذه هي النتيجة الخطيرة التي تترتب
على ما ادعاه طه حسين: تحويل لغة النص الإلهي إلى لغة لا
دليل على أنها لسان عربي مبين إلا النص نفسه؛ مما يفتح
المجال – واسعاً - أمام المنكرين للنص وقدسيته ليتقولوا
عليه وعلى لغته الرصينة ما شاءوا من تقول وافتراء.
ومع أن دعاوى طه حسين قد حوصرت في
مهدها بردود كثيرة، فإن تداعياتها لم تختف تماما؛ فقد مثلت
أنموذجاً لكثير ممن جاءوا بعده وحاولوا الظهور بمظهر
المجتهد المجدد كذلك، وهم - في حقيقتهم - لم يتجاوزوا
تقليد أرباب الاستشراق الذين لم يأل كثير منهم جهداً للطعن
في الإسلام وحقائقه الكبرى.
إن طه حسين وقاسم أمين وغيرهما ممن
ساروا على نهجيهما لم يضيفوا شيئا أكثر من ترديدهم لآراء
كبار أساتذتهم المستشرقين، وقد كفى بعض الباحثين مؤونة
البحث والتقصي في هذه المسألة بتحقيق المرجع الأصلي لكل
الدعاوى الخطيرة من مثل دعوى إنكار الشعر الجاهلي، حيث
عقدوا مقارنات بين آراء الأستاذ المستشرق – المتقدمة زمنا
طبعا – وبين صدى هذه الآراء لدى التلميذ المقلد.
والنتيجة التي انتهت إليها المقارنات
هي أن ما زعمه طه حسين حول الشعر الجاهلي إنما هو إعادة
صياغة لرأي()
المستشرق مرجليوت
()
، وأن ما أراد أن يصل
إليه من فكرة بشرية القرآن إنما هو استنساخ لرأي
المستشرق الإنجليزي جب.()()
في ذكرى احتلال العراق
بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاحتلال بغداد نتقدم
بإهداء هذه القصيدة ( رثاء الأندلس أو بغداد/ بغدان / مدينة
السلام ) لكافة اللاعبين في المسرح العراقي المحتل، لعلهم
يستيقظون من سباتهم ويتوبون إلى الله بتذكر نكبة الأندلس التي
بكاها أصاغر ها الذين ضيعوها ولم يحفظوها كما حفظها الأكابر من
قبلهم، ولعل هذه القصيدة أولى بها أن تكون رثاء لبغداد، وكأنما
أبو البقاء الرندي يقول:
فاسأل بلنسية ما شأن مرسـية
وأيـن شاطبة أم أين بغــــدان ؟
تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ من أسفٍ
كما
بكـى لفـراقِ الإلـف هيمـانُ
على ديار من الإسلامِ خالـية قد أقفرت ولها بالكفـر
عـمــرانُ
كم يستغيثُ بنا المُستضعفُونَ وهم
قتلى وأسـرى فما يهتـزَّ إنســانُ
لمثلِ هذا يبكي القلب من كمدٍ إن كان في القلبِ إسـلامٌ
وإيمــانُ
رثاء بغداد ( الأندلس)لأبي
البقاء الرندي
لِكُلِّ شَيءٍ إذا ما تمَّ نُقصَـــانُ
فلا يغرُّ بطِيب العَيشِ إنســانُ
2 هيَ الأمورُ كما شاهدتُـها دُولٌ من
سره زمنٌ ساءتهُ أزمـــانُ
3 وَهَذِهِ الدَّارُ لا تبقِي على أحـدٍ
ولا يدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شــانُ
4 أين المُلُوكُ ذوي التُيجانِ مِن يمنٍ
وأين منهم أكاليلٌ وتيجـــانُ
5 وأين ما شادهُ شــدادُ في إرمٍ
وأين ما ساسهُ في الفُرسِ ساسـانُ
6 وأين ما حازه قارون من نهـبٍ
وأين عادٌ وشدادٌ وقحطـــانُ
7 أتى على الكل أمر لا مـرد لهُ
حتى قضوا فكأن القوم ما كانُـوا
8 وصارماكان من ملك ومن ملكٍ
كما
حكىعن خيال الطيف وسنانُ
9 كأنماالصعب لم يسهل له سببٌ
يوماً
ولا ملك الدنيا سليمــانُ
10 فجائع الدنيا أنواعٌ منـوعةٌ
وللزمان
مسراتٌ وأحــــزانُ
11 وللحوادث سلوانُ يسهلها
وما
لما حل بالإسلام سلـــوانُ
12 دهى الجزيرة أمرٌ لا عـزاء لهُ
هوى له أحدٌوانـهد شهــلانُ
13 أصابهاالعينُ في الإسلام فارتزأتُ
حتى خلت منه أقطارٌ وبلــدانُ
14 فاسأل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيـــانُ
15 وأين قرطبة دار العلوم فكم
من عالم قد سما فيها له شــأنُ
16 وأين حمصُ وما تحويه من نزهٍ
ونهرها العذب فياض ومــلآنُ
17 قواعد كن أركان البلاد فمـا عسى
البقاء إذا لم تبق أركــانُ
18 تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ من أسفٍ
كما
بكى لفراقِ الإلف هيمـانُ
19 على ديار من الإسلامِ خالـية
قد أقفرت ولها بالكفر عمــرانُ
20 حيث المساجدُ صارت كنــــــائس
مافيهنَّ إلاّ نواقيسٌ وصلبانُ
21 حتى المحاريب تبكي وهي جامدةٌ
حتى
المنابرُ تبكي وهي عيــدانُ
22 ياغافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ
إن كنت في سنةٍ فالدهرُ يقظـانُ
23 وماشياً مرحاً يلهيه موطـنهُ
أبعد حِمصٍ تغرُّ المرء أوطــانُ
24 تلك المُصيبةُ أنست ماتقدمها
ومالها من طوالِ الدهرِ نسـيانُ
25 ياراكبين عتاق الخيل ضامـرة
كأنها في مجال السبقِ عقبــانُ
26 وحاملين سيوف الهند مرهفـةً
كأنها في ظلام النقع نـــيرانُ
27 وَرَاتِعِين وراء البحر في دَعَـةٍ
لَهُم بأوطانهم عزٌ وسلطـــانُ
28 أعندكم نبأٌ من أهلِ أندلـُسٍ
فقد سرى بحديثِ القومِ ركــبانُ
29 كم يستغيثُ بنا المُستضعفُونَ وهم
قتلى
وأسـرى فما يهتزَّ إنسـانُ
30 لمثلِ هذا يبكي القلب من كمدٍ إن
كان في القلبِ إسلامٌ وإيمـانُ
بقدر ما سر الإسلاميون بخروج
معتقلي الرأي والتيار الإسلامي من السجن، كان حزنهم لعدم إطلاق
سراح الأخوين أحمد الشايب وأحمد شهيد على رغم ظروفهما الصحية،
ومرور أكثر من عشرين سنة على اعتقالهما.
الأخَوَان الأحمدان الشايب وشهيد اعتقلا سنة 1982 قبل بلوغهما
سن المسؤولية القانونية الكامل، بسبب منشور دسه على الشباب سيئ
الذكر إدريس البصري بواسطة أحد بيادقه، ثم اعتقلهم من أجله
ليبرهن على إخلاصه ويقظته وحزمه.
وفي سنة 1984 بسبب هذا المنشور الركيك معنى ومبنى، صدر عليهما
وعلى زملائهما حكم بالإعدام.
وفي ليلة22/23
ديسمبر 1987، عقب أزمات نفسية أصابت كليهما بسبب الظلم الفادح
الذي لحق بهما قررا الفرار من السجن، وكان اشتباك معهما من قبل
حراس السجن انتهى بإعادتهما إليه ومحاكمتهما مرة أخرى.
نحن نعتقد أن الظروف القاسية التي مرا بها منذ صباهما، وفي
فترة سجنهما المبكر، كانت كفيلة بالنظر إلى أمرهما بعين الأبوة
الرفيقة وقلب الوالد الرحيم، ومع ذلك نحن لم نفقد الأمل في
إنصافهما بإطلاق
سراحهما وتسوية وضعهما، مع كل من بقي في السجن من الإسلاميين،
بذلك تتم الفرحة ويعم الوئام وتطيب النفوس .
أصداء حول كتاب فقه
الأحكام السلطانية
جريدة
الأيام المغربية تكتب:
مطيع ينظر لدولة الخلافة
- انتقد البدائل السياسية لدى مفكري الصحوة الإسلامية
المعاصرة وطرح بديله الخاص لبقاء الجيل الجديد.
- القرآن قرر أن يشترك الناس في
التدبير العام لأمرهم مما ينسف فكرة " الحاكم والمحكوم من
أساسها".
- نقطة ضعف مسار الصحوة الإسلامية
أنها تدعو إلى نظام تدبير سياسي غير واضح المعالم.
- تطوير الفقه السياسي لدى المسلمين
بما يعيد الأمة إلى نظام الخلافة على منهاج النبوة ضرورة ملحة
يفرضها واقع الظلم والاستبداد.
صدر للمرشد العام للشبيبة الإسلامية
المغربية كتاب " فقه الأحكام السلطانية - محاولة نقدية للتأصيل
والتطوير" يتناول ثمانية أبواب هي على التوالي: الفكر السياسي
لدى الصحوة الإسلامية المعاصرة، التجربة السياسية للعرب قبل
الإسلام، تجربة الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، فترة استنبات
الفكر السياسي لدى المسلمين، التصنيف السياسي الفلسفي، فقه
الأحكام السلطانية لدى الفقهاء والمتكلمين، التصور الإسلامي
للنظام السياسي بناء فكريا، التشريع الشوروي مجالا ومصادر
ومقاصد؛ ولئن كان الكتاب ذا طبيعة أكاديمية فإنه لا يخلو من
إشارات سياسية ذات بعد تنظيمي.
يرى عبد الكريم مطيع أن الشورى
القرآنية كفيلة بما يحل مشكلة السلطة والتسلط ويجعل الناس
سواسية، ذكرا وأنثى، شعوبا وقبائل ليتعارفوا، أكرمهم عند الله
أتقاهم. وهذا جوهر الخلافة على منهاج النبوة- يقول- الذي نسعى
إليه، إلا أن سعينا هذا – يضيف – مفتقر إلى أدوات تغيير وآليات
بناء، وتركيبة اجتماعية اقتصادية سياسية ثقافية قابلة
للاستمرار والبقاء. فهل دعاة عصرنا قادرون على توفير ذلك؟ بل
هل يعرفون حق المعرفة طبيعة هذه الأدوات والآليات، وما يضمن
للنظام الشوروي- إن قام- الاستمرار والبقاء، فلا ينقلب عليه
كما فعل بالخلافة الراشدة الأولى؟
إن أول أدوات التغيير - يجيب – بناء
التصور السياسي لنظام الإسلام واضح المعالم بين الأركان كفيلا
بالقضاء على عقلية التسلط والإذلال.
وإن أول آليات البناء – حسبه – هو
تحويل هذا التصور، ضمن منهج عقدي تربوي، إلى رجال يسعون
ويبذلون، وأول لبنات التأسيس الاجتماعي القادر على البقاء
والاستمرار هو المبادرة بالممارسة الشوروية الحقة لدى الجيل
القائم تدريبا وترشيدا، ومصابرة ومطاولة، مع تنشئة أجيال تالية
على المنهج الشوروي في البيت والمدرسة، بالروض والتعليم
الأساسي والمتوسط والثانوي والجامعي والعالي؛ بذلك تنشأ الأمة
غير القابلة للتسلط والاستبداد والإذلال والحجر وبذلك أيضا
نكون قد وضعنا عجلات القطار على سكة الفولاذ.
على هذا النهج - يؤكد مطيع – ينبغي
أن يسير بناة الجيل الجديد، من مفكري الإسلام المصرين على
عودته إلى دنيا الناس، بتشييد الخلافة الراشدة الثانية على
منهاج النبوة. وهو يوضح أن كتابه هذا لبنة من لبنات بناء
التصور السياسي المنشود، وخطوة ينبغي أن تتلوها خطوات أكثر
اتزانا ورشدا، يقوم بها من آنس في نفسه استعدادا وقدرة.
ويلاحظ زعيم الشبيبة الإسلامية
المغربية أن الفكر الشيعي المعاصر اتسم بظاهرة إيجابية حديثة
هي تحرره من قيدين أحدهما من التراث الإمامي الخاص ، هو عقيدة
الانتظار التي كبلته قرونا ومنعته من التطور. وثانيهما من تراث
أهل السنة، هو قيد خوف الفتنة، الذي برروا به حكم الاستبداد،
وأصلوا به تشريع الرضا بالفساد وعدم جواز الخروج على الظلم.
إلا أن البديل الذي صاغه الفقه الشيعي المعاصر في نظرية ولاية
الفقيه لم يتجاوز نطاق الحكم الفردي الذي ينوب فيه الفقيه عن
الإمام المنتظر.
ولئن حاول بعض فقهاء هذا الاتجاه -
يقول – أن يثبتوا أن دور الولي الفقيه في القيادة الفردية لا
يلغي دور الأمة التي ترك لها مجال المشاركة بإبداء الرأي
والنصيحة أو بالانتخاب والاستفتاء، فإن صميم العلاقة بين الأمة
والولي لم تخرج مطلقا عن دائرة الحاكم والمحكوم، وهو ما يوجد
لدى فقهاء السنة أيضا على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
أما الاتجاه السلفي المعاصر – حسبه-
فيتجاذبه سياسيا تياران:
تيار السلفية الموالية للأنظمة
القائمة، ويرى في كل متغلب إماما شرعيا لا يجوز الخروج عليه،
ولو كان جاهلا أو فاسق المعتقد والسلوك أو غير قرشي. واستعان
رواد هذا التيار في تبرير ما ذهبوا إليه بتأويلات انتقائية
ومغالية لبعض نصوص الكتاب والسنة، احتطبوها من آراء الرجال،
مثل ما ذهب إليه أبو يعلى الحنبلي في الأحكام السلطانية، مما
نسبه إلى عبد الله بن عمر من قول" الجمعة مع من غلب"، أو إلى
الإمام أحمد بن حنبل حول شرعية إمامة المعتصم العباسي، وهو أمي
وسكير وفاسق العقيدة يقول بخلق القرآن.
بهذه المرجعية – يعلق مطيع – استنبتت
السلفية الموالية المعاصرة فتاوى اتخذت متاريس لحماية
الاستبداد والظلم والفساد، وقمع انتفاضات المطالبة بالحرية
والعدل والكرامة.
أما التيار الثاني فهو السلفية
الخارجة أو الثائرة، وتمثلها حركة جهيمان العتيبي ومحمد بن عبد
الله القحطاني في نهاية القرن الرابع عشر الهجري بمكة المكرمة،
والجماعات الإسلامية المقاتلة في أفغانستان ومصر والجزائر.
