تاريخ  15 شعبان  1431   هـ

أهلا وسهلا في موقع الشبيبة الإسلامية المغربية

www.achabibah.com

 

الصفحة الرئيسية

حلقات تفسير القرآن
الــعــقــيــدة
الأخلاق من القرآن الكريم
الأخلاق من السنة النبوية
حوار مع داعية إسلامي
دراسات قرآنية وشرعية
كتاب إســــلامي
منــتــدى الفــكر
مــــحـــاضـــرة
الـمرأة المسلمـة
هـذا بـيـان للناس
مــتــفــرقــات
ســير وصـــور

انقر على الصورة لتكبيرها وللسيرة الذاتية

مـــن نـحـــــن

اتـصـــــل بـنا
ارتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل
 
الحركة الإسلامية المغربية

 

حلقات من تفسير القرآن الكريم

المجلد الثاني - تتمة-: حلقات تفسير القسم الثاني مـن ســـورة
آل عمران
)من الآية 84 إلى الآية200  (
الأمة الإسلامية: تحصين الجبهة الداخلية

   1 - تمهيد: مناعة تتحدى العواصف والأنواء
  2 - قاعدة بناء الأمة وتحصينها، ومعاول هدمها وتخريبها
   3 - تحديد الهدف ثبات في الأمر وعزيمة على الرشد وحماية من الفتن
   4 - خيرية الأمة الإسلامية: شروطها وأركانها
   5 -
المؤمن بين عدو مجاهر وبطانة منافقة مندسة
   6  -غزوة أحد: نصر مشوب بتأديب وتربية وعبرة
  7 -
علاج آثار" أحد" في الأخلاق والعلاقات
   8 - بناء الشخصية الإسلامية المتميزة على ضوء تجربة أحد
   9 - المذبذبون والمهزومون عند المحنة:هواجسهم وتـأويلاتهم  وعلاج أدوائهم
  10 - محمد صلى الله عليه وسلم عنوان كبير لحكمة تجمع الأمة وقيم تحصنها وسجايا تعلي شأنها

   11 - من حكم الله في الابتلاء بالمحن: تمحيص المؤمنين وكشف  المنافقين
  12 - ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله
 
13 - حصون الأمة مهددة بالبخل وكتمان العلم
  14 -
حصون الأمة الإسلامية: لبنات وعُمُد

 

 

 

 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني (الحلقة الأولى)

 تمهيد: مناعة تتحدى العواصف والأنواء

   من سنن الله تعالى في هذه الحياة أن بقاء الكائن الحي لابد له من قوة ذاتية تحميه وتيسر له ظروف البقاء، وأي فسيلة تغرس محتاجة لنمائها وإثمارها إلى حصانة وصلابة في التكوين وقدرة على مقاومة ما يحتمل أن يصيب بنيتها الداخلية من آفات، أو يهاجمها من خلال بيئتها ومحيطها من أمراض،  وكما أن الشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لا بد أن تكون طيبة في نفسها ثابتة قوية في أصل بنيتها وجذورها، منيعة في محيطها وبيئتها، كذلك الأمة الإسلامية لا تستطيع أن تؤتي ثمارها استخلافا عقديا بين الناس إلا إذا كانت قادرة على حفظ وجودها وحماية حوزتها متحرزة من الفساد والفتنة، وكانت جبهتها الداخلية متماسكة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ومناعتها ضد أوبئة التفتت والتمزق والانحراف قوية، ومواقفها في مواجهة عوامل التخريب الداخلي والخارجي صلبة عصية، وأقدامها على صراط العقيدة صبرا ومصابرة ورباطا ومرابطة راسخة ثابتة. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ إبراهيم 24/25.

هذه سنة الله تعالى المطردة، مناعة داخلية وحصانة خارجية لابد منهما لحياة الشعوب وبقائها، ولئن انتصرت بعض الأمم الضعيفة على عدوها في طفرة حماس أو تحد أو ظروف مواتية أو تدخل غيبي فإنما ذلك حالات شاذة نادرة، كما في حالة انتصار المسلمين على قلتهم وضعفهم في غزوة بدر، وقد قال عنه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ آل عمران 123، إلا أن مثل هذا النصر قد لا يؤدي أي دور إيجابي في حياة الأمة ما لم تتبعه إعادة التوعية والتربية والتحصين، لاستخلاص العبرة من الأحداث والتجارب والأخطاء، واستشراف مآلات الأعمال والتصرفات والنتائج، بل قد يكون من عوامل الاندثار والتفكك، اغترارا خادعا أو صراعا على المال والجاه والغنائم، وذلك ما عالجته سورة آل عمران فيما بقي لنا من آياتها، عقب أول نصر من الله حققه المسلمون وشاركت فيه الملائكة.    

إن تحصين الجبهة الداخلية بتعزيز ثقة الأمة بنفسها وقيادتها المؤمنة بعد ثقتها بالله عز وجل، وتمتين تماسك أركانها وإعلاء مشاعر أهلها وربط قلوبهم وعقولهم وخطواتهم بالتوحيد الخالص والصراط المستقيم، وتعميم حالة من الفرز العقدي يتميز بها المسلم عن المنافق والكافر، والولاء الخالص لله تضمحل به الولاءات القبلية والمصلحية والسلطوية والأهوائية، والصدق في الأقوال والأفعال والمواقف يتلاشى به الجهل والتجاهل والختل والتخاذل، وتربية أجيال من المواطنين ذوي الغناء والكفاية والوعي والعزم على حياطة البيضة والمحاماة عن الدين والملة، من أهم أسباب بقاء الأمة ونمائها وقوتها ومنعتها، فلا يعبث بها المارقون من داخلها أو الخصوم من خارجها. وقد كان هذا الهدف، هدف قيام الأمة الشاهدة المنيعة العصية عن الضعف والانهدام والتخريب، هو ما يرمي إليه القرآن الكريم بعامة، وسورة آل عمران بخاصة .

إن إقامة هذه الأمة في أي ثغر من ثغور الإسلام فريضة على كل مسلم، وكلمة من الله تعالى أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأتباعه المؤمنين برسالته إذ قال عز وجل: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران104، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ﴾ آل عمران 110، ولابد أن تقوم هذه "الكلمة – الأمة" وأن تبقى طيبة في أصلها ومنبتها ومراحل نموها ونشأتها، وأن تنهض بواجب إمامة البشرية وقيادتها إلى الحق والتوحيد السوي الرضي، والأخذ بيدها إلى خير الدنيا والآخرة.

أمة في هذا المقام الذي تتقاصر له الهمم، وتتضاءل أمامه القمم وعلى عاتقها هذه المسؤولية التي تشرئب لها الأعناق، وتتدانى لها الغايات والأبعاد والآفاق، لابد أن يتحصن بناؤها الداخلي، وأن توفر لها المناعة الذاتية ضد أمراض النشأة وأوبئة مراحل النمو والتكامل والانسجام الرشيد مع البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية والسلوكية التي حولها، كي تستطيع مواصلة حياتها والقيام بوظيفتها الاستخلافية التي نيطت بها، والتغلب على عوامل أي فساد داخلي محتمل، أو هجوم خارجي طارئ.

في مثل هذه الحالات لا يجدي الانعزال عن الشر وأهله، لأن طبيعة الاجتماع البشري تقتضي التواصل والتفاعل، على قاعدة أن النصر بقدر قوة أهل الحق على الثبات عليه، وإصرارهم على تبليغه وإقامة أمره، وقدرتهم على تغيير بيئتهم بما يناسب صفاء عقيدتهم وصلابة مبادئهم وسمو أهدافهم. وهم في مسيرتهم هذه معرضون للخطأ كما هو شأن كل العاملين، إلا أن قدرتهم  على تصحيح مسيرتهم هي المقياس الدقيق لما لديهم من مناعة ضد الفساد والاندثار، وما يتميزون به من أهلية القيادة والاستخلاف وأداء الأمانة.

ولا شك أن حكمة الله تعالى في جعل الرسالة المحمدية خاتمة للرسالات والقرآن الكريم خاتما للكتب السابقة ومهيمنا عليها، وأمة الإسلام خير أمة تختم بها الحياة الدنيا، لها ما يبينها وحيا مسطورا، وسيرة نبوية حية منظورة، وأمة تجدد نفسها كل حين بإذن ربها، وتتغلب على عوامل الاندثار بما جعله الله لها أولا من قرآن محفوظ، هو نفسه حجة قائمة على مدار الدهر، ودعوة للتوحيد صادعة بالحق في كل زمان، وثانيا من سنة نبوية عطرة هي التنـزيل الواقعي للدين في الحياة ، وثالثا بما يقيضه الله تعالى لها في كل عصر من علماء ربانيين، يعيدون لها شبابها، ويصححون تعبدها ويقومون خطواتها على المحجة الواضحة البيضاء، قال صلى الله عليه وسلم:( إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )، وقال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ).

إلا أن  للحصانة الذاتية كما هي سنن الله تعالى في الخلق والبقاء، ركنا تربويا رابعا له من الأهمية ما يناسب طبيعة الإنسان وفطرته، هو عنصر التجربة ونتائجها سلبا أو إيجابا، به تختمر المفاهيم في العقول، وتنضج التصرفات في المعاملات، وترتسم معالم الصواب والحق في الأفئدة والنفوس. تنتصر الأمة ولتجربة النصر لذات وآفات، وتنهزم وفي تجربة الهزيمة تنبيه إلى مكامن خلل أو إيقاظ من غفلة أو تقوية لعزائم وإرادات.

هذا حال الأمة الإسلامية الناشئة في السنتين الأوليين للهجرة، مرحلة البناء والتشييد عقيدة صافية وأخوة صادقة واستعلاء إيمانيا واثقا بالنصر والتمكين تحت قيادة نبيهم الكريم مما بينته سورة البقرة وشرحناه في القسم الثالث منها، فكانت الجائزة تجربة نصر مؤزر في بدر الكبرى، نصر باركته الملائكة وشاركت في معركته قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ الأنفال 9/10.

وهذا حالها في مقارعة خصومها من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب، ومحاورتهم بالحجة والبرهان، ودعوتهم إلى سبيل الحق وصراطه المستقيم، ودفع ما يمكرون ويكيدون، واتقاء ما يبيتون ويخادعون، مما بينه رب العزة للمسلمين فيما سبق من سورة البقرة وما مر من سورة آل عمران. فتكامل بذلك منهج الإسلام عقيدة في القلوب صافية راسخة، وبناء على الأرض لأمة شاهدة، وأسلوب تعامل مع مختلف العقائد الضالة وأهلها بما ينفع النفوس الحية المقبلة، ويقيم الحجة على الضالة المعرضة، ويمنع الأيدي الآثمة من أن تمتد بالسوء إلى الإسلام وأهله.

إلا أن هذا الصرح الإسلامي المنيف كان لابد لبنائه من تحصين، يمنع عنه عاديات الزمن وقوارع الفتن، فلا يؤتى من داخله، ولا يخترق من خارجه، مهما اشتدت به المحن، أو أحدقت به المخاطر وتداعى عليه الأعداء والخصوم. وكانت الآيات الكريمة الباقية من سورة آل عمران ( من الآية 84 إلى الآية 200 ) لبنات أساسية في حصن الدفاع الذاتي للأمة، بعد أن ذاقت حلاوة الإيمان ولذاذة النصر المبين في بدر، وكان لذلك بليغ الأثر في النفوس والإرادات والعلاقات، لدى معسكري الإيمان والكفر.

ركن بعض المسلمين إلى برد النصر على ضعفهم وقلة عددهم، واطمأنوا إلى أمن من هزيمة تدفعها الملائكة عنهم، وفي ذلك غفلة عن سنن للتدافع بين الحق والباطل ينبغي تذكيرهم بها وتلقينهم دروسها. وتجرع المشركون واليهود مرارة الهزيمة في بدر فأعلنوا التعبئة العامة في صفوفهم، وأشعلوا نار الشائعات والأكاذيب والتشكيك في عقيدة الإسلام وشرائعه، لشق صف المسلمين واستنبات النفاق فيه، وعكفوا على إعداد عدتهم وتوحيد طوائفهم لجولات جديدة من الحرب يثأرون بها لما نالهم ويستأصلون بها الدين الجديد.

في هذه الأجواء، أجواء ما بعد السنة الثانية للهجرة إلى غزوة أحد فغزوة الخندق، وما نال المسلمين فيهما من بلاء ومحنة تنـزلت آيات هذا القسم من سورة آل عمران تعالج آثار النصر والهزيمة بسلبياتهما وإيجابياتهما، تشرح خلفياتهما، وتبين أسبابهما ونتائجهما، وتجعلهما معا سبيلا إلى  نصر أكبر وأعلى وأشد متانة ودواما وتمكينا، وأداة لتحصين الأمة من داخلها، وتقوية مناعتها وقدرتها على المدافعة والصمود، وتكشف من خلال ذلك - للتصحيح والتوعية والتربية - عن حالات من اضطراب الصف وغبش الرؤية لدى بعض المسلمين، وعن سنن الله تعالى في تداول القوة والضعف والنصر والهزيمة، تمحيصا قاسيا للأفئدة ومعادن النفوس ودخائل القلوب والنوايا والمقاصد، مقرونا بمواقف من البطولة النادرة والتضحية الجسيمة والاستشهادية المحتسبة، ومواقف أخرى هابطة منافقة تضمر الشر والكيد والغدر.

إن هذا القسم من السورة يسير نحو نفس الهدف الأول لسورتي البقرة وآل عمران والقرآن الكريم بعامة، وهو إعداد الجماعة المسلمة لإمامة البشرية واستنقاذها وأطرها على منهج الله في الأرض، وإقامة أمرها الجامع في دولة راشدة رائدة، وكيان حي متجدد عصي عن التفتت والاندثار، ولئن وضعت سورة البقرة في قسميها الأول والثالث قاعدة للبناء وأركانا للنظام وأسسا للتنـزيل في الحياة العامة والخاصة، فإن سورة آل عمران قد أتمت ما بقي من صرح هذه الأمة فزودت المسلمين في قسمها الثاني بقاعدة ثانية للصيانة والمنعة والتحصين الذاتي، يصلب بها عودهم، وتقوى بها شجرتهم وتثمر بها أغراسهم.

ولما كان للتجربة في حياة كل أمة أثرها سلبا أو إيجابا، فقد تساوقت أحداث هذه الفترة مع الوحي، حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة[1]، خطوة في الأرض تصيب أو تخطئ، ووحي من السماء يتنـزل، يسدد الخطى، ويبصر بالمزالق، ويبين العلل مرتبطة بمعلولاتها، والأسباب بمسبباتها، والأعمال بنواياها ومقاصدها ونتائجها. وكان هذا القسم على رغم ما نال المسلمين في فترة نزول آياته من شدة ونصب مدرسة تربوية رائعة لجيل رائد من البناة ، هو خير أجيال هذه الأمة، لم يسلموا الروح  لبارئها ولم تهدأ لهم نفوس، حتى دكوا حصون كسرى شرقا، واستخلصوا الشام من حكم القيصر وطرقوا أبواب عاصمته القسطنطينية شمالا، وحرروا من الاستعمار الروماني شمالي افريقية من البحر الأحمر شرقا حتى شواطئ الأطلسي غربا.

وكانت معركة أحد التي هي محور هذا القسم تمحيصا لنفوس المسلمين وتصوراتهم ومشاعرهم ومدى قدرتهم على لجم شهواتهم وأطماعهم، ذاقوا حلاوة النصر في أولها ثم تجرعوا مرارة الهزيمة في آخرها لما خالفوه من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وما راموه من الغنيمة، ثم لما دعوا في اليوم التالي إلى الخروج لمطاردة المشركين في حمراء الأسد استجابوا على ما أصابهم من محنة وخرج بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مجروح في وجهه وجبهته مشجوج في ركبتيه، رباعيته قد شظيت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، فقال فيهم رب العزة تعالى مادحا ومزكيا: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ آل عمران 172/173.

لقد كانت هذه الأحداث كلها بما واكبها من توجيهات قرآنية رصيدا من العبرة والعظة والنضج والوعي تتوارثه أجيال المسلمين، يعمق إيمانها ويثري تجربتها، ويميز صفها ويثبت أقدامها على طريق الحق والجهاد، وينقل آثار المعركة ونتائجها من ميدانها المحدود على سفح جبل أحد إلى ميدان أكبر وأوسع هو ميدان صراع الحق والباطل والإيمان والكفر في كل زمان ومكان، وذلك النصر الحقيقي الأعم والحصيلة التربوية الأوفر والأغنى، وكان هذا القسم من سورة آل عمران كله دروسا عميقة المعاني والمرامي لكل أجيال المسلمين يحفظون بها حوزتهم، ويصونون بها وحدتهم ويرعون بها ذممهم ومواثيقهم، ويصدون بها كل عدوان، ويقمعون بها كل فساد، ويجعلون بها كيانهم العقدي والسياسي والاجتماعي والعسكري والريادي شامخا منتصرا على الأهواء والأحقاد متعاليا على الضعة والاستعباد، مستعليا بإيمانه لا يضره من خالفه إلى أن يأتي أمر الله عز وجل.

تبدأ توجيهات هذا القسم بمعالجة نتائج انتصار المسلمين في بدر، وما أثاره في صفوف المشركين وأهل الكتاب من هلع واستنفار لمحاربة الإسلام وبث التفرقة بين المسلمين ومحاولة تشكيكهم في عقيدتهم، بنشر الأكاذيب والشائعات وتلبيس الحق بالباطل، ولكنه قبل ذلك يذكر بقاعدة التصور الإسلامي والكلمة السواء التي دعوا إليها، لتكون المرجع عند كل غبش أو فتنة والترس الواقي من كل هجوم أو عدوان، بقوله تعالى: ﴿ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ آل عمران 84/85، ثم ينطلق للرد على الشبهات التي يوردها اليهود حول بعض التشريعات الإسلامية الخاصة بالأطعمة وفريضة الحج إلى البيت الحرام، وفضح أساليبهم في المكر والخديعة، وأوجه ضلالهم عن الحق وبعدهم عن الهداية، مبددا ثقة بعض البسطاء من المسلمين فيهم، محذرا من التأثر بهم أو موالاتهم أو محبتهم أو اتخاذ بعضهم بطانة، وهم لا يضمرون للمسلمين إلا الحقد والحسد والغيظ، مبينا في نفس السياق عاقبة اتباعهم وطاعتهم، وما ينتظر المرتدين عن الإسلام من سوء العاقبة، والثابتين عليه من حسن المصير.

ولما كان بقاء الأمة وثباتها على الدين رهنا بوحدة صفها، وكان صمام الأمان لبقاء هذه الوحدة وقوتها هو قيامها بما أخرجت له من وظيفة هداية الناس واستنقاذهم، وكانت الفتن في أغلب حالاتها من الاختلاف والفرقة، فقد وضع القرآن الكريم علاجا لسلبيات هذه المرحلة وبلسما لشفاء أدوائها باستنهاض المسلمين للثبات على الدين والوحدة والقيام بواجب الاستخلاف والإمامة فقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران 103/105.