ولئن كان هذا التيار قد تمرد على نظرية خوف الفتنة لدى الفقه
السني وخرج عنها، فإنه لم يستطع في نظرته السياسية أن يغادر
إطار حكم الفرد الذي له من ورعه وتقواه وصدقه وإخلاصه ما يملأ
به الأرض عدلا بعد ما ملئت جورا وظلما. وهو ما يعرف بنظرية
العادل المستبد الذي تنصبه جماعة من أهل الرأي أو أهل الحل
والعقد، قد يتقلص عددها إلى ثلاثة أفراد أو فردين أو فرد واحد
ولو سرا، طبقا لاختلاف الفقهاء والمتكلمين في الأمر. وكان مآل
هذا التيار أن استطاع هدم ما هو قائم، أو خلخلة أركانه، ولكنه
لم يقدر على بناء البديل الإسلامي الحق ، تصورا ونظاما ونموذجا
حضاريا عمليا للحياة.
ويرجع مطيع عدم وصول الفكر السياسي
للصحوة الإسلامية المعاصرة إلى مستوى من الحركة الحقيقية
الإيجابية للتطور المنشود رغم كونه غير خاضع لناموس الجود
والسكون والاستقرار إلى عدد من الأسباب، يعتبر أهمها:
-
تراكمية التراث البشري المدون، الذي لم تتم دراسته وفرزه
وسبره، وما حقق منه ونشر كان التقريظ والإعجاب سمة تقديمه، لذا
لم ينل حظه من النقد البناء المستند إلى الكتاب والسنة، مما
يهدد بانتكاسة فكرية في هذا المجال. ذلك أن التراث البشري إما
أن يعاد تقديمه بمنهج نقدي موضوعي فيكون منطلقا للتطوير وركيزة
للتجديد، وإما أن يقدم كمثال نموذجي يحتذى - وهو واقع الحال –
فيكون خطوة إلى الوراء وانتكاسة إلى الخلف وعرقلة في سبيل
التأصيل والتحديث.
-
استعجالية بعض الصادقين من التيار الإسلامي، ومبادرتهم
بالمصاولة قبل اتضاح الرؤية وتبين الهدف وتكامل البديل.
-
انتهازية الوصوليين من المنتسبين إلى التيار الإسلامي، وحرصهم
على سرقة جهود الحركة الإسلامية ومقايضة الحكام بها، استجلابا
للمناصب والرتب، واحتلابا للمصالح والمنافع الآنية.
فما مدى قدرة الصحوة الحالية على
الخروج من المأزق ومغادرة النفق إلى رحاب النظام الإسلامي
الرشيد؟
يتساءل ليجيب: إنه لا بد من مراجعة
نقدية للتاريخ العربي السياسي جاهلية وإسلاما، تطبيقا سياسيا
وفقها نظريا، ومعرفة لأوجه الصواب فيه والخلل، والتأثير
والتأثر،ومدى تطابقه أو تعارضه مع الشريعة الإسلامية، دراسة
معمقة تجمع بين الفقه والتاريخ، وتحاكمهما معا إلى الكتاب
والسنة. ولا تعارض مطلقا في هذا، لأن الفقه هو مجرد فهم المسلم
للنصوص، والتاريخ هو عمل المسلم وتصرفه تحت عين النصوص خضوعا
لها أو تحايلا عليها أو تمردا ضدها. وبين الفقه والتاريخ عملية
إثراء متبادلة،يتأثر التاريخ بالفقه لأن الأحكام الفقهية نافذة
في التصرفات، ويتأثر الفقه بالتاريخ لأن كل تصرف يستصدر له حكم
فقهي خاص، ويختلف الفقهاء في حكمهم على التصرفات تبعا لظروف
الزمان والمكان والبيئة، وحالات الاختيار والاضطرار والحرية
والإكراه. يتطور الفقه والتاريخ معا إلى الأمام أو يرتكسان معا
إلى الحضيض، على قدر علاقتهما بالشريعة الإسلامية، ومفاهيمها
الحضارية. فهما فرسا رهان الحياة الدنيا، لابد لفهم أحدهما من
فهم الآخر. ولئن خفي هذا الارتباط الموضوعي بينهما في بعض
المجالات، فهو في المجال السياسي أشد وضوحا.
جريدة الأيام المغربية العدد 38
جريدة
العرب اللندنية:
عرض
لكتاب: فقه الأحكام السلطانية- محاولة نقدية للتأصيل
والتطوير
بقلم
: الدكتور عبد الله زكرياء
نشرت جريدة
العرب اللندنية في عددها ليوم الثلاثاء14 جمادى
الآخرة1424هـ،
موافق 12-8-2003م ،عرضا وتحليلا لكتاب الشيخ عبد الكريم
مطيع ( فقه الأحكام السلطانية – محاولة نقدية للتأصيل
والتطوير )
بقلم المفكر السوداني
الدكتور عبد الله زكرياء، ننشره بدورنا تعميما للفائدة وتشجيعا
على الحوار البناء
أصدر الأخ الشيخ عبد الكريم مطيع آخر مؤلفاته حول الفقه
السياسي الإسلامي التراثي والمعاصر بعنوان" فقه الأحكام
السلطانية- محاولة نقدية للتأصيل والتطوير"؛ وكان منتظرا أن
يسير على سنن من سبقه للكتابة في هذا الفن من فقهاء وفلاسفة
قدماء ومحدثين، إلا أنه آثر أن يشق طريقا جديدا فيه من الجراءة
والتحدي والجدة ما قد يجلب عليه المتاعب من لدن المحافظين في
التيار الإسلامي والحداثيين من التيار التجديدي.
لقد كانت المفاجأة في هذا الكتاب أن صاحبه حاول نسف كل ما سبقه
من فقه سياسي تراثي ومعاصر، حتى إن الباحث ليكتشف فيه ثورة
فكرية تهدم ما تقدمها، وتؤسس لمنهج حكم أكد صاحبه أنه انبثاق
أصيل من مرجع واحد ووحيد هو الكتاب والسنة.
كيف سار الأخ عبد الكريم في بحثه هذا، على رغم ما يحف به من
محاذير، وما يعترضه من مخاطر؟ وما هو المنهج الذي التزمه في
التحليل والاستنباط والتجريد واستخلاص الأحكام ؟
ينبه الكاتب في مقدمة الكتاب إلى أن هدفه الأول هو معالجة نقطة
ضعف في مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة، هي أنها ( تدعو إلى
نظام تدبير سياسي غير واضح المعالم، مما يبرر لخصومها تساؤلهم
عن طبيعة المشروع السياسي في الإسلام) - ص13-؛ إلا أنه في نفس
الوقت يحذر القارئ من الذاتية التي يكتسيها البحث، وتتعارض
أحيانا مع الموضوعية العلمية، ليكون على بينة من طبيعة الدراسة
ومنهجيتها وانتماء صاحبها وعدم حياديته، إذ ( حيادية المرء في
قضية تتعلق بحاضره ومستقبله حكم بالإعدام يصدره في حق نفسه
وخطوة متقدمة نحو إلغاء ذاته وهويته وأمته، إلا أن هذا الموقف
غير الحيادي لا يبرر غض الطرف عن السلبيات بدعوى الإخلاص
والانتماء، لأن من صميم الصدق والإخلاص للانتماء العمل على
الترشيد بالنقد البناء والنصح الأمين) ص20
لقد انطلق الكاتب من زاوية تعانيها الصحوة الإسلامية المعاصرة،
هي انعدام تصور واضح لنظام الإسلام السياسي المنبثق حقا من
الكتاب والسنة، برغم رفعها شعار الخلافة التي بشر بها الرسول
صلى الله عليه وسلم والتي تملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا
وظلما، والتي لم تقدَّم لحد الآن في الفكر السياسي لدى
المسلمين إلا على شكل ( تصورات منحرفة تبشر بالاستبداد وترسخه
وتمد له، فران على مجتمع المسلمين ركام تراث مضطرب ومتاهات
اجتهادات متناقضة، من أقصى دعوات الحكم الفردي المطلق إلى أشد
دعوات التحلل الديمقراطي والانسلاخ اللبرالي من كل القيم) ص18،
( إن تصور الصحوة الإسلامية لطبيعة النظام السياسي غائم
ومضطرب، ولئن كان الإجماع يكاد يطلق عليه مصطلح " إمامة " أو "
خلافة " أو "إمارة المؤمنين"، فإن مضمون هذا النظام وشكل قيامه
وطرق تدبيره لأمر المسلمين مما لم يتضح بعد في كتابات القوم) ص
20
هذا الخلل الفكري- كما يرى المؤلف- ساهم في تمزيق صف الصحوة
المعاصرة إلى شيع متنافسة متناحرة، يخذل بعضها بعضا ويستثمر
بعضها جراح بعض؛ وبدلا من أن تتجه هذه الفصائل نحو بناء تصور
سياسي إسلامي يوحد ويحرر ويملأ الأرض عدلا ورحمة كما أشار إلى
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارتكست في حمأة التكتيكات
الساذجة الصغيرة، مما أقحمها في حلقة مفرغة لا تكاد تتحرر من
إسارها.
هذا هو هدف الكاتب من هذا المصنف الجديد، فما هو المنهج الذي
سار عليه في البحث والتنقيب والتجريد والحكم والتعميم؟ وهل وفق
في طرحه لهذه الإشكالية ذات الأبعاد العقدية والتشريعية
والسياسية المعقدة؟ ولم اختار أسلوب هدم ما تقدمه من فكر سياسي
لدى الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة
وكتاب السير ومرايا الملوك ومفكري الصحوة الإسلامية المعاصرة؟
بدءا بالفارابي وابن سينا والماوردي والغزالي والتفتازاني
والأشعري والرازي ، وانتهاء بالطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي
والسنهوري والمودودي والترابي ، وما ورد في الفقه السياسي لدى
مفكري الشيعة ومنظري السلفية المعاصرة موالية وثائرة، وما
تداولته المؤتمرات والندوات وأدوات الإعلام المعاصرة في هذا
الباب؟
الكتاب يجيب على هذه التساؤلات بأسلوب أدبي شيق ورصين ومتمكن
من ناصية اللغة العربية وآدابها، فهل كان المحتوى في مستوى
التعبير الفني الذي صيغ به؟ وهل مشروع النظام السياسي
الذي جعله مضمونا للخلافة على النهج النبوي قابل للتطبيق؟ وهل
الكتاب حقا إرهاص بالبشرى المحمدية التي وردت في الحديث الصحيح
الذي صدَّر به الكتاب؟
لقد نبه المؤلف في الباب الأول إلى النهج الذي سار عليه في
دراسته، وهو نهج يعد أيضا تمردا على نهج فقهاء الأحكام
السلطانية قدماء وجددا؛ إذ ميز فيه بين الكتاب والسنة من جهة،
وبين الجانب السياسي من الفقه والتاريخ، هذا الجانب الذي أخضعه
للنقد القرآني على ضوء السنة الصحيحة ومقاصد الدين العليا، ثم
راجع من خلال ذلك كله تاريخ النظم السياسية لدى المسلمين،
جاهلية وإسلاما، تطبيقا عمليا وفقها نظريا، مبينا أوجه الصواب
والخلل، ومدى التطابق فيه أو التعارض مع الشريعة الإسلامية،
مؤكدا أن الدراسة المعمقة التي تجمع بين الفقه والتاريخ
وتحاكمهما إلى الكتاب والسنة كفيلة بتوضيح معالم الهداية إلى
النظام السياسي الإسلامي الحق( ولا تعارض مطلقا في هذا، لأن
الفقه هو مجرد فهم المسلم للنصوص، والتاريخ هو عمل المسلم
وتصرفه تحت عين النصوص، خضوعا لها أو تحايلا عليها أو تمردا
ضدها؛ وبين الفقه والتاريخ عملية إثراء متبادلة، يتأثر التاريخ
بالفقه لأن الأحكام الفقهية نافذة في التصرفات، ويتأثر الفقه
بالتاريخ لأن كل تصرف يستصدر له حكم فقهي خاص.....فهما فرسا
رهان الحياة الدنيا، لابد لفهم أحدهما من فهم الآخر؛ ولئن خفي
هذا الارتباط الموضوعي بينهما في بعض الحالات، فهو في المجال
السياسي أشد وضوحا ) ص 35
تطبيقا لهذا المنهج قام الكاتب بعملية مسح نقدي شامل للتراث
السياسي الفقهي والتاريخي لدى المسلمين، على أساس أن لدينا
نبراسا واحدا للحكم الرشيد مستمدا من الكتاب والسنة الصحيحة،
وأسوة واحدة في معصوم واحد هو الرسول صلى الله عليه وسلم. إلا
أنه بدلا من أن يستعرض ذلك بأسلوب طردي متتبعا تطور الفقه
السياسي من بدء نشأته إلى مباحث الصحوة المعاصرة، آثر أن يسير
على نهج عكسي، مبتدئا بدراسة الفقه السياسي المعاصر باعتباره
ثمرة أخطاء وتراكمات تاريخية وفقهية عاقته عن التجدد والتطور
والاستنارة، ثم عقب على ذلك بالبحث عن جذور الانحراف في مسيرة
الفقه السياسي منذ عصر الجاهلية إلى فكر الصحوة السجين في
أربعة أقفاص فكرية هي:
1 - منحي الفقهاء والمتكلمين حول فقه الخلافة بصفتها
حكما فرديا مبنيا على اجتهادات تحكمية ليس لها أساس في الكتاب
والسنة.
2 – منحى ديمقراطي حزبي تعددي تداولي صرف على النمط الغربي.
3 – منحى تلفيقي ازدوج فيه الفكر الديمقراطي الغربي بفكر
الفقهاء والمتكلمين، من أجل بناء تصور يجمع بين ما رأوه صالحا
لدى الطرفين.
4 – منحى ازدوج فيه الانتظار الشيعي بالديمقراطية الغربية في
نظرية ولاية الفقيه، أسفر عن عملية استنساخ نظام غربي في ثياب
شيعية، فرفضه الديمقراطيون العلمانيون، والشيعة المحافظون،
والمتشبثون بعقيدة الانتظار.
أما التراث السياسي لما قبل الصحوة المعاصرة فقد حصره الكاتب
في صنفين: تراث مكتوب هو الإنتاج الفكري لفلاسفة العرب
المسلمين، وعدَّه ترديدا يكاد يكون حرفيا لتراث اليونان والهند
والصين، ثم الإنتاج الفكري للفقهاء والمتكلمين، ما ربط منه
بأصل العقيدة واتخذ جذورا له في المعتقدات الفلسفية الإشراقية
حول القائد الملهم المتصل بالعقل الفعال، المعصوم من الزلل
ملكا أو فيلسوفا أو إماما، كما لدى الشيعة في فلسفة الانتظار
أو ولاية الفقيه؛ وما عد منه ضمن فقه الفروع أو الآداب
السلطانية ومرايا الملوك مما هو انعكاس لتجربة عرب ما قبل
الإسلام، ملكية مستبدة وحكما فرديا مطلقا، كما لدى أهل السنة.
أما تراث التجربة العملية فلم يتجاوز تجربتين: إحداهما راشدة
كانت في طور التأسيس لخلافة على نهج النبوة، تفيأ بها المسلمون
وغيرهم في ظلال العدل والمساواة والحرية، ولكنها كانت في
معظمها شفوية لم تواكبها دراسات فكرية سياسية تشرح ركائزها
ومنطلقاتها ووسائلها وأدواتها، وهو أمر طبيعي لأن الأمة كلها
كانت شفوية الثقافة والتفكير، كما أن هذه التجربة لم تعط فرصة
الاكتمال، واعتبطت في شرخ الشباب بانقلاب الملوكية العربية
المتأثرة بالنهج الجاهلي عليها.
أما التجربة الثانية فنظام الملوكية العاضة والجبرية، وقد كانت
في مبدأ أمرها عربية متأثرة بعادات الجاهلية وأعرافها
وتقاليدها، على يد بني أمية وبني العباس والفاطميين، ثم تحولت
سلطنة عجمية مملوكية؛ وفي كل الأحوال كانت تغرف من معين واحد
هو الحكم الفردي المطلق، المبرر حينا بالنصوص المنتقاة،
وأحيانا بمجرد النطع والسيف.
إن هذه المحصلة التي وصل إليها الكاتب بينت له بوضوح تام أن
الفكر العربي الإسلامي عجز عن وضع تصور متكامل للنظام السياسي
الإسلامي الحق، وأنه كان طيلة عمره عالة على غيره استيرادا
وأسلمة. وأن عليه ليخرج من هذه الحلقة المفرغة أن يبدأ مسيرة
البناء الفكري لنظام الإسلام، قبل أن يجدَّ السير نحو
البناء العملي لدولة الإسلام. وأن يتجاوز العوائق والعقبات
والحواجز التي تعترضه، ومن أهمها:
1 – بعض النظم القائمة في الوطن العربي والإسلامي، المعترضة
على كل تغيير أو تطوير أو تحرير.
2 - التحديات الحضارية لنظم ديمقراطية غربية قائمة فعلا، وفرت
لشعوبها - في أضعف الاحتمالات- الحد الأدنى من الكفاية
الاقتصادية والاجتماعية والتكافلية والكرامة الإنسانية.
3 - تراكم تراث الفكر والتجربة مما لم يدرس ولم يرشد ولم يفرز
غثه من سمينه.
4 - مركبات النقص التي تعانيها الأمة تجاه ثقافات الغير.
5 - الرقابة الذاتية التي يمارسها على الفكر بعض المفكرين
الإسلاميين المنتمين إلى مصالحهم الشخصية.
6 - سيطرة الطبقية السلطوية حكما ومالا وعلما ونسبا على
المجتمع، مما جعله طائفتين متباينتين تحاول كل منهما إلغاء
الأخرى.
7 - واقع الحركات الإسلامية المعاصرة، عفوية حركية وتمزقا
تنظيميا، وافتقادا للبديل الواضح البين الناضج الرشيد.
8 - كيفية التعامل مع القرآن الكريم بجعله عضين، يضرب بعضه
ببعض، وتحرف آياته عن معانيها ومقاصدها.
اندثار اليسار المغربي
وأخيرا : شهدوا على
أنفسهم
نشرت
صحيفة الشرق الأوسط مراسلة من الرباط من مراسلها منصف السليمي
في عددها ليوم
05/05/2003
بعنوان:
قياديون يساريون
مغاربة يحذرون من اندثار اليسار
ونحن تعميما للفائدة
نعيد نشر هذه المراسلة :
حذر قياديون ونشطاء يساريون في المغرب من حالة انهيار واندثار
تهدد أحزاب اليسار
إذا لم تقع جهود حثيثة لتوحيدها وإعادة هيكلتها، في مواجهة
" المد الأصولي" المتنامي،
الذي تباينت آراؤهم إزاء استراتيجية التعامل معه.
وقال أحمد حرزني العضو القيادي في " حزب اليسار الاشتراكي
الموحد "، الذي كان يتحدث الليلة قبل الماضية في ندوة عقدتها "
جمعية حركة المبادرات الديمقراطية " غير الحكومية التي يرأسها
عبد الله ساعف وزير التربية الوطنية السابق: إن أحزاب اليسار
ستضيع فرصة تاريخية إذا لم توظف معطيات المرحلة الراهنة التي
يجتازها المغرب في عهد الملك محمد الساادس.
ودعا حرزني الفصائل اليسارية التي تتبنى نهجا " جذريا" إلى
الانضمام في جبهة موحدة من أجل تحقيق الديمقراطية في البلاد،
معتبرا أن هناك أطرافا وصفها ب" الجناح" داخل النخبة الحاكمة
حاليا قابلة للتجاوب مع استراتيجية بناء المؤسسات الديمقراطية،
موضحا قوله إن " النخبة الحاكمة أو ما نصفه بالمعسكر الآخر ليس
متجانسا كما نتصوره وعلينا التعامل بواقعية ورسم أهداف متواضعة
يمكن الوصول إليها بدل الحلم "، مقترحا في هذا الصدد ثلاث
أولويات هي الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية
والإصلاحات الديمقراطية.
وانتقد حرزني مظاهر الريبة والشك والتقوقع على الذات
والتفسيرات الذاتية للآخرين وهيمنة الزعامة، التي تستشري داخل
الأحزاب اليسارية وتعوق فرص التوحيد والاندماج فيما بينها،
معتبرا أن الوقت ضيق جدا وإذا أخفقنا كيسار في تحقيق أهداف
واضحة ببلادنا فعلينا الاستقالة الجماعية والاكتفاء بدور
الناصحين للحاكمين.
وعقب محمد الساسي رئيس جمعية " الوفاء للديمقراطية " اليسارية،
على حرزني بقوله : " إذا فشلنا فعلينا تقديم استقالتنا وتسليم
المشعل للأجيال المقبلة وليس للحاكمين" . واقترح الساسي إنشاء
حزب اشتراكي كبير يوحد صفوف اليسار وينقذه من التشتت ويؤهله
لمواجهة خصمه السياسي أي التيار
الأصولي وهزمه عبر صناديق الاقتراع، معتبرا أن قوة
الإسلاميين نسبية ومردها إلى ضعف الآخرين، وهي قوة منحصرة في
المجتمع السياسي ولا تصل إلى مستوى الشعبية الواسعة في
المجتمع.
وقال الساسي: إن تحقيق هذا الهدف أمر ممكن إذا اعتمد اليسار
خطة واقعية ونهجا ديمقراطيا وحداثيا في تسييره الداخلي وتجاوز
السلبيات والعلل التي تعاني منها الأحزاب التقليدية. وأضاف أن
" الأحزاب تحولت من "الحزبية " إلى "اللاحزبية" وأصبح دورها
مقتصرا على التعليق على متون الخطب الرسمية وترتيب الصفقات من
أجل الحصول على مناصب في الحكومة".
واقترح
علال الأزهر الناشط اليساري أجندة لتطوير أداء أحزاب اليسار
المغربي ووصفها ب" الواقعية" ، وتتضمن أولا تكريس الشفافية
وديمقراطية القرار داخل المؤسسات الحزبية، وثانيا اقتراح
برنامج يتضمن إصلاحات دستورية حول دور الحكومة ومراجعة نظام
المجلسين في البرلمان.
ودعا الأزهر ضمن أجندة المرحلة المقبلة للقيام بتقييم موضوعي
لتجربة حكومة التناوب التي قادها عبد الرحمن اليوسفي أمين عام
حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الميدان الاقتصادي،
ملاحظا أن الدور التاريخي الذي قامت به حكومة التناوب في
المجال السياسي هو الانتقال من مرحلة الشرعية الوطنية إلى
مرحلة الشرعية الديمقراطية.
وقال حسن
الخطار المسؤول في جمعية " حركة المبادرات الديمقراطية" إن
قيادة أحزاب اليسار للمشهد السياسي المغربي هدف يمكن الوصول
إليه في أفق عقدين من الزمن إذا وضعت أحزاب اليسار استراتيجية
واقعية وميدانية تستجيب لمتطلبات المجتمع الاقتصادية وانتظارات
الجماهير وليس تطلعات النخب. معتبرا أن اكتساح الإسلاميين تم
عبر مراحل طويلة بدأ التمهيد لها منذ السبعيننات.
وقال المحامي خالد
السفياني الناشط الحقوقي اليساري :إن جهود إعادة هيكلة أحزاب
اليسار لا ينبغي أن تقع في الأخطاء التي وقعت فيها الأحزاب
التقليدية ، معتبرا أن المنظومة الحزبية التقليدية انهارت وآلت
إلى نمط الحزب الوحيد، داعيا إلى تجديد الحقل الحزبي من خلال
مبادرات ديمقراطية بديلة كيفما كان شكلها حزبا أو جبهة من
الأحزاب والمنظمات.
هذا
الاعتراف
من الحرس القديم للهيكل الشيوعي وكهنة معبد
ماركس
ولينين
بالمغرب، ليس جديدا، فالكل يعرف هذا، والعالم
كله أبن
هذا
الفكر وشيعه إلى مثواه الأخير.
لكن
الجديد والعجيب حقا أن
تمنحهم
الدولة الحصة الأكبر في مقاعد غرفتي البرلمان
والمجالس
المحلية،
وتؤكد لهم بذلك أنهم ما زالوا أحياء على رغم
عدم
تصديقهم
لها.
يذكرنا
هذا
"
السكيتش
الهزلي
"
بما
صرح به وزير
الداخلية
الأسبق حدو الشيكر لأحد مجالسيه بأن الدولة
تحرص على
بقاء
اليسار، وتعمل لذلك لأنه في مصلحتها
الاستراتيجية، على أن
يبقى
هذا اليسار قزما ضعيفا قابلا للاستخدام؛ وهذا
هو الحاصل
وهو
المطلوب
للعبرة والتاريخ:
السويد في 6
جمادى
الأولى 1424هـ ( 06 – 07 – 2003 م )
بمناسبة إطلاق
سراح فضيلة الشيخين الدكتور عباسي مدني وعلي بلحاج ، وتعقيبا
على ما وقع في الجزائر من أحداث دموية مؤلمة، وتذكيرا بمواقف
الشبيبة الإسلامية المناصرة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها،
ورؤيتها الاستشرافية البعيدة للأحداث ومآلاتها، وحرصها على أمن
المنطقة المغاربية كلها، وتمسكها بواجب النصح للمسلمين عامة؛
ننشر الرسالة التي بعث بها فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع
الحمداوي المرشد العام للشبيبة الإسلامية المغربية إلى رئيس
الجمهورية الجزائرية السابق الشاذلي بن جديد مباشرة عقب اعتقال
الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج . وقد أرخت في 21 ذي الحجة 1411
هـ الموافق 3 – 7 – 1991 م، وسلمت يدا بيد إلى سفير الجمهورية
الجزائرية بطرابلس يوم 24 ذي الحجة 1411 هـ الموافق6 – 7 –
1991 م، عقب اجتماع مطول بين السيد السفير وفضيلة الشيخ عبد
الكريم مطيع، شرح له فيه مخاطر الاعتقال وتداعياته على الجزائر
والمنطقة كلها، وأكد على مسؤولية الجميع في تجنب الانزلاق إلى
فتنة مغاربية يغيب فيها التعقل والأناة فتحرق الأخضر واليابس ،
ووعد السفير بتبليغ ذلك إلى السلطة العليا في الجزائر،
وانتظرنا جوابا على ذلك مدة طويلة فوجئنا بعدها بتطورات دلت
على أن نصحنا لم يكن له تأثير، وأدت الحدة في المواقف إلى
إلغاء الانتخابات التشريعية وحل جبهة الإنقاذ والسقوط فيما
حذرنا من وقوعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الأمانة العامة
للشبيبة الإسلامية المغربية
الأمين العام : عمر وجاج آيت موسى
رئيس الجمهورية الجزائرية
إلى فخامة رئيس
الجمهورية الجزائرية المحترم
سلاما صادقا،
وتحية طيبة يليقان بمقامكم الكريم، تقبلوهما مني، ومن كافة
أعضاء الشبيبة الإسلامية المغربية، ما دام إصباح، واستقام
لطائركم على دين الله جناح، وبعد :
بناء على ما
تناقلته وسائل الإعلام العالمية من أخبار محزنة عما آلت إليه
الأوضاع في الجزائر الشقيقة من اختلاف بين السلطة والدعوة، أدى
إلى عرقلة السير الطبيعي للمسار الديموقراطي الذي رُسم، وإلى
جو من التقاتل، وإراقة دماء المسلمين، وإلى اعتقال رواد الحركة
الإسلامية الجزائرية وعلى رأسهم الشيخان الجليلان :
الدكتور عباسي مدني وعلي بلحاج .
وحيث إن هذا
الوضع لا يستفيد منه إلا أقطاب الاستعمار العالمي والعملاء من
أعداء الأمة في الداخل والخارج، ولا يذكي ناره إلا المغرضون
الخائضون في المياه العكرة، ولا يحرص على مواصلة الانزلاق فيه
إلا دعاة الحرب الأهلية التي تحرق الأخضر واليابس.
وحرصا منا على
ألا تنجرف جزائرنا الشقيقة إلى هذه الهاوية التي لا قرار لها،
وفي عهد محسوب على مسؤولية جبهة التحرير الوطني، ولا ينبغي أن
يحسب عليها تاريخيا ولا قوميا ولا دينيا، عهد للتقاتل وسفك
الدماء والحرب الأهلية قد يستدرجها أعداؤها إليه، لاسيما وهي
الجبهة التي حررت البلاد، وأنقذت الأمة من الاستعمار، وبنت
دعائم الدولة الجزائرية الحديثة، وتحاول حاليا تأسيس عهد من
الحرية والكرامة لمواطنيها.
وحيث إن تصلب كل
طرف على موقفه، ومحاولته معالجة الأمر بالتشدد بعيدا عن روح
التسامح والتصالح مما يخدم ذوي النوايا السيئة والمخططين
للعنف.
وبناء على أننا،
كتيار إسلامي في أمة عربية مسلمة، ومنطقة مغاربية تسير نحو
الوحدة، نتأثر سلبا وإيجابا بواقع هذه الأمة وما يستجد فيها من
أحداث وتطورات.
فقد رأينا أن
نبعث إليكم بهذا النداء الأخوي الذي دفعنا إليه حرصنا على
القيام بواجب النصح للمسلمين والإصلاح بينهم امتثالا لقوله
تعالى:
-
( والصلح خير).
-
( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو
إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه
أجرا عظيما ).
ولقول الرسول – صلى الله عليه وسلم : "
الدين النصيحة " .
ملتمسين من
فخامتكم:
-
إطلاق سراح العالمين الجليلين الشيخ عباسي مدني والشيخ علي
بلحاج وكافة الركب الكريم المعتقلين في السجون الجزائرية.
-
المبادرة من موقعكم الأبوي الكريم بإعادة روح الثقة بين السلطة
والدعوة الإسلامية، وإشاعة روح التسامح والمصالحة بين كافة
الأطراف.
-
إعطاء أمركم الكريم بإيقاف المسلسل الدموي الذي تسير فيه
الجزائر، والذي – إن استمر لا قدر الله – سوف يعم المنطقة
كاملة ويحرق الأخضر واليابس.
-
إيقاف بعض الحاقدين على الدعوة الإسلامية من الذين استغلوا
أمركم بإعادة الأمن وحولوه إلى مخطط رهيب لتذبيح المسلمين خدمة
لأغراضهم، وانتقاما من الدعوة والدعاة، وتمهيدا للشعوبية
والفرانكفونية والاستعمار .
وأخيرا نذكر الأخ
المؤمن – والذكرى تنفع المؤمنين – بقول رب العباد:
-
( فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
-
( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم
مؤمنين )
-
( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم )
ولله در عمر بن
الخطاب – رضي الله عنه – حين قال :" ردوا الخصوم حتى يصطلحوا ،
فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن " .
ونعتقد أن الأخ الرئيس من ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) .
نسأل الله لكم
ولكافة المسلمين في الجزائر الشقيقة كل هداية وتوفيق وتوادد
وتراحم واعتصام بدين الله القويم : ( ومن يعتصم بالله فقد هدي
إلى صراط مستقيم ) .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
في 21 ذي الحجة
1411هـ / الموافق 3 – 7 – 1991 م
عبد الكريم مطيع
المرشد العام
للشبيبة الإسلامية المغربية
في ذكرى ميلاد رسول الله المسيح
دعوة إلى المراجعة والعقلانية
الحلقة الثالثة
نتابع حلقات حوارنا من هذا الموقع على هذه الشبكة
التي أتاحت من نوافذ الاتصال والتواصل ما كان من قبل حلما.
وأقد أن مجموعات كبيرة من الشباب في محيط واسع تستعد هذه
الأيام لتحتفل بعيد الميلاد وفقا للتقويم الكنسي. كل يحتفل على
طريقته؛ ويجد الشباب في هذه المناسبة فرصة للتحلل من كل قيود
«الروتين»، والاستمتاع بكل ضروب المتعة. والغائب عن هذه
الاحتفالات هو المسيح ورسالته ودعوته الروحية الأخلاقية ونداؤه
من أجل السلام.
ماذا ترى أيها الفتى وأنت أيتها الفتاة في الشرق
أو في الغرب. ماذا يرى كل منكما حول مشاهد الاحتفال بعيد ميلاد
المسيح عليه السلام؟ صخب، فجور، جنس، خمور، عُرْيٌ، عربدة،
إسراف وما هو أكثر من ذلك إيغالا في الفساد وبخاصة في محيط
الشباب حيث يفلت الزمام فلا ضبط ولا انضباط، ولا وازع
أخلاقي.أين كل هذا من أخلاق المسيح وطهره ونقائه وتعاليمه؟
إنها مناسبة طيبة للمراجعة : مراجعة كل شئ حول
المسيحية وحول المسيح : تاريخا وتعاليم وتطورات مبتدعة لا
علاقة تربطها بشخص المسيح أو مضمون رسالته.
إذا كنت أيها الفتى وأنت أيتها الفتاة، إذا كنتما
في انتظار هذه المناسبة كل عام لقضاء أوقات مسرفة في المتعة
بكل أشكالها، فلا أقل من لحظات للمراجعة : مراجعة الضمير
ومراجعة الموقف، بل مراجعة الانتماء الصوري للمسيحية الذي
ابتدعه البشر ولم يكن المسيح ليقره أو يوافق الأتباع عليه.
في دائرة التاريخ عن المسيح والمسيحية يرى الأستاذ
شارل جينيبين أستاذ المسيحية ورئيس قسم الأديان السابق بجامعة
السربون في كتابه عن المسيحية نشأتها وتطورها، يرى هذا الأستاذ
العلاقة الحجة في هذا المجال أن الوصول إلى نتائج قطعية حول
تاريخ المسيحية أمر صعب المنال، وأن ما يسلم به العامة في
العالم المسيحي مرجعه التقليد ومرجعه كذلك ضغوط يمارسها رجال
الدين لموافقتهم على مسلماتهم ومقرراتهم حول شخص المسيح
ورسالته.
لقد تجاوزوا حدود اللياقة واللباقة مع الله تعالى
ومع رسوله الكريم المسيح؛ فاختلط الأمر على الناس في العالم
المسيحي حول أصول الدين وقانون الإيمان الذي هو صناعة بشرية
لاحقة مناقضة لما بشر به المسيح من بساطة الإيمان ووضوح
مضامينه: فلا ثلاثة في واحد، ولا واحد في ثلاثة، ولكن توحيد
خالص من كل شوائب التثليث، فالتثليث وثنية مفبركة، والحديث عن
الله بلغة الانتظار والتجسد والإهانة والصلب حديث خرافي
أسطوري، والحديث عن رسول الله المسيح عليه السلام بلغة التأله
والفداء والدينونة خروج بهذا الرسول عن طبيعته، وعزل المسيح
عليه السلام عن كوكبة رسل الله خروج بخط رسالات الله عن المسار
الحق.
أيها الفتى الكريم، آنستي الفاضلة، هل يثقل عليكما
الكلام عن المسيح ورسالتة على هذا النحو؟ لا أرجو من كل فتى
وفتاة إلا أن يحكم عقله أو شعوره أو ضميره ويتجه إلى البحث عن
الحق في هذه المسائل الدينية الخطيرة جدا، والموقف الذي تتبناه
بصدق من هذه القضية كن واثقا وكوني واثقة آنستي الكريمة أنه
موقف نتائجه من الخطورة بحيث لا تغني فيه وعود موهومة؛ فلا
تتوهمي أن غفران السيئات والأخطاء يأتي هكذا على طبق يصنعه رجل
الدين. هذه أوهام حري بكل فتى أو فتاة أن يتأملها قبل أن يقع
في حبائلها. إن الذي يدين البشر بعد الموت إنما هو الله، أما
المسيح عليه السلام فلا علاقة له بذلك : إنه يوم القيامة مكرم
من قبل الله مع إخوانه من كوكبة الأنبياء : نوح وإبراهيم وموسى
ومحمد صلى الله وسلم على الجميع.
إذن أنت أيها الفتى معني كما أنت معنية أيتها
الآنسة، أنتما وكل الفتيان والفتيات معنيون في هذه المناسبة
احتراما لرسول الله المسيح عليه السلام بأن يقف كل واحد وقفة
عقلانية شعورية صادقة جادة ليراجع أمر حياته الحاضرة دينيا
وسلوكيا، ثم ليأخذ بعد ذلك القرار الذي يستفتي في عقله وقلبه
ولعله يتساءل أو يتحاور معنا أو مع مواقع أخرى بصراحة تامة
وبلغة علمية حول جملة من الدوائر، ولعل أهم هذه التساؤلات:
1 – إني ملحد لا أومن بدين، فهل أنا محق في هذا
الإلحاد؟ وهل لدي ولدى أمثالي من الملحدين سند في هذا الموقف
المنكر للدين؟
2 – إني أحتفل بميلاد المسيح مجاراة للآخرين، لكني
لا أملك الحقيقة حول المسيح الذي تنسب إليه المسيحية، ولا أقنع
بهذا الكلام الذي ينشئه نظام الكهنوت؛ لأنه كلام هلامي لا يقوم
على سند من علم كوني أو توثيق تاريخي بل سنده رموز وتأويلات.
فماذا أفعل لأتبين الباطل من الحق؟
3 – ما سر هذا التناقض بين صخب الحياة وحركتها
والاحتفال بها والإقبال عليها بحلوها ومرها وبين هذا الاتجاه
الروحاني الخيالي الذي تدعو إليه كلمات يقول البعض إنها كلمات
المسيح. أما أنا فأستبعد أن يكون هذا الكلام إذا صحت نسبته إلى
المسيح موجها إلى عصر مثل عصرنا أو إلى أناس مثل هؤلاء
الناس.إن ما ألفه رجال دين أبعد ما يكون عن صياغة حياة هذا
الجيل. وهذا واقع مشاهد وليس تصورا أو وهما، إذن ما هو الحل؟
4 – هذه المواقع على هذه الشبكة العنكبوتية ما
أكثرها وما أشد تناقضاتها. هل ترى يمكنني أن أرصد الحق في أمر
الدنيا والدين من بين خيوط هذه الشبكة على أحد المواقع؟
5 - هل هذه الاحتفالات بهذه المشاهد توحي بأشياء؟
ما هذه الأشياء؟
6 – هل أستقبل احتفالات العام القادم أم لعلي أودع
؟ ولكن إلى أيــن؟
7 – أما التساؤل السابع فلعلك تسمح بأن أسأل؟ هل
حواري معك حول الدين على هذا النحو سبب لك شيئا من الحرج أو
الضيق وبخاصة في هذه الأجواء؟ إذن أعتذر وأختم وإلى
لقــــــــــاء
حول المسألة الدينية
بين صريح العقل وصحيح الدين
- الحلقة الثانية -
كانت الحلقة الأولى من حلقات هذا الحوار
المتواصل المفتوح مع الشباب، كل الشباب في كل البلاد على تعدد
انتماءاتهم وثقافتهم وأجناسهم وجنسياتهم وأوطانهم وأقطارهم
وأديانهم إيمانا أو إلحادا تقليدا أو بحثا وتحقيقا واستقلالا،
كانت تلك الحلقة من هذا الحوار مع كل هؤلاء مدخلا إلى محيط
المسألة الدينية من كل أقطارها من باب المعرفة الخالصة؛ لأن
دائرة المعرفة تتسع باطراد، وهذا الاتساع المعرفي كمّاً
وكيْفاً يلقي بتبعات ملاحقته على كل فتى وفتاة يريد و تريد أن
يكونا عصريين، ولا يكتفيان من المعاصرة بتقليعات الموضات أو
برصد الجديد في عالم الأنغام والأفلام، بل يدركان أن هناك إلى
جانب كل هذا ما هو جدير أو ما هو أجدر بالاهتمام و بفرض
الاحترام، وهو متابعة الجديد في المعرفة البشرية، وفي كل
مكتشفات العلم وتقنيات تطبيقاته.وبهذا الأفق الواسع أمام
العقول الصافية النضرة لفتيان وفتيات هذا العصر وهذا الجيل
يمكن الاتفاق على قاعدة نتبناها ونلتزم بها ضبطا منهجيا لحلقات
هذا الحوار المتواصل.
مؤدى هذه القاعدة:
1-
رفض عملي لكل ما هو عنصري عرقي، دينيا كان أو فكريا معرفيا،
دون استثناء لدين من الأديان أو طائفة من الطوائف؛ فالعنصرية
هي مشعلة الحروب ومثيرة الفتن في قديم التاريخ وحديثه وفي
الواقع القائم.
2-
ومع الاتفاق على رفض كل ما هو عنصري أناني، ينبغي الاتفاق في
قاعدة هذا الحوار على رفض كل ما هو أسطوري في تحديد معالم دين
الله الحق. وهذا الموقف لازم لكل من يضع اعتبارا للمسألة
الدينية وللتحقيق التاريخي والموضوعي حولها أيا كان الاتجاه
الإيديولوجي الذي يتبناه إيمانا كان أو إلحادا. إن للفكر
الأسطوري أثره في المحيط الثقافي الاجتماعي الفلكلوري ، وما من
شعب من الشعوب إلا له مخزون من الأساطير والخرافات، لكن دائرة
الدين لا تغزوها الأساطير إلا إذا فقدت جهازها الدفاعي المناعي
من حقائق الوحي الموثق الذي هو قاعدة الدين الحق.
3-
إن في محيط المعرفة العامة أو في محيط المعرفة الدينية كما هو
في محيط العلوم ومناهجها، فإن الجدير بالقبول لدى كل فتى وفتاة
يحترم عقله هو ما ثبت قطعا بالدليل المناسب لمحيطه المعرفي أو
الديني أو العلمي. وبمنطق العلم لا يرفض المجهول، ولكن يتم
تحديد الوسائل المناسبة للتعرف عليه. ووفقا لهذه القاعدة أو
لهذا العنصر من عناصر قاعدة هذا الحوار، فإن جملة من المعتقدات
والإيديولوجيات تتهاوى تحت مطرقة العقل العام المشترك. فأنت
أيها الفتى العزيز وأنت أيتها الفتاة العزيزة، كل منكما
مَعْنِيٌ في هذا الموقف العقلي المعرفي الديني معني بالمراجعة
: تراجع الفتاة الملحدة إلحادها، ويراجع الفتى المتدين تدينه :
ما هي الأصول العقلية النظرية التي يقوم عليها إلحادك أيتها
الفتاة؟ وما هي هذه الأصول التي يقوم عليها تدينك بهذا الدين
أو ذاك أيها الفتى؟إن تبرير الإلحاد أو التدين بكونك نشأت في
أسرة ملحدة أو متدينة بدين من الأديان هذا تبرير لا يليق بفتى
يحترم عقله أو بفتاة لها شخصيتها وهويتها. والتبرير الأبعد عن
العقل والأكثر شناعة أن يقول الفتى أو الفتاة : إني لا أهتم
بهذه المسألة. أو يقول: إن المسألة الدينية لا تعنيني، أو إني
جاهل بكل ما يتصل بهذه القضية إيمانا أو إلحادا. ويكفيني- كما
قال أحد الشباب-أن يكون لي حساب في المصرف و أن يكون لي في هذا
الحساب رصيد. ألا ترين معي أيتها الآنسة الفاضلة أن هذه الرؤية
قاصرة، وأن هذا الأفق حيواني لا يليق بإنسان يعد نفسه في هذه
المرحلة الدقيقة من حياته ليكون عنصرا إيجابيا فاعلا في محيطه
الاجتماعي الخاص وفي المحيط الإنساني العام؟
-2-
قد يكون من المناسب - باعتبار الزمان – أن تدرج في
مداخل هذا الحوار مع الشباب فتيانا وفتيات جملة من الإشارات
والمؤثرات إلى طرفين لهما اعتبارهما في حلقات الحوار حول
المسألة الدينية على المستوى العالمي . أما اعتبار الزمان وهو
تاريخ كتابة هذه الحلقة من حلقات هذا الحوار ، فهو مناسبتان
متقاربتان ، إحداهما قائمة ماثلة والأخرى آتية لاحقة. نفرد
المناسبة القائمة الماثلة بهذه الحلقة الثانية من حلقات هذا
الحوار ، ونخصص الحلقة الثالثة التالية للمناسبة الأخرى . أما
المناسبة الماثلة الآن فهي الحدث الأعظم في تاريخ البشرية ،
وهو حدث نزول جملة الكلمات الخاتمة لوحي الله متمثلة في القرآن
على خاتم الأنبياء والرسل محمد رسول الله المبعوث رحمة وسلاما
وأمنا وحبا إلى كل الأمم والشعوب . وأما المناسبة الثانية التي
نفرد لها الحلقة التالية ، فهي مناسبة حدث عظيم متقدم في الزمن
على حدث نزول القرآن الكريم بستة قرون ، وهو حدث ميلاد المسيح
عيسى بن مريم رسول الله إلى بني إسرائيل.
وغاية إدراج هذين الحدثين في هذا الحوار مع الشباب
هي غاية معرفية علمية مبتغاها دعوة كل الشباب إلى التوقف عند
الحدث ثم التأمل الواعي المتأني فيما وراء الحدث. ولعل من
العقلانية ومن الروح العلمية أن لا ينصرف الشاب الواعي بفكره
عن أمثال هذه الأحداث العظام ؛ فهي بحكم العقل والشعور جديرة
بالاعتبار والبحث عن أصولها وغاياتها وآثارها في حياة
المجتمعات.