ثم بعد أن عولجت سلبيات مرحلة ما بعد النصر في بدر، أخذ الوحي الكريم في تحصين الصف المسلم إعدادا لمرحلة جديدة هي مرحلة الاختبار القاسي في أحد، يمهد له القلوب والأفئدة، ويحرض على الجهاد والثبات في مواقف البأس، وعلى مواجهة العدو بتوبة نصوح عن الفواحش والظلم وعن المكاسب الخبيثة والأطعمة المحرمة وما في حكمهما من عوائق النصر، فقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ آل عمران 133/136، وهو الدرس الذي استوعبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأوصى به خالدا وعياضا إذ عهد إليهما بفتح العراق بقوله: ( فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم بالحيرة أحدكما، وليقتحم الآخر على القوم، وجالدوهم عما في أيديهم، واستعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم، ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما، واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعالجة التوبة، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة ).

ثم يواصل الوحي التعقيب على غزوة أحد مبينا ومعالجا ومرشدا وكاشفا لخفايا النفوس والنوايا والمقاصد، يضع المبضع على الجرح فيجلي كامنه ويطهر دسيسته، ويزيح به الغبش عن العيون والران عن القلوب، حتى إذا أثمرت عملية التربية وضوح رؤية واستقامة خطو ويقظة لما يمكره العدو أسبغ رب العزة على عباده شآبيب عفوه ومغفرته فقال: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ آل عمران 152/153.

ومن خلال ذلك يبين حقيقة الحياة والموت، ومآل المؤمن المجاهد إن شهيدا أو مهاجرا أو أدركته الوفاة في نصب الهجرة ووعثائها، ضاربا المثل بثبات خير خلق الله من الأنبياء والرسل في ميادين الجهاد والفداء ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ آل عمران 144/146.

ويختتم هذا القسم بالدعوة إلى الثبات على الدين والمرابطة عند ثغوره، والصبر والمصابرة عند مدافعة أعدائه، وحفظ وحدة معسكر المسلمين صفا وقلوبا وتعاونا على البر والتقوى، بأمضى سلاح غيبي بغيره لا تقوم لهم قائمة، هو سلاح التفكر في خلق الكون أرضا وسماء وكواكب ونجوما ونظاما للحياة، وسلاح الذكر في كل حركات المرء وسكناته، قياما وقعودا وعلى الجنوب، وسلاح الدعاء والاستعانة بالله تعالى لبلوغ ما وعده عباده المخلصين، من الدعاة الصادقين والمجاهدين الصامدين والمهاجرين المحتسبين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران 200.   

هذا غيض من فيض هذا القسم الثاني لسورة آل عمران ونزر من مائه العِدِّ، يرسم ملامحه ويوجز معالمه، ويقدم مدخلا لا يغني عن اقتحام آفاقه، واسترواح عبق نسماته، وأريج نفحاته، وعميق توجيهاته، من أجل الإعداد والاستعداد للمعركة الدائمة المستمرة المتواصلة، معركة الحق مع الباطل والإيمان ضد الكفر، انتصارا لدين الله في النفس والمجتمع، ومناهضة للشرك في الأوضاع والنظم والقيم، وتصحيحا للمفاهيم والموازين في كل مظاهر الحياة ومخابرها، وأطرا لها على منهج واحد، هو منهج التوحيد، عقيدة وتوجها وعبادة ونوايا ومقاصد، وعلاقات اجتماعية تحكمها المبادئ والأخلاق السوية، ونظما سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادبة لا غبن فيها ولا بغي ولا استبداد.


 

[1]  - القُذَّةُ : بالضّم : ريشُ السَّهْمَ : ج قُذَذٌ وقِذَاذُ

 

 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة الثانية)

قاعدة بناء الأمة وتحصينه ومعاول هدمها وتخريبها

قال الله تعالى: ﴿ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) ﴾

 

إن المنطلق السليم لمعالجة كل أمر بعيدِ المرام منيعِ الدَّرَك، سبيلٌ لا غنى عنه للوصول إلى خير النتائج، وكل غبش أو زيغ أو غموض أو انحراف يطرأ على المقدمة ينشئ أثره في الخاتمة ويطغى عليها، والخطوات القوية الواثقة لابد أن تنطلق من أرض ثابتة سوية وإلا عُمِّيَتْ مسالك الطريق وخفيت أعلامه، والقذيفة على الباطل لا تدمغه ولا تمحقه إلا إذا كان مرسلها على قاعدة صلبة من الحق غير ذات عوج، تقوِّي زخم الاندفاع وتسدد الرماية، والحجة الوثيقة لا تفحم ما لم تستند إلى نص قطعي الثبوت والدلالة، يبصر بمكامن الحق وطرق استنباط الأحكام، والحق دائما لا يهدي إلا للحق في كل الأحوال. إلا أن معرفته وحدها لا تكفي للنجاة بين يدي الله تعالى، إذ لابد من اعتقاده والثبات عليه والتمسك به والموت عليه، وإلا كان الأمر مجرد لغو وسفه رأي.

هذا سبيل السالكين في كل عصر ومنهاج الواصلين في كل زمان، وقوفٌ على قاعدة صلبة من العقيدة، وانطلاق منها إلى عاقبة رضية من الحق، وثبات على طريقها وتمسك بعروتها الوثقى والموت عليها. لذلك كان الراسخون في العلم يسألون ربهم الهداية إلى الصراط المستقيم مقرونة بالثبات عليه إلى يوم الدين، ويناجونه متضرعين:{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } الفاتحة 6/7، { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } آل عمران 8، ولذلك أيضا  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لشداد بن أوس: ( إذا رأيت الناس قد اكتنـزوا الذهب والفضة فاكْنِـزْ هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد )[1].

إن الأمر الذي يراد الثبات عليه والرشد الذي تُستحَثُّ العزائم لإدراكه ليسا إلا العقيدة السوية الواضحة السليمة، التي هي قاعدة الانطلاق الأولى لأي امرئ سبق في علم الله فوزه ونجاته وسعادته، يعتقدها قلبه بوضوح ويقين، ويبني عليها عبوديته وعبادته، قوامها التوحيد الخالص بأصوله الستة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ). ومصدرها الوحيد القرآن الكريم والسنة الثابتة، من تمسك بهما أمن فتنة الدنيا وضلالها، وفزع الآخرة وعذابها، قال تعالى: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } البقرة38، وقال:{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } الجمعة2، وقال:{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ } النمل89.

إنها الكلمة السواء التي أمر عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدعو إليها المشركين وأهل الكتاب بقوله تعالى في الآية 136 من سورة البقرة: { قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } وقوله في الآية 64 من سورة آل عمران:{  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }،  وختم بها سبحانه مجادلتهم حول منهج التوحيد والتصور الإيماني السليم، مذكرا بميثاقه مع سائر الأنبياء على أن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض فقال: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} آل عمران 81، وداعيا لهم إلى الانسجام التام مع حركة الكون المسلم لربه، بالانقياد لمنهجه تعالى، كي تنتظم الخلائق كلها في تناسق تام لا تضاد فيه ولا تعاند ولا شذوذ ولا تصادم ولا شقاء:{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } آل عمران83.

وإنها الكلمة نفسها التي تمسك بها الجيل الأول من المهاجرين والأنصار واتخذوها ركيزة ومنطلقا وغاية ومقصدا، فانشرحت صدورهم واستنارت قلوبهم وصار بها إيمانهم مقياسا لإيمان من يلتحق بهم، وكانوا في ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة، وخاطبهم ربهم عز وجل بقوله: {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ } البقرة 137. لذلك أعاد رب العزة تعالى تذكيرهم بهذا الأصل العقدي تثبيتا لهم عليه، وقال لنبيهم صلى الله عليه وسلم: { قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .

ولئن كان المخاطب في هذه الآية الكريمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى { قُلْ }، والمأمورون بالإيمان هم سائر الأمة بقوله عز وجل:{ آَمَنَّا بِاللَّهِ } فإنما ذلك إشارة نورانية إلى الانسجام التام بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أمته، وأنهما كيان إيماني واحد ينصهر فيه الرسول والمرسل إليه، تتكامل أدوارهما ومهامهما، من كل منهما الإيمان والاتباع وأداء الشهادة، ومن كل منهما لبعضهما المحبة والنصرة والمحاماة { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } التوبة128.

ولكي تكون قاعدة الانطلاق صلبة واضحة بينة لا غبش فيها ولا لبس ولا عماء، والثبات عليها ميسرا لمن يطلب الحق ويؤمه ويصبو إليه، حوت هذه الآية الكريمة بإيجاز واف معجز مشرق المعاني محكم الأداء، مجمل الدين بأصوله وفروعه، عقيدة في القلوب وصفاء في النوايا وعبادة بالأقوال والأعمال، ووحدة إيمانية مع ركب الأنبياء السابقين عليهم السلام، ومع الكون كله في خضوعه لربه وإسلامه لمن خلقه، وقيامه لما خُلِق له.

فالإيمان بالله تعالى في قوله عز وجل:{ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ} هو رأس الأمر وقوامه، به تنضبط المقاصد والتصرفات والعلاقات ونظم الحياة بجميع أوجهها وأوضاعها، وبه يحصل الفلاح والفوز والنجاة في الدنيا والآخرة، إن كان خليا من شرك المعتقد والقول والعمل، سالما من فساد التصور في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. أما منهج هذا الإيمان ومُجَلِّيه ومسدِّدُه فهو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة في قوله تعالى عقب ذلك:{ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا }، دينا قيما خليا من البدع والأهواء، كاملا متكاملا، كل نقص منه تقصير وإساءة، وكل زيادة فيه بدعة وضلالة، قال صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )، وقال: ( إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه:"كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة", وقال الإمام مالك رحمه الله:" من ابتدع بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله تعالى يقول:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} المائدة 3"، وقال:" لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا "[2].

ولئن ورد لفظ الإنزال في هذه الآية متعديا بحرف "على" بقوله تعالى:{ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } ملحوظا فيه العلو والاستعلاء والحاكمية المطلقة على العباد، في حين عدِّيَ بحرف"إلى" في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ }البقرة 4 باعتبار وصوله وغايته التي هي مصلحة الأمة بتلقينها آيات بينات جامعات لأحكام الدين عقيدة وشريعة ومعاملة، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، فإنما هذا التأويل على الأولى لا على الوجوب، وإن كانت التفرقة بين لفظي " إلى" و "على" في هذا المجال نوعا من التكلف والتعسف إذا ما نظرنا إلى قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } البقرة 5، وقوله:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَق } المائدة 48، وقوله:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ } النحل 44، وقوله: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } الكهف 1.  

ولما كان الأمر الإلهي في قوله تعالى: { قُلْ } خطابا لفرد هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمقول:{ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } له ولأمته جميعا، وكان الدين عند الله واحدا هو الإسلام فقد جعل سبحانه القول من الرسول ومن أمته ومن سائر أمم الرسالة قبله واحدا لا تضاد فيه ولا تعارض، منسجما مع حركة الكون في خضوعه لربه وعبادته المفطور عليها وتسبيحه الذي لا يفتر { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } الإسراء 44، وجعل من أركان إيمان المسلم أن يصدق بجميع الأنبياء والرسل السابقين وينسجم مع حركة مواكب الرسالات الإلهية من يوم خلق الله الأرض وأرسل الرسل، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتصديق من قبله، ولم يأمره بتصديق أحد يأتي بعده، لأن زمام الإيمان والتكليف انتهى إليه، ورسالة الأنبياء تمت عنده وهو خاتمهم:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} الأحزاب 40، وقال جل جلاله عقب ذلك تتميما لمعالم التوحيد الحق الصُّراح:

 {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} أي: آمنا أيضا بما أنزله الله تعالى من وحي وصحف وتعاليم وآيات ومعجزات على إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب وأسباطه الإثني عشر أبناء يعقوب، وما آتاه موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أنزل على غيرهم من الأنبياء والرسل، من قصهم القرآن علينا ومن لم يقصص. ولئن كنا لا نعرف كتبا نزلت على إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، فإن صحف إبراهيم إذ بلغتهم كأنما نزلت عليهم، وهو نفس الأسلوب القرآني إذ خوطب المسلمون بقوله تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه } النساء 140، مع أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بلغنا عن طريقه.

{ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } أي: نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين ونحبهم، ولاؤنا لهم ولرسولنا عليه وعليهم الصلاة والسلام، لا يحملنا حبّ نبينا على كراهتهم أو إنكار فضلهم، لا نفرق بينهم كما فعل أهل الكتاب إذ فرقوا بين أنبياء الله فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم، وهم فى الحقيقة كافرون بهم جميعاً، لأن الكفر بواحد من الأنبياء كفر بهم جميعاً, قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا }النساء 150/151.

ولئن كانت عقيدة الأنبياء جميعا هي التوحيد الخالص لله تعالى وما يقتضيه في عالمي الغيب والشهود، فإن الشرائع التي أتى بها كل واحد منهم لقومه قد نسختها شريعة القرآن التي جاءت للناس كافة، بها يلتئم جمعهم وجوبا، وينتظم عقد اجتماعهم حتما لازما، لا يجوز لمسلم أن يتبع غيرها أو يحيد عن مسلكها، أو يخرج عن أحكامها، والله تعالى يقول في محكم كتابه: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } سبأ 28، ويقول: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } الجاثية 18، ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ).

أما قول المؤمنين عقب ذلك:{ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فاختصار لكل صفات الإيمان السابقة في تعبير جامع مانع يوجز القضية النهائية العليا لموكب الرسالات التي حطت رحالها بين يدي خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وما دام الإسلام هو الخضوع لله تعالى وحده بالطاعة والعبودية والانقياد والمحبة، فلا ريب في أن أتباعه بإعلانهم خالص الولاء لله والإسلام لدينه عقيدة وشريعة، وقولهم { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }، في منتهى الانسجام مع حركة الكون المسخر لإرادة الله الخاضع لسننه المسبح بحمده، الساجد بين يديه:{ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } النحل 48/49. وما دام الرابط المشترك الأعظم بين نظام الكون ونظام حياة المسلم هو الاستسلام والخضوع والطاعة واتباع الأمر والمنهج فذلك دليل على أن الإسلام ليس مجرد تصديق سلبي بارد لا تتبعه آثاره العملية في الحياة عملا منضبطا للتعاليم الربانية في الفرد والأسرة والمجتمع، ونظاما تدبيريا للأمة، تنشئة وتعليما وإدارة وسياسة وتشريعا وقضاء وعلاقات داخلية وخارجية وبناء للقوة الذاتية دفاعا عن الحوزة ومحاماة عن الدين وأهله، في منهج موصول بالله كفيل بتحقيق حكمة الوجود في الدنيا ومبتغى السالكين إلى الآخرة.    

  لذلك عقب رب العزة على هذا الموقف الإيماني الرشيد بقاعدة إيمانية صلبة ومبدأ صارم قاطع لا لبس فيه ولا غموض فقال:{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }، والمراد بالإسلام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الناسخة لجميع ما سبقها من شرائع الأنبياء قبله، أما العقيدة فواحدة لديهم جميعا وهي التوحيد والتصور الإيماني الرشيد للخالق والمخلوق. فمن شذ واختار غير ذلك لم يقبل الله اختياره، ورد عليه في الآخرة جميع أعماله، لم يرضها ولم يثبه عليها، وحاسبه على كفره وشذوذه عن منهج التوحيد الذي يسير عليه الكون كله:{وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} والخسران في الآخرة هو حصول عقوبة الكفر والآثام المرتكبة، وحرمان ثواب الأعمال التي لم يرد بها وجه الله ولم ترتكز على الإسلام توحيدا وعملا مشروعا، قال تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} النور 39، وقال:{ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } هود 21، ذلك لأن اختيار غير الإسلام شذوذ من الفرد عن النظام العام للخلق، عن نظام جسده وتكوينه أولا، في حركات أعضائه غير الإرادية دورة دموية وتنفسا وتمثلا للغذاء وغيره، وفيما يصيبه ثانيا من ضروب الابتلاء التي ليس له فيه اختيار كالمرض والموت وغيرهما. وشذوذ أيضا عن نظام الكون ومنهج الله فيه، وليس لذلك من نتيجة إلا مصادمة الفطرة والتعاسة والشقاء والخسران.      

ثم لما أمر تعالى بإعلان الإيمان والإسلام قولا وعملا، وحذر من اختيار الكفر، وبين خسارة الكفار والمرتدين، شرع يستدل على استحقاقهم ما آلوا إليه من خذلان وعقاب فقال:{ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }، والهداية من أصلها اللغوي"الهُدى" بضم الهاء وفتح الدال، وهو الرشاد والدلالة، يقال:" هداه هديا وهِداية" أي: أرشده ودله على الغاية والمطلوب. إلا أن معانيها في الاستعمال القرآني تختلف  بحسب سياقها وانسيابها في كل آية، فهي تارة بمعناها العام وهو القدرات العقلية لدى الإنسان المكلف كما في قوله تعالى:{ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } يس50، وتارة بمعنى الإرشاد إلى الدين وأحكامه كما هي وظيفة الأنبياء والمرسلين في قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام71، وقوله:{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } الأنبياء73، وتارة بمعنى السوق إلى الجنة في الآخرة كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } محمد4/6 [3]، وتارة بمعنى المعونة وحلاوة الطاعة كما في قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } العنكبوت69.

إن الله تعالى قد دل الناس جميعا وهداهم إلى منهجه الرضي وهو الإسلام، فمن آمن وامتثل لشريعته وهبه هداية ثانية هي هداية المعونة والتوفيق وحلاوة الإيمان والثبات على الحق، كما في قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } محمد17، أما الذين أعرضوا فلا يستحقون العون من ربهم وهم قد أصروا على الكفر وأعلنوا محاربة الإسلام وأهله، لذلك كان تعقيب القرآن على موقفهم باستفهام يقصد به التنبيه إلى عدم استحقاقهم المعونة، واستبعاد هدايتهم وهم على هذا الحال من الارتكاس فى الكفر والإصرار على الضلال مع علمهم بالحق، وقال عنهم عز جل:{ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا} أي: كيف يعين الله هؤلاء القوم؟، قال الراغب في مفردات القرآن:"كل ما أخبر الله تعالى بلفظ كيف عن نفسه فهو استخبار على طريق التنبيه للمخاطب، أو توبيخ نحو: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} البقرة 28، و { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ } آل عمران 86".

إن المعونة تقتضي ابتداء فعلا من الـمُعان يستحق الإعانة، وهؤلاء الأقوام سادرون في غيهم، فعلى ماذا يعانون وهم:{ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}؟. إنهم ارتدوا إلى الكفر بعد أن آمنوا: { كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}، وعرفوا حق المعرفة رسول الله وصدق رسالته وما يبلغه عن ربه: { وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ }، عرفه أهل الكتاب بنعته وصفاته الواردة في التوراة والإنجيل، حتى قال عبد الله بن سلام قبل إسلامه حين رآه:" لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد"، وجاءتهم آيات نبوته معجزات رأوها رأي العين باهرة، وقرآنا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله: { وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}، فلم يبق لذوي العقول والبصيرة إلا أن يبتغوا الإسلام ويثبتوا عليه، إلا أن غشاوة الكبر والحسد والعزة بالإثم أبت لهم إلا الضلال عن الحق، والاستبعاد من رحمة الله والحرمان من توفيقه وعونه وهدايته.