-
3 –
مركزية القرآن
لعلك أيها الفتى و أيتها الفتاة معدودا ضمن مئات
الملايين من البشر الذين لم يأتهم نبأ القرآن في دائرة معارفهم
عن الأديان أو عن التاريخ أو عن الإنسان أصله ومعاشه ومآله
وعلاقاته .وربما تكون أيها الفتى وأنت أيتها الفتاة أسوأ حظا
من أولئك الذين لم تدخل مفردة "القرآن" في قواميسهم إذا كنت من
هؤلاء الذين فُرض عليهم إعلاميا أن يستقبلوا صورة مشوهة عن
القرآن تنفر منه ولا تدعو إلى الإقبال عليه. إن واحدا من كل
أربعة بين سكان العالم اليوم ينتمي إلى الإسلام بصورة أو بأخرى
، فهو على علم بالقرآن وبخاصة في عصر التقنيات وشبكات
المعلومات التي هيأت للقرآن الكريم الانتشار بعد أن رفعت عنه
الحصار ، ولعلك أيها الفتى ولعلك أيتها الفتاة لعلكما تتساءلان
إذن ما هو القرآن ؟
ونسعد في هذه الحلقة من هذا الحوار أن ندرج فيها
من أجل كل فتى وفتاة في كل قطر من أقطار الأرض قدرا من الإجابة
على هذا السؤال أو التساؤل في هذه المناسبة وفي هذا الشهر
القمري شهر رمضان الذي فيه من الفضل والود والتواصل والتسامح
ما لا يوجد في غيره من الشهور ؛ وإنما كانت لهذا الشهر جملة
هذه المزايا لسبب واحد هو أن القرآن الكريم قد بدأ نزول وحي
الله به في هذا الشهر .
وإذا وجدت في شعورك نفورا من مصطلح "وحي الله" ،
فأنت معذور ؛ فهذا المصطلح قد أوردته أكثر المعاجم ودوائر
المعارف الحديثة في قالب أسطوري خرافي لا يمت إلى العلم
بصلة.وهناك قول مأثور مؤداه أن الناس أعداء ما جهلوا. ولعل من
الأوفق والأقرب إلى سلم المعرفة بالوحي الحق وبالقرآن أن تتوجه
وأن تتوجهي إلى جملة مواقع على شبكة المعلومات، وتتعدد مفاتيح
هذه المواقع ، لكنها تشترك غالبا في استخدام مفردة القرآن مع
الحذر أثناء الجولان بين هذه المواقع أن تُستدرج أو أن
تُستدرجي أيتها الآنسة الفاضلة إلى مواقع مشبوهة أو موبوءة
غايتها صرف مئات الملايين عن الاتصال بالقرآن أو التعرف عليه.
وهناك مؤسسات معتبرة في العالم الإسلامي وبعضها في أقطار خارج
العالم الإسلامي ، وهذه المؤسسات لها مواقع على هذه الشبكة ومن
خلال دخولكما على هذه المواقع يمكنكما رصد جملة من الحقائق
المعرفية حول القرآن الكريم مع الموازنة بين هذه الخلاصات التي
تعرض من خلالها جملة من المعارف حول القرآن .
– 4 -
نورد في هذه الحلقة من الحوار جملة من المحاور
المركزية في القرآن ، وبكل حب وإخلاص وموضوعية ندعو كل فتى أو
فتاة وقع اختياره على موقعنا هذا فوق الشبكة ندعوه إلى الاتصال
بنا والتواصل معنا إذا شاء أن يتحاور معنا معرفيا أو دينيا حول
أي قضية أو مسألة أو محور من هذه المحاور المثبتة هنا أو في أي
كتاب أو دراسة أو بحث أو على أي موقع متصل كذلك بالقرآن؛ لأن
لغة القرآن لغة حوارية وروحه روح حوار واتصال وتواصل، ولأن
للإنسان أي إنسان في القرآن كل اعتبار. والقرآن يخاطب الأمي
فيلتقط من حقائقه ومعانيه الكثير بمجرد السماع، والقرآن في
الوقت ذاته يخاطب العالم العبقري، فيدرك من ألفاظه وأساليبه
ومعانيه ما يحقق له اليقين بأن هذا القرآن يستحيل بالقطع أن
يكون من كلام البشر لا في ألفاظه ومفرداته، ولا في جمله
وتركيباته، ولا في تناسب سوره وآياته، ولا في مضامينه ومعانيه،
ولا في إشاراته ومغازيه، ولا في استحالة وجود كلام يقاربه أو
يوازيه. وهذه من جملة الحقائق التي أجمع عليها العلماء
المحققون الذين درسوا القرآن وتدبروه. فإذا قرأت شيئا حول
القرآن يتعارض مع هذا فاعلم يقينا بأن كاتبه إما جاهل بالقرآن
أو مرتزق ذو قلم مأجور أو متعصب لدين موروث تعقبه الوحي الإلهي
في القرآن بالنقد والإصلاح .
وإذا تساءلت : كيف تتحقق لي معرفة رصينة بالمحاور
الأصول في القرآن حتى أكون طرفا موجبا في هذا الحوار العقلاني
الهادئ حول المسألة الدينية؛ فإن الجواب مدرج هنا بشيء من
التفصيل.
- 5 -
إن مما لا ريب فيه أن المدخل الصحيح للتعرف على
القرآن هو قراءته بلغته الأصلية التي نزل بها على خاتم
الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم وهي اللغة العربية. أما ما
ترجم من معاني القرآن إلى لغات شرقية أو غربية قديمة أو جديدة،
فإنما هي تفاسير للنص القرآني لا النص ذاته. وقد وصل عدد
اللغات التي ترجمت إليها معاني القرآن إلى ستمائة لغة حتى
نهاية القرن الهجري الرابع عشر مع الحضر المفروض على القرآن
ترجمة وانتشارا من قبل بعض قيادات المنظومات الدينية التي رأت
أن في انتشار المفاهيم القرآنية خطرا على وجودها وأصولها
وأسرارها.
إن مجرد سماعك إلى القرآن من قارئ مجيد وما أكثر
القراء المجيدين لقراءة القرآن بأصوات ندية شجية ونغمات أخاذة،
إن مجرد سماعك للقرآن حتى لو لم تكن تحسن لغته سوف يأخذ بلبك،
أما إذا اهتديت إلى التعرف على بعض معانيه من ألفاظه وجمله
ومعانيه، فسوف تدرك أنه خطاب الله تعالى الأعلى إليك، لا
ليأخذك من عالمك المادي الحركي هذا، ولكن ليأخذ بيدك ويكون
عونا مباشرا لك في مواجهة مشكلات الحياة بكل ضروبها ومناشطها
كأنه النور الذي يضيء أمامك دروب الحياة والحق والخير والأمان
في عالم تشابكت خيوطه وخطوطه وضاق فيه الخناق على الشباب؛ فهم
محاصرون بين أمراض هذا العصر معاناة لها أو خوفا منها وبين شبح
البطالة والفقر في مقابل غنى فاحش وترف بلا حدود. هذه الأوضاع
التي تعيشها كل الجماعات والمجتمعات البشرية اليوم هي بلا ريب
أوضاع مأساوية تتعدد ضحاياها، لكن ضحيته الأولى هي الشباب،
والمشكلات تتفاقم والساسة والكبراء يتنعمون ويتفكهون ولعلهم
يسعدون ويضحكون من هذا المشهد البائس.وأنت أيها الفتى واجد
عرضا لهذه المشاهد في القرآن وكأنه يتنزل اليوم، لكنك إلى جانب
ذلك واجد كذلك آلية عملية للخروج بالحياة وبالأحياء من هذه
المآسي والمساوئ ليس إلى عالم وإلى حياة ملائكية خالية من كل
المآخذ والعيوب، فهذه صورة خيالية من مُثُلِ أفلاطون، إنما هي
حياة عملية يتحقق فيها بين البشر أكبر قدر ممكن من العدل
والمساواة والارتفاع بكل الطبقات الاجتماعية فوق خط الفقر.
- 6 -
وقد يرد عليك سؤال إذا كنت على دراية بالأوضاع
العامة التي تسود العالم الإسلامي : لِمَ هذا التخلف ولم هذه
الصور المزرية من الجهل والفقر والضعف والقرآن معكم؟؟؟
والجواب القريب على هذا التساؤل هو أن القرآن
الكريم في العالم الإسلامي قد تم الخروج به عن خطه ومساره
الصحيح، وحيل بينه وبين حياة الناس التي نزل من أجل أن يزيح
عنها المظالم والمفاسد والتجاوزات. وربما لا يعنيك ولا يعنينا
في هذا السياق أن نتساءل أو نجيب عن التساؤل: من فعل هذا ؟
ولماذا ولمصلحة من تم إبعاد القرآن وخطابه عن حياة البشر ؟
ولكن الذي نثبته هنا بيقين هو أن البشرية كلها خسارتها كبيرة
إِذْ حيل بين حياتها وبين القرآن، وهذا هو الأفق القريب، لكن
للقرآن أفقا أبعد لا يُحد بهذه الحياة العجلة العاجلة. وقد
تغمرك البشرى والسعادة إذا اقتربت من أجواء القرآن لمجرد
التعرف على هذا الأفق البعيد، وهذه دعوة محب لك أيها الفتى ولك
آنستي الكريمة أن يقوم كل منكما بجولة وسياحة معرفية خالصة
يتدبر خلالها نماذج متنوعة من خطاب القرآن وهو خطاب تتنوع
مقاصده وغاياته لكن سامعه ومتلقيه يدرك يقينا أنه موجه إليه.
- 7 -
من أجل التعرف على القرآن قد يحسن أن ندرج على
هذه الصفحات الأخيرة من هذه الحلقة الحوارية بعض المحاور
الأصول في القرآن؛ وهذه المحاور هي مفاتيح ومداخل إلى مساحات
معرفية متنوعة تكتنفها طرق ومسالك تؤدي بمرتادها يقينا إلى
الحق وإلى الحب وإلى الفضيلة وإلى النبل وإلى الأمن والأمان
والإيمان وإلى كل ما هو خير للإنسانية والإنسان وللحياة
والأحياء.
تبدو قضية الدين قضية مركزية في القرآن الكريم،
والقرآن يضع للمسألة الدينية جملة من القواعد العامة؛ ومن هذه
الثوابت : أن التدين حقيقة فطرية إنسانية يشترك فيها كل البشر،
وإِنْ تنكر لها أو أنكرها البعض، فهذا مرض عارض. والتدين في
مدلوله القرآني هو الشعور بوجود المطلق في مقابل وجود المحدود،
ومن نماذج هذا الوجود المحدود الإنسان ذاته، أي أنْتَ وأنْتِ .
وفي الإطار القرآني لا قيمة للبحث الفلسفي الترفي حول هذه
القضية الفطرية، إنما القيمة لهذا الشعور الصادق المباشر لدى
كل إنسان تحقق لديه قدر كاف من الوعي، والخطاب القرآني في هذا
السياق كثيرا ما يتوجه إلى العقل في حالة الحركة والأداء وليس
العقل الجامد المعطل.
- 8 -
والقرآن يقيم كل الوزن لحرية الإنسان واختياره في
مسألة الدين : فمعالم الدين الحق ينبغي أن تكون بينة
مُبَرْهَناً عليها بالعقل المتحرك وبأدلة عقلية بسيطة قريبة
يدركها كل عاقل أو مركبة تحتاج إلى تأمل وإعمال فكر. فمسألة
الدين الحق والإيمان الصحيح لا تستقيم معها الرموز والتأويلات
والتردد والظنون.
وفي سياق عرض القرآن لمحور الدين، فإن للعلم
والمنهج العلمي الصدارة والاعتبار : فالأساطير لها أجواؤها،
لكنها ينبغي في اعتبار القرآن أن تكون بمنأى عن دائرة وحي الله
ودينه الحق. وإذا داخلت الأسطورة دينا من الأديان السائدة أو
المغمورة لدى الشعوب، فإن هذا الدين بمضامينه الأسطورية قد
ابتعد عن الحقيقة وعن الحق في أمر الدين.
- 9 -
ومن اللازم بصدد الحديث عن معالم الدين الحق في
الخطاب القرآني أن ترد الإشارة على عجل إلى الحقيقة القرآنية
الكونية التي مؤداها أن القرآن كون مكتوب مقروء وأن الكون قرآن
مشاهد. وقد انتهى أعلام العلماء في الفلك وعلوم الفضاء وفي
الأبحاث الطبيعية والكيميائية والطبية والنفسية وفي الجيولوجيا
انتهوا إلى نتائج وحقائق وردت إشارات صريحة إليها في القرآن مع
وجود هذا الفاصل الزمني بين نزول الوحي بالقرآن منذ أربعة عشر
قرنا أو تزيد وبين الأبحاث الجارية الآن في مراكز الأبحاث داخل
العالم الإسلامي وخارجه من قبل هيئات وباحثين مسلمين وغير
مسلمين. وتلزم الإشارة هنا إلى ضرورة أن تقوم أيها الفتى وأن
تقومي أنت أيتها الفتاة بزيارة إلى بعض المواقع المتخصصة على
الشبكة.
-
10 -
من القواعد القرآنية في عرض المسألة الدينية أن
الدين الحق لا يتعدد، فهو دين واحد وما خرج عن أصوله من
الأديان فهي أديان يكتنفها الخطأ والصواب والحق والباطل والفكر
البشري العقلاني منه والأسطوري والخرافي. أما ذلك الدين الحق
الذي لا يتعدد، فهو الدين الذي دعا إليه كل رسل الله من أبي
البشر آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد. هؤلاء هم رسل
الله المبلغون عنه وحيه إلى خلقه، وهو وحي أصوله الإيمان الحق
بوجود الله الأزلي الأبدي المنعم على خلقه المحب لمن اتجه إليه
بالعبادة منهم. ومركزية الإيمان بالله في دين الله الحق انبثقت
منها جملة دوائر إيمانية تصديقية وعبادية عملية، غاية الأولى
تقديم تصور صحيح لكل إنسان حول الوجود والكون والحياة وما تؤول
إليه ، وغاية الثانية الأخذ بيد كل إنسان إلى ما هو الأمثل
والأفضل في حياته وسلوكياته وإشعاره بمسؤولياته وتبعاته ومآله
بعد هذه الحياة.
والقرآن الكريم يعرض ضمن آياته لوحات ومشاهد
للجهود التي قام بها رسل الله بتوجيه من وحي الله في مجال
الإصلاح الاجتماعي بكل أنماطه في تصورات الناس ومعتقداتهم وفي
معاملاتهم وسلوكياتهم وعلاقاتهم. وإذا شئت أن تستكشف معالم هذه
المسيرة الرسالية في تاريخ البشرية فأمامك القرآن تعرف على
لغته، ثم اقرأ من نصوصه ما تشاء ومتى تشاء وكيف تشاء، شرط أن
لا تتعصب له أو ضده، ولا تكون في حال القراءة والتدبر منتميا
إلى دين أنت فيه مقلد لا تستخدم عقلا ، تكتفي في انتمائك
بالوراثة والتبعية وأنت تعلم أن هذا موقف لا يليق بهذا الجيل
من الشباب، وهو موقف تقليدي يزري بك وتتلاشى معه شخصيتك وينتفي
عقلك.
- 11 -
من القواعد التي لها اعتبار في القرآن وهو يعرض
قضية الأديان في حياة الإنسان، من هذه القواعد أنه : لا إكراه
في الدين ، من شاء أن يستجيب لنداء فطرته ويسمع خطاب الله له
في القرآن فليؤمن، ومن شاء أن يركب رأسه ويتنكر لنداء الفطرة
فليكفر؛ فمشيئة الإنسان لها اعتبار في اختيار الإنسان بين
الكفر والإيمان في ميزان القرآن مع اعتبار ما يترتب على اختيار
هذا أو ذاك من التبعات والمسؤوليات. ومؤدى احترام اختيار
الإنسان أن وظيفة القرآن هي إبلاغ دعوة الله كل البشر إلى
قاعدة الإيمان وأصوله وشعبه وبراهينه ونتائجه وغاياته العاجلة
والآجلة.