لقد اختلف المشتغلون بأسباب التنـزيل وأهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية ومن عني بها، روي أنها نزلت في الحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت وأبي عامر الراهب وطعمة بن أبيرق في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، وكان منهم مَنْ آمن فاستثنى الله التائبَ منهم بقوله: { إِلاَّ الذين تَابُواْ }، وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآيات من قوله تعالى: { كَيْفَ يَهْدِي الله } إلى قوله: { إِلاَّ الذين تَابُواْ } في الحارث بن سويد، كان مسلما ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من توبة؟ فنـزلت الآيات فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه فقال الحارث: والله إنك ما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاما حسنا. كما نسب لابن عباس أيضا أنها نزلت في اليهود والنصارى شهدوا ببعثته قبل ظهورها وآمنوا به، فلما جاء من العرب حسدوه وكفروا به. إلا أن هذه الآيات في عمومها تسع كلَّ من ذُكِر ومن عمل عملهم في كل مصر وعصر، حماية للأمة الإسلامية من العبث بدينها ووحدتها ومناعة حصونها، وقدرتها على مدافعة أدوات التخريب الداخلي والمكر الخارجي، وإنزالا للعقاب على قدر الجرم والخطيئة،  ولذلك حجب الله تعالى عنهم معونته ولطفه وتوفيقه في الدنيا، جزاء وفاقا لما ارتكسوا فيه من الظلم الأكبر الذي هو الشرك بالله فقال:{ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }. ثم بين عاقبة أمرهم في الآخرة بقوله سبحانه:

{ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } يلعنهم الله عز وجل، ولعنته تعالى هي طردهم من رحمته وإبعادهم عن رحاب لطفه، أما لعنة الملائكة والمؤمنين لهم في الدنيا والآخرة فدعاؤهم الدائم عليهم بها، ويوم القيامة أيضا يلعن الكفار بعضهم بعضا كما قال تعالى:{ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا } الأعراف 38، وقال: { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } العنكبوت 25.

ثم أكد رب العزة لعنته عليهم بعقوبة أخرى لازمة لها فقال: { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: في اللعنة وما تستتبعه من عذاب جهنم، { لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } لا يفتر عنهم العذاب لحظة ولا يخفف بل يضاعف ويتجدد، {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } والإنظار هو التأخير، أي تعجل لهم العقوبة ويبادرون بها في جهنم دون إمهال أو تأخير، قال عز وجل: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب } النساء 56.

إلا أن رحمة الله تعالى وقد سبقت غضبه[4]، ووسعت كل شيء[5]، فتحت بابا لتوبة من أسرف على نفسه بالظلم شركا وآثاما، فقال تعالى عقب ذلك:{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } وفي الجملة استثناء متصل لأنه قال:{ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}  أي من بعد كفرهم، { وَأَصْلَحُوا } ما أفسدوا من نواياهم وأعمالهم ومقاصدهم.

ولئن كانت التوبة واجبة على الفور لكل امرئ أذنب، والله تعالى يحبها لعباده ويرغبهم فيها بقوله:{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } النور31، وقوله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } التحريم 8، فإن لها أركانا لا تتم إلا بها، يدل على ذلك تقييدها بقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:{ وَأَصْلَحُوا}.

 في مقدمة هذه الأركان الندم على ما فات، والإقلاع عن المحرمات، والقيام بالواجبات على أحسن الحالات، والعزم على عدم العود إلى المخالفات، ورد المظالم أو الاستحلال منها، ويدخل في الآفات التي ينبغي التخلص منها والتوبة عنها كذلك ما يعلق في سلوك التائب من رديء عادات وشبهات، وسيء طباع مخلة بالمروءة، يكتسبها من رفقة غير صالحة أو مهنة معرضة للفتن، كما هي حال أخلاق التجارة والمحاماة والنشاط الحزبي الحريص المتعصب، أو السياسي الوصولي المتلهف، أو الوظائف السلطانية المختصة بالاطلاع على عورات الناس وأسرارهم، وغير ذلك مما يتعود فيه صاحبه عادات محرمة، كالنصب والكذب واليمين الغموس والخصومة الفاجرة وكتمان النصح للمسلمين، والحرص على تتبع عورات الناس والتشهير بهم أو التبليغ عنهم إلى أعدائهم، أو يجد نفسه منغمسا في أعمال وتصرفات مشبوهة متشابهة يجدر به أن يجنبها عرضه كما في حديث رسول الله صلى الله عليه سلم: ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ). كل ذلك إثم لا تتم التوبة النصوح بدون الإقلاع عنه. فإن ألهم الله تعالى عبده التوبة والإصلاح وأعانه عليهما { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }. يغفر الذنب ويقبل التوب، بل ويبدل السيئات حسنات { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }  الفرقان 70.    

ثم عقب عز وجل على رحمته للتائبين المستجمعين شروط التوبة النصوح بذكر طائفتين شقيتين من العصاة لا تقبل توبتهم { وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } المرسلات 36، فقال تعالى عن الأولى:

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } أي: إن الذين آمنوا ثم كفروا وازدادوا كفرا بإصرارهم عليه ومقاومتهم للحق وإيذائهم لأتباعه لن يقبل الله توبتهم وأنهم هم الضالون حقا عن الصراط المستقيم. وغير خفي أن هذه الآية بادي الرأي ظاهرها مخالف لمبدأ قبول التوبة المتضمن في سياقات كثيرة من القرآن الكريم، وقد قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } الشورى 25، إلا أن تأملا واعيا لها يكشف أن إطلاق لفظ "التوبة" فيها من غير صفة تميز صحتها من بطلانها وصدق صاحبها من عدمه، يشير إلى أنها توبة ناقصة وغير صحيحة، وأن في الآية محذوفا يدركه أرباب اللغة تقديره " ولم يتوبوا توبة نصوحا"، أي: " ثم ازدادوا كفرا ولم يتوبوا توبة نصوحا لن تقبل توبتهم". لا سيما والتوبة المطلقة عن أي صفة تميزها قد تكون على غير ما تقبل به، كمن تاب عن الفاحشة لا لأنها محرمة، ومن تاب إلجاء واضطرارا أو عند الغرغرة، قال تعالى:{ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ } النساء 18،  يظهر هذا المعنى جليا إذا ما استعرضنا بعض الآيات الكريمة المتعلقة بالتوبة المقبولة وقد قيدت بوصف يدل عليها، مثل قوله تعالى:{ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ  } غافر 7، وقد قيدت التوبة باتباع سبيل الله، وقوله عز وجل:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا }التحريم 8، وقد قيدت التوبة بالنصوح، وقوله سبحانه:{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِين } النساء 146، وقد قيدت التوبة بالإصلاح والاعتصام والإخلاص.

وقال عن الطائفة الثانية:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } وهو إخبار منه عز وجل عن مآل من مات على الكفر في الآخرة، لا يقبل منه ما أنفق في الدنيا ولو كان ملء الأرض ذهبا، ولا يستطيع افتداء نفسه من العذاب بمثل ذلك أيضا لو وجده في الآخرة. قال تعالى:{ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } الزمر 47، وقال:{ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى } المعارج 11/18. وسئل صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جُدْعان وكان يُقْرِي الضيفَ ويَفُكُّ العاني ويُطعم الطعام، هل ينفعه ذلك؟ فقال: ( لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ )، وقال أيضا: ( يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ قَالَ فَيَقُولُ نَعَمْ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي ).

ثم لما أخبر تعالى بأن من مات على الكفر لا يقبل منه عمل بر ولا إنفاق ولا افتداء، أخبر ثانيا بمصيره إلى العذاب والخذلان يوم القيامة فقال:{ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}، لا أولياء له  ينصرونه ولا شفعاء يشفعون له، ولا خلان ينفعونه، قال عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } الأحزاب 64/65.

 بهذه الآيات الكريمة بين رب العزة مجمل نجدي الخير والشر، ومُؤدَّى كل منهما إلى الجنة أو إلى النار، وأوضح قاعدة بناء الأمة الإسلامية على أرض صلبة من التوحيد والتوبة، هي دين مواكب الأنبياء والرسل من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام جميعا، كما حذر من أخطر معاول والانهدام الداخلي شركا وردة،  مما أوجزه قوله تعالى أيضا :{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } الأعراف 96، بذلك أقام سبحانه الحجة وهدى السبيل، ورغب في الثبات على الحق، وحذر من فتن الردة والعزة بالإثم ومقارفة الظلم، ووضع لبنات تربوية لبناء الفرد والجماعة، بها يتحصن صرح الأمة وتقوى شوكتها وتصان كرامتها { تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ } آل عمران 108. ولئن استبيحت أرض المسلمين وأعراضهم في هذا العصر فإنما ذلك لما أعرضوا عن نجد الخير والإيمان، وتنكبوا عن طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وتهافتوا على لذائذ الهوى الفاني وشهوات النفوس الساقطة، ومتع الحياة الزائلة، فأصابهم ما أصاب الأمم من قبلهم { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } الكهف59. 

 


 

[1]  -  الحديث بتمامه كما في السلسلة الصحيحة للألباني: ( يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس قد اكتنـزوا الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب

 [2]  - الاعتصام للشاطبي / الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها

[3]  -  قال تعالى:{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} الزمر 73

[4]  - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ، أَوْ قَالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ/ البخاري.

[5]  - قال تعالى:{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} الأعراف 156.

 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة الثالثة)

 

تحديد الهدف ثبات في الأمر وعزيمة على الرشد وحماية من الفتن

 

     قال تعالى:{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) }

 

   

لقد كانت الأمة الإسلامية أثناء نزول سورة آل عمران تمر بمرحلة عسيرة من مراحل نشأتها، وظروف قاسية شحذ فيها الخصوم أسلحتهم لاستئصال الدين الجديد والتشكيك فيه، والصرف عن اتِّباعه، وعرقلة بناء دولته وإقامة أمره الجامع، وهي ظروف تتجدد دوما في كل عصر، لما حُمِّلَتْه هذه الأمة من أمانة الدعوة والشهادة، وما لها من قابلية للاستمرار والبقاء والتجدد والمواءمة لكل ظرف، وما حباها ربها به من استعصاء على الاندثار والانتقاض، ولما يتداعى عليها بسبب ذلك من أعداء تواطؤوا على الباطل وتمادوا في الضلالة، وأمعنوا في الخصومة, قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك )، وقال: ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ).

لذلك كان من مقاصد الوحي الكريم أن يزود المسلمين بأدوات للبناء والحماية والمدافعة مهما تغيرت الأحوال وتعاقبت الأجيال، كي يحتفظ كيانهم العقدي ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري والثقافي بحيويته ومناعته وقدرته على الاستمرار والعطاء.

ولئن كان حتما لكل سبيل مقصد يؤمه، ولكل مشروع غاية يبلغها، ولكل عمل هدف ينتهي إليه، ولكل توجه بوصلة تحدد موقعي وروده وصدوره، تلافيا لأي إهدار للجهد والوقت، أو تسيب في التصرف والعمل، أو اضطراب واختلاج في الخطو، أو تيه وضلال في الطريق، فقد حدد رب العزة تعالى أعلى ما ينبغي أن يطلبه المسلمون ويسعون إليه فرادى ومجتمعين، وأشرف ما يجب أن يبذلوا جهودهم لتحقيقه وتحصيله، كي يستعدوا للأمر، ويشحذوا له العزائم، ويعدوا له الأسباب والذرائع، وأوجز كل ذلك في كلمة واحدة جامعة لخيري الدنيا والآخرة هي:" البر" فقال: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾.

والبر هو الإحسان وكمال الخير وشموله، من أصله اللغوي الذي هو التوسع فى فعل الخيرات، ورد في هذه الآية الكريمة مطلقا ومعرفا ب"ال"، للدلالة على شموله أفعالا كثيرة من حيث مضمونها وكميتها، وهو من العبد يعني الصدق والطاعة، يؤديان في الدنيا إلى حالة إيمانية يبلغها بالمجاهدة، عقيدة سليمة واضحة، وعبادة منضبطة بأوامر الشرع ونواهيه، ووفاء بعهد الله في السر والعلن والنوايا والمقاصد، ومشاعر طيبة تحب لله وتبغض لله. ومن الله تعالى يعني جزاءه على الطاعة، وهو دخول الجنة إكراما وإحسانا، قال تعالى: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ المؤمنون 111، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ العنكبوت 58.

ولئن كانت أعمال البر غاية سعي المؤمنين الأبرار، فإن كمال البر جائزته تعالى لهم، قال عز وجل: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ المطففين22/26، وقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ الإنسان 5/8.

إن هذه الآية الكريمة والتي قبلها تربطان أعمال الدنيا بنتائجها وعاقبتها في الآخرة ربطا منطقيا عادلا، وتُبَيِّنان بكل وضوح أن إنفاق الكافر ولو كان ملء الأرض ذهبا لا يقبل منه ولا يرفعه إلى درجة الأبرار في الدنيا، ولا ينيله بر الآخرة الذي هو الجنة، يمنعه من ذلك الشرك والإعراض عن منهج الله، ومأواه النار خالدا فيها ليس له من شفيع ولا ناصر ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ آل عمران 91، أما إنفاق المؤمن في كل أوجه الخير مهما قل فعبادة مقبولة تنيله بر الله وإكرامه وفضله وجنته: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ آل عمران92.

ولئن كان الإنفاق الواجب في الزكاة مقدرا ومن طيب المال: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ البقرة 267،، فإن الإنفاق التطوعي المقبول قد قيد بوجوب كونه في سبيل الله ومن أحب ما لدى المرء وأطيبه، ولم تشترط فيه قلة ولا كثرة، ولا نوع أو صنف، لاختلاف ما يحبه الناس وما يملكونه، وما يستطيعون بذله قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾الطلاق7، وقال: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ﴾ التوبة 121، وقال صلى الله عليه وسلم:( أفضل الصدقة جهد الـمُقِلِّ )، وقال:( اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة )، وقد ورد عن ابن عباس أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا وما الذي ننفقه منها فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو ﴾ والمراد بالعفو ما يفضل عن الأهل ويزيد عن الحاجة، وكان الرجل قبل ذلك ينفق ماله حتى لا يجد ما يتصدق به ولا ما يأكل. وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فحث على تجهيز جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان، رضي الله عنه: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حَثَّ، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرْقاة من المنبر ثم حثَّ، فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. فقال صلى الله عليه وسلم: ( ما على عثمان ما عمل بعد هذا ). وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال رجل لأتصدقن الليلة بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني، فأُتِيَ فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله ). ذلك لأن العبرة في الإنفاق بالقصد والنوايا، وطيب المكسب، وحلية الانتفاع، مما لا يعلمه حق العلم إلا الله تعالى، ولذلك عقب عز وجل بقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ يعلم مقاصد المنفقين ومكاسبهم ومقدار استجابة إنفاقهم لما رغب فيه الشرع، وما يستحقونه من جزاء.

إن الله تعالى عندما بين أن إنفاق الكافر لا ينفعه البتة في الآخرة، قد أرشد عقب ذلك إلى كيفية الإنفاق النافع في الآخرة بقوله: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، إلا أن ذلك وحده ليس كافيا لبلوغ منـزلة الأبرار والفوز بالجنة، لأن للبر شعبا وأعمالا وعبادات أخرى لابد من ارتيادها والانقياد لتكاليفها وأوامرها ونواهيها، واستجماع خصال الخير فيها، وتتويج كل ذلك بالإنفاق في سبيل الله. وهذا يقتضي أن من أنفق مما يحب ولم يأت بسائر الطاعات الأخرى لم يدخل تحت الآيات الدالة على عظم ثواب الأبرار. لذلك ورد التعبير في الآية بكلمة "حتى" الغائية: ﴿ حَتَّى تُنْفِقُوا ﴾ أي أن الإنفاق مجرد نهاية الغاية بعد صفات البر الأخرى، التي بينها الوحي الكريم في سياقات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله عز وجل: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ البقرة 177، وقد خرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان فتلا:﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ﴾ حتى فرغ منها، ثم سأله أيضاً فتلاها، ثم سأله فتلاها وقال: ( وإذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك ).

إن المرء إذا عرف ما قصد هان عليه ما لقي في الطريق من المحن وما وجد، ومن كان هدفه المال فوجده عكف عليه، ومن كان المنصب همه وغايته انكفأ عليه وسجد له، ومن كانت وجهته الله تعالى ورضاه ثبت متمسكا بصراطه المستقيم، لم يصرفه عنه رغب أو رهب أو فتنة، ولم يثنه عنه إغراء شهوة أو منفعة أو جاه. لذلك بين رب العزة لأوليائه غاية سعيهم ومآل أعمالهم وحدد لهم الهدف الذي ينبغي أن يكون نصب أعينهم، لا يضلون عنه ولا ينسونه، وهو بره بهم ورضاه عنهم وإحسانه إليهم في الآخرة وإدخالهم الجنة وقال: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، وفي ذلك تثبيت لهم على الحق وحماية لهم من مكايدات المشركين وأهل الكتاب ومحاولاتهم الصرف عن الدين، لاسيما واليهود كانوا يتحينون كل فرصة للطعن في الإسلام ونبيه، ويتصيدون كل شبهة لبلبلة صف المسلمين وتشكيكهم في صحة الرسالة، ولما أباح الإسلام لحوم الإبل وألبانها ومطعومات أخرى كانت محرمة عليهم انطلقوا يشيعون أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس على ملة إبراهيم التي أعلن اتباعها والانتساب إليها، لأنه أباح محرمات من عهد إبراهيم، وأن نسخ الأحكام غير جائز في الشريعة، فنزل قوله تعالى عقب ذلك:

﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾. وقد ذكر الواحدي " أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: إنه على ملة إبراهيم قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نُحِلُّه، فقالت اليهود: كل شئ أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان على عهد نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فنزل قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ... ﴾"، والآية بذلك تكذيب لدعواهم، وتجهيل لهم بشريعتهم في التوراة، وتسفيه لما ذهبوا إليه من عدم جواز النسخ في الشرائع، وتأكيد أن الأطعمة كلها كانت حلالا من عهد إبراهيم قبل أن تنـزل التوراة، وأن ما حرم إسرائيل على نفسه كان مجرد نذر نذره إن شفي من مرض ألم به، فاتبعه أبناؤه فيه، أما المحرمات الأخرى عليهم فقد بين تعالى في آيات أخرى أنها كانت عقوبة لليهود على ما ظلموا، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ الأنعام 146، وقال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ النساء 160/161، وما دامت بعض المطعومات كانت مباحة لليهود قبل أن تنـزل التوراة ثم حرمت بنزولها فهذا عين النسخ عندهم، وهو النسخ نفسه في شريعة عيسى عليه السلام كما ذكر القرآن ذلك بلسانه: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾آل عمران 50، وهو كذلك ما ينكرونه على الإسلام إذ أباح لحوم الإبل وغيرها من الطيبات التي كانت محرمة عليهم بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ الأعراف 157.