- 12 -
وفي القرآن الكريم حول المسألة الدينية رصد لمشاهد
تاريخية تبدو من خلالها صور من المد والجزر في حياة الأمم
والشعوب حين يأتي رسل الله داعين إلى الله مع اعتبار تناسق
وتناغم وانسجام كل الحلقات في سلسة هذه الرسالات مع تسجيل
للمخالفات والتجاوزات والخروج على الخط الرسالي التوحيدي. ومن
النماذج في هذا السياق ما رصده القرآن من تجاوزات في حق الله
ووحيه من قبل قوم موسى وعيسى المسيح؛ وهي تجاوزات لا تزال
انعكاساتها قائمة، وهذا الرصد القرآني غايته الإبقاء على معالم
الدين الحق وعلى أصول الإيمان بقاعدة التوحيد المطلق اعتمادا
على الوحي المعصوم.
لكن هذا الرصد القرآني قوبل بعداء شديد من قِبَلِ
الأحبار والقسس والباباوات؛ وهذا موقف يزري بالدين وينال من
وحدة المتدينين. لقد سجل القرآن من المؤاخذات على أتباع موسى
في عصره ومن بعده تعلقهم بالمعتقدات الوثنية، مما يعني خروجا
صريحا على دين الله الحق بقاعدة التوحيد. ومن هذه المؤاخذات
صور من العبث بوحي الله تحريفا أو تزيدا أو نسيانا أو تناسيا
أو متاجرة. ثم جاءت مؤاخذات الوحي القرآني على أتباع المسيح
الذين خرجوا عن خط رسالته التوحيدي فتوهموا واعتقدوا بنوة بينه
وبين الله؛ وما زادت علاقة المسيح بالله عن النبوة والرسالة
إلى بني إسرائيل متابعة لخطى موسى وتمهيدا لرسالة محمد
الخاتمة. وهذا التمهيد هو التفسير الأقرب والأصوب لمصطلح
"الإنجيل".
وفي هذا السياق من رصد القرآن لهذه التجاوزات
السابقة لنزول الوحي به ما رصده القرآن من تقول على الله
وتجاوزات في حقه. إن القرآن يتعقب تلك الدعاوى الموهومة التي
صدرت من جماعات تدعي الانتماء إلى رسالة نبي الله موسى ونبيه
المسيح، ومؤدى هذه الدعاوى أن الله يحابي شعبا أو يقرب إليه
أمة يختارها على أصول عرقية أو جنسية. وكل هذا في اعتبار الله
وفقا للنص القرآني افتراء على الله؛ فما للعرق وما للجنس عند
الله اعتبار، فهو خالق الجميع ورب الجميع ورزاق الجميع.
والقاعدة القرآنية هنا أن لا وساطة بين الله وخلقه: فالملحد
إذا راجع نفسه وصده عقله عن الكفر والإلحاد، فإن باب الإيمان
والقبول أوسع مما يتصور الإنسان. وفي ميزان القرآن البشر
خطاءون لا بمعنى وراثي موهوم لخطيئة آدم، فآدم شأنه شأن كل
مخلوق تاب إلى الله من خطيئته فتاب الله عليه وغفر الله. لكن
البشر خطاءون بمركب الطبيعة ومن يقع في خطيئة كبيرة أو صغيرة
ثم يندم على ذلك ويؤوب إلى الله فإن الله قابل توبته دون وسيط.
وفي هذا الخط القرآني الإنساني الصريح يبدو المسيح
في التصور الكنسي قد حُمِّل ما لا طاقة له به، وفي هذا التصور
الكنسي قد أسيئت لغة الخطاب مع الله تعالى ؛ فالحديث عن الله
بلغة التجسد فيه سوء أدب مع الله. وقد يصح القول بأن الكنائس
يلزم أن تراجع حساباتها ومقالاتها حتى تستقيم علاقاتها بالله
وبدينه الحق، والأمر ذاته منطبق على الحاخامات ليضعوا
معتقداتهم في دائرة الضوء حتى يعرفها الناس في ضوء العقل
الصريح والدين الصحيح والوحي الموثق الموثوق.
-
13 -
ثم ماذا بعد ؟ هل ترى أيها الفتى و أيتها الفتاة
أنك في هذه الدائرة المعرفية قد وجدت نفسك مدمجا فيها مما
يستدعي منك متابعة محاورها معتمدا على نفسك بمراجعات متأنية
ونَفَسٍ طويل. إننا في هذه الحلقة الحوارية أو الممهدة للحوار
مع جيل الشباب لَمْ نَرَ من شجرة القرآن المعرفية إلا بضع
ورقات لا نريد منك أن تأخذ منها موقفَ رفضٍ أو موقف قبول وأنت
متسرع عجل في اتخاذ أحد الموقفين؛ إنما المرجو هو موقف عقلاني
مدعوم بمشاعر الحرية والرغبة في توسيع دائرة معارفك، ونحن
سعداء بك ومعك ومن أجلك إذا أمكننا من على هذا الموقع أن نفتح
بابا لحوار مفتوح متواصل مع الشباب كل الشباب من الفتيات
والفتيان من كل أنحاء الدنيا.
ونعد بلقاء في حلقة ثالثة من حلقات هذا الحوار،
وقد نفرد هذا اللقاء القريب للحديث عن ميلاد رسول الله المسيح،
فإلى الملتقى مع الأمنيات للجميع بحياة هنيئة يغمرها الحب
الصادق والود والأمن والأمان.
بين وحدة الدين واختلاف الناس
في المعتقدات
الحلقة الأولى
حوار مفتوح مع الجيل الجديد
من الفتيان والفتيات حول الأديان
تبدو قضية الدين ومركزية
الاعتقاد فيه هي قطب الدائرة في حياة الأمم والشعوب. وتثبت هذه
الحقيقة برؤية تاريخية موضوعية محايدة، وهي ثابتة كذلك بقراءة
لوحة خارطة أديان البشر بين أمم الأرض اليوم . لكن هناك
اتجاهات ثقافية وفكرية وسياسية متآزرة يظاهر بعضها بعضا في
سبيل التعمية على الناس في أمر الدين من خلال تشويه صورته
ومحتواه بالاعتماد على عرضه إذا عرض في صور من التعارض
والتناقض والدفع إلى الصراعات والحروب على طول مراحل التاريخ .
هذه الأوهام والشبه والملابسات والتلبيسات التي اصطنعها أقطاب
الفكر المادي وروجوا لها بكل الوسائل لم تخضع بعد للمراجعة
والتثبت بصورة شمولية جادة؛ لأنها تعرض غالبا بعد أن تهيأ
لقبولها أجواء اجتماعية وثقافية وسياسية مناسبة. وبتأثير مباشر
من هذا التيار المادي وبخاصة بعد الصورة الباهتة المزرية التي
رسمتها الكنيسة في عصر الغرب الوسيط عن الدين بهذا التأثير
المباشر بدأت هوة واسعة سحيقة تتكون لتدفع بالناس بعيدا عن
الدين. وما بقي من هذه العلاقة بالدين جاء في صورة هزلية
هلامية باهتة غمرت فيها الحقيقة بالأسطورة، وأفرغ فيها الدين
من محتواه، ووضعت الأديان كلها في سلة واحدة واعتبرت من تراث
الماضي دون اعتبار لما يمكن أن يؤديه الدين من دور إصلاحي أو
ريادي قيادي في حياة الناس وفي ضبط العلاقات بين الجماعات
والمجتمعات، وهو دور أخلاقي عملي قد أخفقت كل المؤسسات في
أدائه؛ لأن مرجعه منهج إلهي يحدد الأصول الضابطة للتوازن في
حياة الأمم والشعوب ويترك لحركة العقل البشري مجالا حيويا
واسعا يتحرك فيه مسترشدا بتلك الأصول .
ولليقين بهذه الحقيقة حول الدور المركزي للدين في
الحياة البشرية يمكن الرجوع إلى قدر كبير من نصوص هذا السياق
في الوثيقة القرآنية التي تضمنت خلاصة وحي الله إلى جميع الرسل
عبر مراحل التاريخ في حياة البشر. وقد ينفر من هذه الإشارة
الجوهرية إلى القرآن من ليس له سابق معرفة به أو من ليس له
انتماء إلى منظومة دينية أو إلى فرقة أو مذهب يرفع شعار الدين
والإيمان أو شعار الكفر والإلحاد، وينشر قائمة دورية بالمحرمات
مما هو محظور القراءة على الأتباع. والمقدر هنا أن شباب العصر
معنيون بتحطيم هذه الأسوار وفك هذه القيود التي تحجر على
العقول وتحاصر الأفكار.
إن الإنسان الذي يخضع لمثل هذا الحصار المعرفي باسم
الحفاظ على بناء نظام ديني أو فكري ، هذا الإنسان يعلم بنفسه
من نفسه أن موقفه هذا ليس من الدين ولا من العقل ولا من العلم
في شيء . إن الحقيقة دائما هي ضالة الإنسان، وهو في بحث دائم
عنها ليظفر بها.
2
لأمر مّا لم يتأت للموسوعات التاريخية أن تدرج
المسألة الدينية في أصول موضوعاتها ، ومن ثم جاءت المادة
المتصلة بالدين في هذه الموسوعات هامشية ينقصها التوثيق ،
ويعتمد في عرضها على التخرصات والمقايسات والعموميات والشغف
بالجانب الأسطوري . أما ما اعتمد منها أحيانا على نصوص مما
يعرف بالعهد القديم من كتب الكنيسة المقدسة ، فإن هذه النصوص
لم تسلم أمام النقد في دراسة التاريخ ، ولعل في مصنف المؤرخ
والفيلسوف اليهودي اسبينوزا في اللاهوت والسياسة ما يغني القارئ عن الرجوع إلى مصنفات غيره في هذا
السياق . ومع كثرة الشكوك وقوتها حول هذه الأسفار ومنشئيها ،
فإن أقطاب الكنيسة قد أجمعوا أمرهم فارتأوا أن تكون هذه
الأسفار التاريخية قاعدة للمعتقدات الكنسية بعد أن عمل فيها اللاهوتيون عملهم ؛ حيث أخضعوها لأنماط غريبة من الرمزية
والتأويل.
ولعل المؤرخين الغربيين الذين يلجأون إلى نصوص من
مدونات العهد القديم إنما يفعلون ذلك ظنا منهم أن هذه النصوص
تملأ بعض الفراغات في مدوناتهم فتعفيهم من دقة البحث
والاستقصاء والتوثيق.
3
مما ينبغي التنبه
له والتنبيه إليه، ما يلاحظ من أن هناك جملة من المؤثرات قد
حالت بين مدوني التاريخ العام وتاريخ الحضارة وتاريخ الأديان
من كتاب الغرب وبين القرآن من حيث مضامينه التاريخية . ولعل من
أظهر هذه المؤثرات الانتماء الثقافي ووهم مركزية الغرب وعقدة
التميز العنصري إلى جانب الموقف الغربي العام من الإسلام .
ويمكن القول بدون ريب إن تاريخ الدين في حياة البشر لم يكتب
حتى الآن ، وهو لن يكتب في غياب هذه الوثيقة الإلهية التاريخية
في بعض مضامينها ، وهي وثيقة ذات أهمية في السياق التاريخي
لحياة البشر مع الدين أو للدين في حياة البشر. وتكمن أهمية هذه
الوثيقة من هذا الجانب من حيث إنها تبين الكثير من الثغرات في
هذا التاريخ الخاص وتتعقب الأخطاء والتجاوزات التي وقع فيها
مدونو أسفار العهد القديم .
4
مغزى هذا الكلام في هذا السياق التاريخي الديني هو
الإشارة إلى حقيقة دينية تاريخية مؤداها أن التدين فطرة فطر
الله الناس عليها. وما أكثر الشواهد المرصودة على هذه الحقيقة
التي قامت عليها وتكاملت معها حقيقة أخرى مفادها أن الدين الحق
الذي هو جوهر الإيمان الحق بالله الواحد وحدانية مطلقة المتفرد
بالوجود الأزلي الأبدي، هذا الدين بهذا المضمون الكلي الجامع
هو دين واحد لا يتعدد. وهذا الدين الواحد الحق بجوهره وأصله
وقاعدته ومرجعيته هو الدائرة المشتركة لرسالات كل الأنبياء.
وهي رسالات إلهية حفل بها تاريخ البشرية، وكان لها آثار متتابعة أو متباعدة ،
الأثر الأول الفاعل في الدفع المباشر بهذه الحياة إلى غاياتها
على نسق من سنن الله الكلية وآثارها العملية في الكون وفي حياة
الأفراد والجماعات والمجتمعات مع اعتبار أن الإرادة الإلهية في
خلق الإنسان وفي جعله عنصرا مؤثرا في الحياة في هذا الكون سلبا
أو إيجابا ، هذه الإرادة الإلهية الكلية قد تضمنت أن تكون لهذا
الإنسان إرادة تتحرك إلى أحد اتجاهين متقابلين في المقدمات وفي
النتائج : فهو بين أن يستجيب لمكنون فطرته فيسلك الطريق الذي
سلكه موكب الأنبياء، وللسير في هذا الطريق مقتضيات ومسؤوليات
وتبعات نبه إليها كل أنبياء الله ، وبين أن يتنكر هذا الإنسان
لنداء الفطرة فيقاومها قسرا ومعاندة فيسير في طريق أخرى تتفاوت
في تعرجاتها والتواءاتها لكن نهايتها المشتركة هي التهلكة.
5
لا نحسب أن هذه الرؤية الاجتماعية الرسالية
التاريخية الجامعة تستعصي على الإثبات مع اعتبار أن هناك رؤية
أخرى تبدو في اتجاه معاكس تقرر ظهور أنبياء في التاريخ البشري
جاء كل واحد منهم بدين . وما بقي من أديان هؤلاء الأنبياء الآن
هو يهودية ومسيحية وإسلام وثلاثتها هي أديان التوحيد . وهذه
الرؤية على الرغم مما تنطوي عليه من الملابسات والتجاوزات
والمغالطات فإن لها الصدى الأكثر انتشارا في الخطاب الثقافي
العالمي مع العلم بأن أدنى عرض وأبسط تحليل لهذه الرؤية العجلة
أو المشبوهة يظهر تهافتها وعدم استقامتها.
6
إن الأديان في تاريخ البشر قديما وحديثا قد تعددت ،
لكن هذا التعدد في الأديان إنما هو من صنع الإنسان . أما الدين
الصحيح الحق فهو دين واحد معتمده الوحي الإلهي ودعائمه هم رسل
الله وقاعدته التوحيد المطلق. وهذه العناصر الكلية هي العناصر
الفارقة بين دين الله الحق الواحد وبين هذا الركام من الأديان
والنحل والمعتقدات المنتشرة بين شعوب الأرض من عبدة البقر
والشجر والبشر إلى عبدة النجوم والأوثان والشيطان.