وإذ أصر اليهود على الطعن في الإسلام والتنفير منه، والزعم بأنه أباح ما كان محرما في ملة إبراهيم، جهلا منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم، تحداهم القرآن بقوله تعالى:

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: هاتوا التوراة التي بين أيديكم فاقرؤوها ليتبين المحق من المبطل والصادق من الكاذب. إلا أنهم لم يجرؤوا على الاستجابة للتحدي ولم يأتوا بالتوراة للمجادلة بفحواها، فانقطعت حجتهم ونكصوا على أعقابهم، وتبين بشواهد المعقول والمنقول وجه الحق والسداد والصدق في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وما أخبر به عن ربه، ولذلك عقب عز وجل على واهن رأيهم وانقطاع حجتهم وقال محذرا من التمادي في الكذب والافتراء والمجادلة بالباطل:

﴿ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ والافتراء هو الكذب والاختلاق، أي: فمن استمر على الكذب على الله وتزييف حقائق التشريع الرباني فقد ارتكب الظلم الأكبر وهو الكفر والشرك، قال عز وجل:﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لقمان 13.

وإذ أسفر الحق اليقين، واتضح لعقلاء المخاطبين بالبينات الملزمة التي لا ريب في صحتها ولا مساغ للشك فيها أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المتبع لملة إبراهيم والعارف بها،  أمره ربه عز وجل بأن يجدد الدعوة إليها ما دامت هي دعوة الإسلام الذي جاء به، فقال تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، أي قل لهم: لقد صدق الله تعالى في كل ما أخبر به، وتبين  دليل ذلك وحجته، فلم يبق لكم إن كنتم تبحثون عن الحق وتودون الوصول إليه إلا أن تتبعوا ملة الإٍسلام التي هي ملة إبراهيم نفسها ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾  إبراهيم الذي حنف عن الباطل ومال عنه وتجنبه، ولم يشرك بالله شيئا ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: ما كان من اليهود في ادعائهم أن عزيرا ابن لله، أو من النصارى في زعمهم لله الصاحبة والولد- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.   

فهل استجاب اليهود لنداء العقل والنقل، وهل كفوا عن الافتراء والمماحكة والتعنت، وتخلوا عما ارتاضوا عليه من سيئ اللجاج وصلف المراء، في تاريخهم الطويل من عهد موسى عليه السلام ؟ ذلك ما لم يكن، وتلك طباع منهم مردوا عليها وأصبح نقلهم عنها ممتنعا، وصرفهم عنها متعذرا، فما تكاد تُرَدُّ شبهة لهم، حتى يثيروا شبهة أخرى، كما في سياق هذه الآيات الكريمة، وكانوا يفاخرون المسلمين ويقولون: "بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنها مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة "،  فلما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة طعنوا في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن بيت المقدس أحق بالاستقبال وهو أرض المحشر وجميع الأنبياء يعظمونه، ولو كان محمد نبيا لعظمه أيضا، فنزل للرد عليهم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾.

والمراد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ أن المسجد الحرام أول بيت وضع لعبادة الناس في الأرض قبل بيت المقدس، طمره طوفان نوح فأعاد إبراهيم الخليل بناءه ورفع قواعده.

وقد روى البخاري عن أبي ذر قال: قلت:" يا رسول الله أي مسجد وضع أولَ؟ " قال: ( المسجد الحرام )، وعن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: " ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض؟" فقال:" لا ولكنه أول بيت وضعت فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً "، وفي رواية:" قد كانت قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للعبادة "، وفي رواية عن أبي رجاء قال:" سأل حفص الحسن - وأنا أسمع - عن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾ آل عمران 96، فقال:" هو أول مسجد عُبِد الله فيه في الأرض".

وبكة اسم لمكة المكرمة، والباء والكاف أصل يفيد التزاحُمَ والمغالبة، سُمّيتْ بكّةَ لأنّ النّاسَ يبكُّ بعضُهم بعضاً في الطَّواف ويتدافعون، وقيل أبدلت الميم في لفظ" مكة " بالباء من باب الإبدال، كقولك: طين لازب ولازم، وأربد وأرمد إذا كان في لون الرماد. أما مكة فاشتقاق اسمها من أصله اللغوي:"مَكَّ " أي:امتص، يقال مَكَّ الفصيل الضرع إذا امتص جميع ما فيه، وامتك العظم إذا استخرج مخه، سميت بذلك لقلة مائها وكون أهلها يَمْتَكُّون الماء من الآبار، أي يستخرجونه.

ثم أردف تعالى بذكر صفات البيت الحرام التي تميزه عن سائر بيوت العبادة فقال:

﴿ مُبَارَكًا ﴾ من البركة، وهي النماء والزيادة والدوام، أي: عظيم الخيرات الحسية والمعنوية والروحية دائمها في الدين والدنيا.

﴿ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ قبلة يهتدون بها إلى جهة صلاتهم، فتشعرهم بوحدتهم أينما كانوا، وتذكرهم بما يقربهم من الله ويوصلهم إلى رضاه وجنته.

﴿ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ أي: فيه علامات ظاهرة تبين فضله، ودلائل واضحة على شرف منـزلته وعلو قدره، منها إهلاك أبرهة بطير الأبابيل إذ أراد البيت بالسوء، ونبع زمزم لهاجر ورضيعها إسماعيل، وأن ماءه لما شرب له، والحجر الأسود والمشاعر كلها، ومنها قوله تعالى عقب ذلك:

﴿ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ وهو الحجر الذي فيه أثر قدَمي إبراهيم عليه السلام في الصخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة، كما يعني أيضا المسجد الحرام لأنه محلّ قيامه للصلاة والطواف، قال تعالى: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ البقرة 125 .

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾ آمنا في نفسه وماله، على تفصيل في الأحكام الشرعية إن كان المرء متابعا في جناية أو حد، فإن جنى خارج الحرم ثم التجأ إليه عصمه لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾، كما ذهب إليه عبد الله بن عباس إذ قال:" إن جنى في الحل ثم التجأ إلى الحرم لا يقتص منه، لكنه لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج من الحرم فيقتص منه"، وهو رأي الحنفية والحنابلة. أما المالكية والشافعية فيرون الاقتصاص منه، سواء كانت الجناية في النفس أو غيرها، مستدلين بنصوص نبوية منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قيل له إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: ( اقتلوه ).

أما من جنى في الحرم فقد اتفق الفقهاء على الاقتصاص منه في كل الأحوال، لأنه انتهك حرمة بيت الله تعالى، قال عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }الحج 25، وقال : ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ البقرة 191.

لهذه المميزات التي تفرد بها البيت الحرام، ولغيرها مما في علم الله وحكمته، فرض الحق سبحانه الحج على المسلمين فقال عقب ذلك:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ فكان الحج ركن الإسلام الخامس، كما ورد صحيحا عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإسلام فقال: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتوتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ).

هذه الآية هي دليل وجوب الحج عند الجمهور، وجوبه بالنص والإجماع مرة واحدة في العمر لمن استوفى شروطه، وهي الإسلام والعقل والبلوغ والاستطاعة ووجود المحرم مع المرأة، ويدخل في الاستطاعة القدرة البدنية وأمن الطريق وحاجات السفر ركوبة وزادا، ونفقة الأهل في فترة الغياب للحج. عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا )، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال: ( لو قلت  نعم لوجبت ولما استطعتم )، ثم قال: ( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ).

وعندما حاول اليهود مغالطة المسلمين في دينهم وقالوا "فنحن مسلمون" عقب نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ آل عمران 85، فضح الرسول صلى الله عليه وسلم مكرهم وزيف دعواهم وقال لهم: ( إن الله فرض على المسلمين حج البيت ) فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، فأنزل الله قوله:

 ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ والكفر صنفان، كفر نعمة إن كان المرء معترفا بوجوب الحج ولم يحج مع الاستطاعة، وكفر مروق من الدين إن جحد وجوبه وأنكره، والآية تشمل الصنفين معا. ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ ﴾ أي بالنعمة أو بالدين ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ وغناه تعالى مطلق عن جميع الخلق طائعين وعصاة.

بهذه الآيات الكريمة بين عز وجل للمسلمين أولا غاية وجودهم وهدف عبادتهم وجعل البر الذي هو رضوان الله والجنة، زاد طريقهم وإكسير حياتهم، وعاقبة أمرهم ومآل آخرتهم، ثم رد ثانيا على ادعاءات اليهود ومغالطاتهم ومحاولاتهم تشكيك المسلمين في دينهم، وأبطل ما زعموه في أمر الأطعمة حلها وحرامها، وما افتروه من المفاضلة بين المسجد الحرام وبيت المقدس، وتاريخ الرسالات معاصرها للبعثة النبوية وسابقها. ثم شرع في توبيخهم على مكرهم وعنادهم وجحودهم للحق، ومحاولاتهم الدس وإثارة الفتن بين المسلمين فقال عز وجل:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ تهديد ووعيد لأهل الكتاب المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولليهود منهم بصفة خاصة، لكفرهم بالقرآن الكريم وإنكارهم ما ورد في كتبهم من دلائل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ونبوته، وغفلتهم عما ينتظرهم في الآخرة، والله يعلم أعمالهم ويشهد عليها ويحاسبهم بها. وقد نزلت هذه الآية والتي بعدها إلى قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران 105، بسبب رجل من اليهود حاول الإغراء بين الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق: " حدثني الثقة عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس - وكان شيخاً قد عسا [1] في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب: أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا، السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم. فقال: ( يا معشر المسلمين: الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ؟ )، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع ".