إن الاختيار بين التدين والإلحاد منوط بإرادة
الإنسان ، كذلك اختيار دين من بين هذه الأديان مرجعه إلى حرية
الإنسان واختياره ، وقبل هذا وبعده ينبغي أن يسعى الإنسان
الرشيد إلى الحقيقة في أمر الدين ليصل في نهاية رحلته إلى
الدين الحق. وإن القضية من الخطورة بمكان إذ يترتب عليها مصير
كل إنسان.
7
قاعدة الدين الحق مرتكزها هو التصور الصحيح عن الله
ذاتا وصفات بآثارها في الكون وفي الحياة. وبهذا الاعتبار فإن
أية منظومة دينية كانت من قبل أو هي قائمة الآن أو قد تنشأ، كل
هذه المنظومات يبطل منها بداهة كل منظومة تستبعد من أصولها
جوهر الدين وهو الاعتقاد بوجود الله. ويمكن القول بناء على هذا
إن جملة الأنظمة الفكرية و"الإيديولوجيات" السائدة الآن في شرق
أو في غرب ، إنما هي أنظمة فكرية وكفى ، لا توفر للإنسان الذي
يتصل بها البعد الديني الذي تمس حاجته إليه ولو كان دينا
مصطنعا تأسس على جملة من الأساطير والطقوس المتوارثة.ويخرج عن
دائرة الدين الحق كل معتقد لا يقيم للعقل وزنا ولا يعول عليه
في عرض نصوصه وأصوله.
إن مضامين الدين الإلهي الحق أوسع دائرة ، ومن آفاق
هذه الدائرة ما هو أبعد من أن يحيط العقل البشري به علما،
فتبقى أمام الإنسان فراغات معرفية. وفي هذه الحالة ، يكون الوحي
الإلهي إلى رسل الله هو وحده وسيلة المعرفة لملء هذه الفراغات
، وهنا يبدو التكامل بين وسائل المعرفة : كل وسيلة تؤدي
وظيفتها المنوطة بها دون تعارض أو تناقض أو تفكك. بهذا الركن
أو بهذه القاعدة في تحديد الدين الحق من بين هذا الركام من
أديان البشر وهي قاعدة الوحي الإلهي تحقيقا وتوثيقا لا ادعاء
ينبغي أن يبعد من دائرة هذا الدين جملة من الأنظمة الدينية
التي يقوم بناؤها على الموروث الأسطوري أو على الفكر البشري
الخالص حتى لو نال كل هذا بمرور الزمن ضروبا من التقديس.
وبهذا الاعتبار ، فإن حاخامات اليهود وأقطاب الكنائس
شرقيها وغربيها ، هؤلاء وأولئك معنيون قبل غيرهم بمراجعة أصول
معتقداتهم على ضوء ما وصل إليه النقد الحديث في مجال دراسة
الأديان تاريخا ونصوصا وأصولا بمسلمة التأثير والتأثر .
8
ليس في مضمون هذا البيان انتقاص لأهمية الفكر البشري
ودوره في فهم الدين أو في عرض أصوله ، إنما هي دعوة إلى أن
يوضع هذا الفكر موضعه في دائرته التي يكتنفها الخطأ والصواب.
لكن قاعدة الإيمان وفق أصول الدين الحق لا تحتمل هذا التأرجح ،
إنها تستلزم اليقين في الأصول والعصمة في النصوص مع التوجه إلى
العقل البشري مدعوا إلى التأمل والتدبر والاستنتاج بطريقة
منطقية منتجة لا تقفز على النتائج قبل فحص المقدمات. وهذه
المقتضيات لا تتحقق للدين إلا إذا اعتمد على الوحي الإلهي
الموثق الذي هو مرجعية الدين الصحيح. ونتيجة هذا كله أن ركني
الدين الحق هما : الوحي الإلهي المعصوم الثابت الموثق والعقل
البشري الصريح المحايد.
9
هناك قاعدة ينبغي اعتبارها في تحديد ما هو حق ثابت
وهو دين الله وبين ما هو لغو باطل من هذه المعتقدات والأديان
السائدة اليوم ، هذه القاعدة أو هذا الفيصل هو إفراد الله وحده
بالعبادة . وهذا الفيصل هو العلاقة الفارقة بين التوحيد بكل
ضوابطه وبين الشرك بكل صوره. إن المشرك له معتقد يعتبره دينا ،
لكنه دين مصطنع باطل في مقابل الدين الحق الذي قاعدته التوحيد
المطلق. والشرك بكل أنماطه وصوره ما ظهر منها قديما وما استحدث
الشرك بكل هذه الصور والأنماط هو كفر بالله ؛ لأن المشرك مع
إيمانه بالله قد أحدث في إيمانه لبسا وخلطا حين زاوج بين عبادة
الله وعبادة غيره أيا كان هذا الغير المعبود وكيف كانت ذرائع
هذا التوجه بالعبادة لغير الله. وهذه القاعدة لدين الله الحق
هي القاعدة الأكثر شمولا. إن المسلم إذا توجه بأي ضرب من
العبادة لغير الله تعالى حتى لو كان هذا المعبود مع الله هو
الرسول ذاته، فإن دعوى هذا المسلم أنه مسلم دعوى باطلة؛ لأن في
عبادته هذه خروجا على قاعدة هذه الرسالة و على جوهر دعوة هذا
الرسول,وهو إفراد الله بالعبادة. وهذه القاعدة الإيمانية ذاتها
منطقية على من تسمى يهودياً أو تسمى مسيحياً؛ فمسألة الاعتقاد
بأن الله وحده هو المستحق للعبادة لا يتوجه بها الإنسان إلى ما
سواه أو إلى من سواه هي قاعدة الدين الحق. وإذا تذرع من ينتمي
إلى اليهودية أو إلى المسيحية بذريعة يبرر بها عبادته لغير
الله مع الله لزم بمنطق الدين الحق واعتبار أصوله سد باب هذه
الذرائع حفاظا على جوهر دين الله وإبعادا لهذا الدين عن كل لبس
أو تلبيس وإبقاء على وحدته وتماسك بنائه. وبهذا الاعتبار، فإن
أقطاب الكنائس بعد أحبار اليهود، قد تجاوزوا في حق الله وفي حق
دين الله الحق حين ادعوا علاقة بنوة بين الله تعالى وبين بعض
البشر مثل عزير أو مثل نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، ثم
اتخذ هؤلاء وأولئك هذه الدعوى أو هذا الوهم ذريعة للتوجه إلى
غير الله بالعبادة. وكان هذا مدخلا واسعا إلى ما يمكن اعتباره
الشرك المتخفي وراء مصطلح التوحيد أو الكفر الموضوع في قالب
الإيمان، وتلك إساءة إلى دين الله الحق وإلى الحق المطلق وإلى
أنبياء الله وإلى دعواتهم. وهي خطيئة الخطايا التي لا خلاص
منها بدون الرجوع عن هذه الدعاوى.
10
إذا أدرجنا هذه الإشكالية أو هذه المعضلة الكنسية في
سياق الخطاب الديني المعاصر؛ فإن هذا الخطاب يلزم أن يتجاوز
تجريداته وأن يتجاوب مع هذه التغيرات الراهنة على كل
المستويات، وأن يتحرر من نبرات قد علقت به عن الصراع الديني.
والدين الحق دعوته تقوم على التسامح وعلى تحديد المسالك
العملية لإقرار العدل بين البشر. والقراء الذين لا يعرفون هذه
الأبعاد من مضامين دين الله الحق، الدعوة موجهة إليهم ليراجعوا
نصوصا بعينها من كتاب الله القرآن الكريم، ولكن بتدبر واتقاء
وصدق وحذر من خطأ التراجم في نقل المعاني. وتفرّد بالدعوة إلى
تجربة شخصية جديدة في قراءة الخطاب الديني وإلى إعادة النظر في
الطريقة التي يتم على أساسها اتخاذ موقف مصيري مبني على اختيار
عقلاني حر في الموازنة بين الإلحاد والتدين، وماذا يترتب على
اختيار هذا الاتجاه أو ذاك. فإذا ترجحت لديك أيها الفتى أو
أيتها الفتاة أن كفة التدين هي الراجحة لتجاوبها مع الفطرة،
فليتحرر كل منكما من التقليد وليمحص الدين الذي يختار: يفحصه
تاريخا ويفحصه كذلك نصوصا وأصولا وصيغ تعامل مع واقع الإنسان
بتطورات حياته المتلاحقة، وليفحص هذا الدين كذلك في تجاوبه مع
الكون وفي التقاء مضامينه مع ما وصل إليه العلم الحديث من
الحقائق. إن من البين أنه لا صحة لدين يناقض العقل أو يتناقض
مع ما أثبت العلم من حقائق عن الكون والحياة والإنسان،
والإشارة هنا إلى ما ثبت من حقائق العلم لا إلى ما ظهر من
نظريات تتأرجح بين الإثبات والبطلان.
11
الدعوة هنا متوجهة إلى كل الشباب على تعدد
انتماءاتهم الدينية والثقافية والفكرية أن يجمعوا على أمر لا
أحسب أنهم يختلفون عليه، وهو أن يحترموا عقولهم، وأن يعطوها
حقها في النظر فيما هو مسلم لديهم من دين أو إلحاد : انتماء
شكليا أو اعتقادا راسخا مرجعه التقليد. إن التقليد في أي شيء
إنما هو تنازل عن عقل الإنسان وعن إنسانيته وعن كرامته. أما
التقليد في أمر الدين والاعتقاد قبولا أو رفضا، فإنه تكأة
العاجز، والعجز مناقض لحيوية العقل لدى الشباب.
12
في هذه الدعوة إلى المراجعة نخص بالحديث والحوار
المفتوح فئات بعينها من الشباب في مجتمعات تتنوع أنظمتها
الدينية والثقافية:
أنت أيها الفتى الملحد، وكذلك أنت أيتها الفتاة
الناشئة في أسرة ملحدة في بيئة ينتشر فيها الإلحاد، هل تأذنان
لي بحوار مفتوح معكما في بضع كلمات ؟ حسنا لكما كل الشكر .
إن الملحد لا يبصر ولا يضع اعتبارا في هذا الوجود
إلا لما يحقق رغباته ويشبع شهواته. وهو يعلم يقينا أن هذه
المآرب لا تحقق إنسانيته؛ إذ معه فيها يشترك غير الإنسان ...
ألست ترى أيها الفتى الملحد كما أرى أنك غير جدير بأن تتجاوز
هذا الأفق المادي المحدود إلى آفاق أبعد تجد فيها ذاتك وتحقق
فيها خصوصيتك من حيث إنك إنسان؟ قد يجدر بك أن تخصص حيزا من
وقتك ليلا ونهارا لتعيد النظر في اعتمادك رؤية واحدة للوجود
والكون والحياة. وهي رؤية أدنى ما يقال عنها أنها رؤية أحادية
الزاوية.
أنت مادي ملحد، لكنك بلا ريب فتى عصري متحضر تواكب
العلم في أحدث تطوراته وأدق تقنياته حتى الآن. ألا ترى أنك كما
الشباب غيرك معني بأن تتنوع اختياراتك على شبكة المعلومات؟ إن
للإلحاد مواقعا على هذه الشبكة ، كذلك الدين له مواقع. ولعل
عقلك يدعوك على المزاوجة بين هذه المواقع وتلك. وقد ترى بعد
هذه المزاوجة أن تبدأ حوارا مع شبان جادين في الحوار حول هذه
القضية وأن تكوّن تصورا صحيحا بطريقة عقلانية في ضوء وجهات نظر
متعارضة من مواقع متعددة على هذه الشبكة.
إذا تفضلت وسمحت لي بأن أتوجه إليك بدعوة مؤداها
القيام بتجربة شخصية تقوم بها أنت من خلال رصدك ومتابعتك
لمواقع على شبكة المعلومات مفتاحها المشترك هو القرآن.
وأنت
أيها الفتى وأنت أيتها الفتاة ممن شب فوجد نفسه خاضعا
بصرامة إلى أسرة ذات تقاليد دينية تغلب عليها الرمزية والغموض،
ومعتقدات لا أصل لها من حق ولا نصيب لها من عقل،
هل يمكنكما أن تخلصا عقليكما من هذا التقليد وأن تفكا هذا الأسر
وهذه القيود؟ وأن ترفعا عن كاهليكما هذا الثقل التاريخي
الذي تنوآن به؟ وأن تتوجها بفكر عقلاني إلى مراجعة موضوعية
لهذا التراث الذي وصل إليكما بالوراثة، والذي شاع في محيطكما
أنه الدين؟ هل تقبلان هذا الوهم الذي ينسب الظلم لله فيجعله
يكيل بين خلقه بمكيالين على أساس عنصري، فيجعل جنسا
أحط من جنس وشعبا فوق كل الشعوب، وينسب إلى أنبياء الله من الفواحش ما لا
تقدمان عليه في هذا العصر، وإذا أقدم أحدكما عليه يشعر بالخجل
من نفسه ومن الناس حوله ؟ إنما أقدر أن لكل منكما عقلا راجحا وفكرا
ناضجا أو هو في طريقه إلى النضج، وأقدر كذلك أن لكما ولكل من
في وضعكما شخصية وذاتية وحرية اختيار في كل شيء؛ وبكل هذه
الاعتبارات فأنتما ومن على شاكلتكما
معنيون بأن تراجعوا مسلمات موروثاتكم الاعتقادية بصورة جادة
متأنية بعد أن تخرجوا من حالة الجمود وتنأوا بأنفسكم عن مرض
التقليد. فإذا تحقق هذا الموقف العقلاني بفكر موضوعي
رصين صرتم معنيين بإنشاء
علاقة جديدة بالدين ليس من دخل فيها لغير العقل والإرادات، وبربط اتصال
مع جملة من الأنظمة الدينية للتعرف على أصول الاعتقاد
فيها، وعلى عقلانيتها
أو أسطوريتها ومدى وثاقة مرجعيتها. كل هذه المعارف متاحة الآن
من خلال تقنيات شبكة المعلومات. هذا الاتصال يمثل الخطوة
الأولى إلى الاتجاه الصحيح نحو تمكين علاقة المرء بالدين بعد أن يوقفه على
الدين الصحيح من بين هذا الركام من الأديان والمعتقدات؛ وإذا
تفضلت مشكورا أيها الفتى - أو أيتها الفتاة -وسمحت لي باقتراح متواضع، فإني أقترح عليك أن
تبدأ رحلتك على طريق البحث عن الحقيقة في أمر الدين برصد ثلاث
دوائر تخصص قدرا من وقتك لمراجعة أهم المواقع داخل هذه
الدوائر الثلاث : القرآن ، والكنيسة ، واليهودية ، وإني واثق
بأن عقلك وحسك الفطري سوف يؤديان بك إلى الدائرة التي فيها
الحق والأمان والإيمان.
أعد زوار هذا الموقع بمتابعة الحديث حول الدين والوحي والعقل
والإرادة والتقليد والمرجعيات والمراجعات ...فإلى الحلقة
الثانية من الحوار المتواصل المفتوح بإذن الله تعالى.
لمعرفة هذا الاتجاه وما يدعو إليه ينبغي تحديد مدلولات لفظ
العلمانية والإشارة إلى جذورها وتطورها التاريخي حتى يمكن
أن نقف على ما يقدمه أرباب هذا الاتجاه من مناهج وما
يرفعونه من شعارات للتجديد .
تعريف العلمانيـة :
أول ما تنبغي
الإشارة إليه أن العلمانية مصطلح أجنبي عرف نشأته في
البلاد الأوربية، وقد نما وتطور عبر مراحل تاريخية طويلة
إلى أن ترجم إلى العربية، لكن في هذه الترجمة نظر؛ لذا وجب
تحديد معناه في أصل لغته.
إن العلمانية
ترجمة لكلمة (
Secularism
) الإنجليزية، أو (
Secularite ) الفرنسية، وهي مشتقة من العَلْمِ بمعنى: العَالَم أو الدنيا() ، وليست ذات صلة بالعِلْمِ كما يتبادر لأول وهلة؛ فالعِلْمُ
في الإنجليزية هو (
Science
) ، والمذهب العلمي يُطلق عليه (
Scientism ) ،
والعلمانية (
Secularism ) تعني حرفيا – كما ورد في قواميس اللغة - : « الدنيوية » ، أو « المذهب
الدنيوي » () .
تحديد مفهوم العلمانيـة:
ورد في القاموس: «
إن العلمانية هي الاعتقاد بأن الدين والشؤون الكنسية لا
دخل لها في شؤون الدولة وخاصة التربية العامة » () .
وتطلق العلمانية
ويعنى بها: « فصل الدين أو إبعاده عن الدولة، وقيام الدولة
على أسس دنيوية لا دينية، وتتمثل هذه الأسس في العلم
الوضعي والعقل ومراعاة المصلحة
العامة في مختلف شؤون الدولة »().
وقد شاع لدى كثير
من الباحثين المعاصرين استخدام عبارة « فصل الدين عن
الدولة » ، غير أنها لا تؤدي المعنى الدقيق للعلمانية؛
لأنها لا تشمل الأفراد ولا السلوك الذي قد لا تكون له صلة
بالدولة؛ لذلك يرى أحد الباحثين أن أدق تعبير عن العلمانية
هو – كما يقول - : « فصل الدين عن الحياة، سواء بالنسبة
للأمة أو الفرد»().
جذور العلمانيـة:
لعل أهم خلل تقع
فيه بعض المبادئ والنظريات وهي تتناول قضية وجود الإنسان
الفردي والجماعي نابع من جهلها أو تجاهلها لطبيعة التكوين
البشري؛ ذلك التكوين القائم - أساسا - على التوازن الأصيل
بين الروح والمادة، والمتميز بمحدودية طاقاته وقدراته
الذاتية اتجاه نواميس الكون والحياة، والمتميز - أيضا -
بوجود عناصر وقيم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان
لاتصالها بحقائق خالدة غير خاضعة للتبدل وشاملة للنوع
الإنساني كله، ووجود معالم وصفات لها قابلية التغير تبعاً
لتباين ظروف الإنسان وبيئته زماناً ومكاناً. ()
إن أي خطأ - في
فهم هذه الخصائص الإنسانية الكبرى، أو أي إخلال بالتوازن
الدقيق بين مكونات الإنسان الروحية والمادية - يؤدي – حتما
– إلى انحرافات خطيرة سواء على مستوى الأفراد أو
المجتمعات.
وهذا ما تقع فيه
المبادئ الوضعية، إما لجهلها بتلك الخصائص البشرية أو
لتغليبها قيم المادة على الروح أو الروح على المادة، وإما
بفصلها القسري بين هذه القيم واصطناعها حواجز مزيفة بين
المجالين المتداخلين للروح والمادة كما هو الشأن في
التجارب العلمانية. ()
إن طغيان المادة
يؤدي – ولا ريب – إلى إخلال خطير بالتكوين الإنساني
المتوازن الأصيل، مما يهوي به إلى درك المادية الآلية وأسر
الحيوانية الهابطة، كما أن تضخم الروح على حساب المادة
يوقع الإنسان في روحانية سالبة ويأسره في رهبانية مغلقة.
والفصل المصطنع
-بين العالمين – كما في التجارب العلمانية يقود – أيضا -
إلى موقف متناقض يعاني فيه الإنسان الاضطراب والحيرة
والتمزق، مما ينعكس سلباً على سير حياته ونظام مجتمعه.
()
هذا ما وقعت فيه
العلمانية منذ أصل نشأتها، كما تمثل ذلك في أول تجربة
علمانية دوَّنها التاريخ، تلك هي تجربة المجتمع اليوناني
الذي حكمته فلسفة دنيوية مادية تجسدت في الوثنية المنكرة
لعالم الغيب؛ فالآلهة - لدى اليونان - إما نجوم أو كواكب
أو ظاهرة من ظواهر الطبيعة المتنوعة اتُّخذت الأصنام
والتماثيل رمزا لعبادتها.
إن المجتمع
اليوناني - وهو يسعى إلى تنظيم علاقاته وإرساء قوانينه -
لم يستند إلى أي مرجعية غيبية لسبب بسيط هو عدم إيمانه
بالغيب، ومرجعيته الوحيدة كانت مجالسه الديموقراطية التي
يحتكرها الأقوياء -سواء أكانوا من فئة الجيش أم من فئة
الأثرياء - ويُبعد عنها الضعفاء نساءً وفلاحينَ وأجانبَ.
()
وبهذا تشكل
المجتمع اليوناني مجتمعاً علمانياً مستنداً إلى مرجعية
دنيوية أساسها المصلحة الخالصة والمنفعة الصريحة.
وبعد أن اكتسحت
الديانة المسيحية أوروبا، برز الصراع بين العلمانية
المتمثلة في المادية وبين الدين المسيحي المتمثل في
الكنيسة.
وإذا كانت الكنيسة
قد سادت – أولاً - فإن ما طرأ عليها من تحريف جعلها تصطدم
بالفطرة()؛ مما ألجأ الفطرة
الأوربية إلى العودة إلى تراثها اليوناني العلماني في
محاولة لإنقاذ نفسها من الكنيسة وسيطرة رجال الدين
المسيحي.
وشهدت أوروبا –
بذلك – قروناً من الصراع بين تراثها اليوناني المجرد من كل
مرجعية غيبية ( لا دينية ) ، وبين الكنيسة التي نصبت نفسها
وصية على الغيب والشهود، ولجأت - في سبيل المحافظة على
نفوذها ضـد دعـوات العلمانية (الديموقراطية
اليونانية) - إلى التحالف مع طبقة الإقطاعيين من الأثرياء
والنبلاء والملوك.
واستمر الصراع
قرونا إلى أن حُسم بانتصار العلمانية ذات الجذور
اليونانية، وكانت الثورة الفرنسية عام (1789 م) التتويج
الرسمي لهذا الانتصار ()
؛ فَفُصِلَ الدين
عن الدولة وحُجِّم دور الكنيسة، واستلمت التنظيمات
السياسية قضايا الدنيا بعيدا عن أي مرجعية دينية، وانبثقت
عن التجربة اليونانية عدة تجارب في الميدان السياسي () ، ثم ساد الاتجاه
العلماني مختلف فروع المعرفة تاريخاً وجغرافيةً وعلوماً
إنسانيةً وطبيعيةً.
هذا هو المسار
التاريخي والتطور الطبيعي للعلمانية في الغرب؛ ظهرت بذرةً
لدى اليونان، ثم صراعاً مع الكنيسة والرؤى الغيبية
المحرفة، ثم ثورة ضد الدين كله وسيادةً سياسيةً، ثم
اكتساحاً لعالم المعرفة. فالفكر الغربي – كما يصفه أحد
الباحثين -:«منذ ولادته المبكرة في أحضان اليونان في القرن
السادس قبل الميلاد خضع في حركته إلى قانون صراع الأضداد»().
أما في البلاد
العربية والإسلامية، فإن الأمر لم يكن كذلك؛ إذ بدأ
الاتجاه العلماني بطريقة عكسية، لظهوره أولا على يد نخبة
فكرية متغربة محدودة ومفصولة عن مجتمعها، ولأنه حاول أن
يقتحم المجال المعرفي ومن ثَمَّ يكتسح عبره عالم السياسة
والحكم، فواجهته حواجز لم يستطع تجاوزها أو التغلب عليها.
ولعل أول هذه
الحواجز كان في ميدان المعرفة نفسه؛ فالفكر الإسلامي –
بحكم استمداده من القرآن الكريم – خضع في تطوره إلى منطق
آخر مخالف ومغاير لما هو في الفكر الغربي، وهو ما اصطلح
على تسميته بقانون الائتلاف والتوسط والاعتدال الذي ينكر
الإفراط والتفريط سواء في التصورات الفكرية المجردة أو
القيم المادية أو السلوك المادي()؛ فوجدان العالم
الإسلامي ومجاله الفكري متشبع - إلى حد الامتلاء - بمعرفة
تراثية عميقة الجذور وذات مرجعية واضحة لا خلاف في حجيتها،
هي القرآن ومعها السنة النبوية الصحيحة، والمليء لا يُعاد
ملؤه كما يقال.
فكان أن انحصرت
الثقافة العلمانية في نخبة من المتغربين ظلت تطرق باب
المعرفة العربية الإسلامية ولا مجيب لها، وظلت في المنظور
الاجتماعي والمعرفي خبرةًً أجنبيةً لا علاقة لها بالتربة
المحلية، كما عجزت – أيضاً - عن اختراق المجال السياسي
لسببين موضوعيين، أولهما واقعي وثانيهما معرفي.
أما
السبب الواقعي، فيتمثل في وجود أنظمة للحكم فردية واستبدادية لا ترضى أن
تتنازل عن سلطانها للعلمانية الممثلة في التنظيمات
السياسية والديموقراطية.
وأما
السبب المعرفي فيكمن في أن الإسلام قد جاء بنظام سياسي متكامل بجانب نظمه
الاجتماعية والاقتصادية والثقافية...كل هذا جعل الطريق
موصداً في وجه العلمانية في العالم العربي والإسلامي، وما
محاولاتها - في هذا الميدان - إلا طرق في حديد بارد.
لقد نشأت
العلمانية - في البلاد العربية - عقب الحملة الفرنسية على
مصر والشام من خلال خطوات ومراحل كان أولها رغبة الحكام في
الحفاظ على سلطانهم بعد اكتشافهم للهوة الشاسعة بينهم وبين
الدول الغربية؛ مما حدا بهم إلى القيام بمجموعة من
الإصلاحات العسكرية والسياسية وإيفاد بعثات تعليمية إلى
أشهر الجامعات الغربية. ()
وقد أفرز الاتجاه
العلماني - في البلاد العربية - تياراتٍ متنوعةً أبرزها
تياران رئيسان :
الأول
ما دُعي بـ«تيار التنوير العلماني» ، وهو تيار علماني صرف
يرى أن تطور المجتمع وتقدمه في كل المجالات - على غرار ما
حصل في أوربا - لا يمكن أن يقوم إلا على أساس العقل
وبمساعدة المعارف، وأبرز رواد هذا التيار من مسيحيي الشام.
الثاني
ما يطلق عليه البعض «حركة الإصلاح الديني»، وهو محاولة
للتوفيق بين الأصالة والمعاصرة بالاعتماد على العقل في
النظر إلى الإسلام للبرهنة على أنه قادر على استيعاب
مستجدات العصر()
، وتعد مصر مركزاً لهذا التيار ، ولعل أبرز ممثليه رفاعة
الطهطاوي، ومحمد عبده...
وإذا كان التيار
العلماني الصرف قد نشأ في الشام على أيد عربية مسيحية؛ فإن
انتقال كثير من رموزه إلى مصر ترك آثاراً واضحةً في بعض
أقطاب حركة الإصلاح الديني أنفسهم () ، بل في كثير من
طلاب الأزهر وعلمائه. والغريب في الأمر أن هذه الفئة
العلمانية التي دعت إلى الحديث ونبذ القديم لم تتخل هي
نفسها عن القديم الذي تنتسب إليه. ()
ومع احتكاك
التيارين ظهر تأثير العلمانية الصريحة واضحاً بمـا أفرزته
من دعـاة لها (). وبعد أن كان
شعار المصلحين : « إن الحضارة الحديثة تتوافق مع الإسلام
»، أصبحت المقولة الرائجة : « إن الإسلام يتوافق مع ما
تأتي به الحضارة الحديثة » () ؛ مما يعني أن
الإسلام - بدل أن يكون الأصل والمعيار في تقويم الآراء
والأفكار الوافدة- أضحى مجرد مصدر تلجأ إليه الفئة
العلمانية لتأييد آرائها وتزكيتها.
موقف الاتجاه العلماني من مصادر التشريع:
إذا كان موقف
العلمانيين من مصادر التشريع الإسلامي - قرآناً وسنةً –
يبدو أنه متقاربٌ في جوهره، فإنه متباين في بعض مظاهره
وتجلياته؛ وذلك لتباين الانتماء الثقافي والعقدي لدى أصحاب
الاتجاه العلماني أنفسهم.
فالمجاهرون
بعداوتهم للدين لا يتحرجون من إعلان موقفهم الصريح الرافض
لمصادر الأحكام جملة وتفصيلا، فهم يرون أنَّ في النقل
قيوداً على العقل ووصايةً وحجراً عليه كما هو الشأن لدى
دعاة الإلحاد() ودعاة الوجودية() وغيرها من
المبادئ الوضعية المنكرة للدين. ()
وقد ذهب الغلاة
منهم إلى رفض الفقه الإسلامي رفضاً كاملاً لمجرد كونه
فقهاً إسلامياً؛ فهو – كما يرون – غير صالح للحياة. ()
وقد ذهب الشطط
ببعضهم إلى الخوض في بعض التفسيرات على غير أساس سليم؛ من
ذلك محاولتهم تفسير الآية القرآنية:
}
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً
{ ()، بأن المراد من الشرعة والمنهاج - في
الآية - هي شرعة العقل ومنهاجه. ()
وفي الاتجاه نفسه
ذهب أحدهم - في تفسير الآية - مذهباً مغالياً، فقال : «
أما النص بـ" لكل جعلنا منكم"، فيعني أن الله يرد التشريع
إلى منكم، أي جعلنا التشريع منكم؛ أي مطابقاً لخصائصكم
وتكوينكم وأعرافكم، وبمعنى أكثر تحديدا أن الله ينـزل حكمه
متوافقا مع أخلاقيات الواقع وسلوكياته ضمن توافق تام مع
الظرف التاريخي، فالشرعة والمنهاج هما استخلاص إلهي مقيد
بشخصية الواقع، وقد أراد الله – عبر هذا النص – أن يطلعنا
على نسبية التشريع المنزل تبعا للحالات التاريخية والأوضاع
الاجتماعية المختلفة » () .
ولا يخفى ما في
محاولة التفسير هذه من مجانبة صريحة للصواب؛ فلو كانت
الشرعة المنهاج استخلاصا إلهيا مقيدا بشخصية الواقع لما
احتيج إلى دعوة الإسلام أصلا ولما بذلت من أجلها الأرواح
والمهج .
إن ما تثبته
النصوص الصحيحة الصريحة ويؤكده الواقع التاريخي أن المنهج
والشرع الربانيين جاءا ليغيرا واقع الناس وفق ما ارتضاه رب
الناس لهم كافة، قال تعالى :
-
}
إِنَّا أَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ
لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً
{
()
.
-
}
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ
وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
{ () .
-
}
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
{ ().
|