وبعد أن أنكر عليهم في هذه الآية ضلالهم وكفرهم في أنفسهم شرع في توبيخهم ثانية على ما يقومون به من محاولة إضلال غيرهم فقال عز وجل:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾ أي: يا معشر من يدعي التصديق بكتب الله توراة وإنجيلا.

﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ ﴾ لم تصرفون عن دين الله من آمن به، وتضلونهم عن سبيله.

﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ تطلبون لصراطه المستقيم الزيغ والاعوجاج والميل عن الحق عقيدة وشريعة وأعمالا.

 ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ﴾ تشهدون دلائل صحة الرسالة المحمدية وآيات صدق رسولها وحجج ما جاء به.

﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ تهديد آخر لهم بسوء العاقبة عند الله تعالى لما يرتكبون من صد عن الإسلام، ومحاولة إضلال أتباعه، ووعيد لهم بالهوان والعذاب في الآخرة، وإنذار لهم بأن الله تعالى محيط بجميع نواياهم وأقوالهم وأعمالهم وليس غافلا عنها.

ثم أقبل عز وجل على عباده المؤمنين رحمة بهم وتأنيساً لهم وتحذيرا من إغواء الكفار وإضلالهم، فناداهم بوصف الإيمان، كي تطمئن قلوبهم به فيثبتوا عليه ويتمسكوا به، ويوقظ النداء في عقولهم ما تقتضيه العقيدة من فطنة ويقظة وحرص على الدين وحذر مما يدبره أعداءه من أهل الكتاب والمشركين فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ ولئن كان سبب نزول هذه الآية  هو ما وقع بين الأوس والخزرج من خلاف وخصومة، فإن الخطاب فيها عام لجميع المسلمين، لذلك لم يقيد الله تعالى الطاعة بزمان أو مكان أو حادثة، بل قال: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ جعل الطاعة مطلقة تفيد التحذير من اتباع أهل الكتاب كافة، لأن حرف "من" في قوله تعالى ﴿ فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ ليست للتبعيض، ولكنها لبيان الجنس، وتقدير الآية الكريمة:" إن تطيعوا فريقا هو الذين أوتوا الكتاب"، وذلك لأنهم لا يضمرون المحبة ولا النصح للمؤمنين، غايتهم الفتنة والصرف عن الإسلام.

إن الطاعة في المفهوم الشرعي عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى، منه يتلقى المرء منهج حياته وقواعد سلوكه وضوابط عواطفه ومشاعره وعلاقاته، فإن صرفت الطاعة لغير الله واقتبست المناهج والتصورات من سواه كان الضلال بما يحمله من ملامح الشك في العقيدة ومصدرها وأداة تبليغها،  وكان الكفر تبعا لذلك نتيجة له. إلا أن عدم طاعة أهل الكتاب لا يعني عدم البر بالمسالمين منهم والقسط في معاملتهم، قال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ الممتحنة 8.

إن العقيدة حصن دفاع الأمة الإسلامية، وسفينة نجاتها في الدنيا والآخرة، وأعداؤها في كل عصر يحرصون على تعتيم تصورات المسلمين الإيمانية، كي تختل مناهج حياتهم ويفسد نظام جماعتهم ويلتبس عليهم أمرهم، لذلك منذ تعكر مشربهم بتعدد مصادر التلقي العقدي ضعفت مناعتهم وأصبحوا في أشد حالات التخلف والتشردم والتمزق والتناحر، وتألب عليهم أعداؤهم يعيثون فيهم فسادا وإفسادا وإضلالا، وقتلا وسفكا للدماء وانتهاكا للأعراض، ونهبا للثروات وتحكما في العباد والبلاد، واستغلالا دنيئا لحاجات الفقراء.

لهذا كان النداء الرباني في هذه الآية الكريمة بحق تحذيرا قويا وصارما من أخطر أبواب الفتنة ومزالق الضلال، وهو شرك الطاعة، طاعة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ أي: أنكم إن لنتم لأهل الكتاب وقبلتم أقوالهم استدرجوكم من حال إلى حال، إلى أن تصيروا كفارا، تكفرون بأخوة العقيدة ورباط الإيمان وتعطلون كتاب الله وسنة نبيه، فتتفرق كلمتكم ويتمزق صفكم أعراقا وألوانا وأجناسا وقوميات، ويكون بأسكم بينكم شديدا, فتسقطون في الكفر من حيث تعلمون أو لا تعلمون، وذلك مبتغى أعداء دينكم، قال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق ﴾ البقرة 109.

ثم عقب تعالى على هذه الآية الكريمة باستفهام يراد به استبعاد سقوطهم في الكفر ونفي رجوعهم عن الإسلام فقال: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ سؤال إعجاب بثباتهم على الدين وتمسكهم بالإيمان، واستبعاد لوقوع الكفر منهم والقرآن يتلى عليهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل إعجابه عليه الصلاة والسلام بمن يأتي بعده فيؤمن به من غير أن يراه، فيما روي صحيحا عنه إذ قال لصحابته رضي الله عنهم: ( أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ )، قالوا: الملائكة، قال: ( وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ )، وذكروا الأنبياء، قال: ( وكيف لا يؤمنون والوحي ينـزل عليهم؟ )، قالوا: نحن، قال: ( وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ )، قالوا: فمن يا رسول الله؟، قال: ( قوم يأتون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بها ).

إن الكفر من المسلمين بعيد، ما تمسكوا بكتاب الله يتلونه حق تلاوته ويعملون بشرائعه، ويتبعون سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم يقتدون بها ويسترشدون ببيانها في حياته وبعد مماته. قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾الحديد 8/9, وقال صلى الله عليه وسلم:( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله ).

ثم تَوَّج عز وجل هذه الآيات الكريمة بقاعدة إيمانية مطلقة لا يضل من ركن إليها ولا يخيب من اتخذها منهجا، ولا يشقى من أودعها قلبه وجدانا راقيا وعاطفة زكية ونفسا طيبة لوامة فقال:

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ولفظ: "يعتصم" من أصله اللغوي: عَصَمه يَعْصِمُه عَصْماً أي: منَعَه ووَقَاه، والعصمة: المنع والوقاية، وعِصْمَةُ الله عبدَه: أن يعصمه مما يوبقه، وفي التنـزيل: ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ﴾ هود 43، 

والاعتصام بالله في جوهره وحقيقته هو الإيمان به والعمل بما يرضيه، والتمسك بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك سبيل الهداية إلى صراطه المستقيم في الدنيا، ودخول جنته في الآخرة ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ النساء 69/70.

وبعد، لقد حوت آيات هذه الحلقة من التفسير جُمَّاعَ الأمر في حياة الأمة الإسلامية، حددت الهدف الأقصى للجهد والعبادة، وهو البر المطلق، رضوان الله وجنته، ووضعت أداة للسعي نحو هذا الهدف هي جميع الطاعات متوجة بالإنفاق الطيب في نفسه ومصدر كسبه، وحذرت من طاعة أعداء الإسلام والاستماع لافتراءاتهم والاستنامة لمكرهم وتخذيلهم وتشكيكهم، ثم أرشدت إلى ما يقي ويحفظ وينجي، وهو الاعتصام بالله تعالى والتمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. كل ذلك سبيل الثبات على الحق والعزيمة على الرشد والحماية من الفتن.

 


 

[1]  -  عسا يعسو: شاخ

 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة الرابعة)

خيرية الأمة الإسلامية: شروطها وأركانها

     قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) ﴾

 

لا شك أن الفتن الداخلية والعدوان الخارجي مخاطر تؤدي إلى انهيار أي أمة لا تمتلك المناعة الذاتية، والقدرة على مكافحة عوامل الضعف والسقوط، إلا أن هناك مخاطر أخرى أبلغ ضررا من ذلك وأشد فتكا، مخاطر تنشأ وتتسلل إلى صميم التركيبة النفسية للأمة، عقب استنامتها للطمأنينة والراحة والأمن، أو غفلتها عن واجب تعبئة قواها الدفاعية، أو ضمور شعورها بالمسؤولية نحو حاضرها ومستقبلها، أو نسيانها  الأمانة الملقاة على عاتقها بحكم قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ الأحزاب 72.   

إن سنة الحياة أن يفر المرء مما يؤذيه وأن يبادر بالقيام بما ينفعه حالا واستقبالا، فطرة حب البقاء وقاعدة الضرر الذي ينبغي أن يدفع، هما إكسير التدافع والتنافس والتسامي في الحياة الدنيا، وإنما يتفاضل الناس بمقدار سعيهم وآفاق طموحهم لخير الدنيا وحدها أو لخيري الدنيا والآخرة: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ الإسراء 18/19.

هذا جانب آخر من المخاطر التي تحدق بالأمة، منبعث من عمق تركيبتها النفسية والاجتماعية، لا من فتن اختلاف وشقاق داخلها، ولا من مكر عدو خارجها، جانب متعلق بالاستنامة إلى الأمن وانعدام الشعور بالمخاطر، وآخر هو القناعة بالمكاسب الآنية التي حيزت، وعدم الشعور بالمسؤولية عما بقي من مراحل الطريق، طريق الدنيا وحدها أو طريق الدنيا والآخرة. وكلا الآفتين تؤديان بالفرد والجماعة إلى السكون والركود ثم إلى الانحلال والموت.

ذلك أن الحياة البشرية لا تقبل التوقف عند نقطة واحدة، فهي إما إلى تقدم ورفعة، أو إلى تخلف  ورجعة، والشعور بالخطر الذي هو الخوف من الاندثار، وصنوه الشعور بالمسؤولية، من أهم حوافز الاندفاع إلى الأمام والرقي السليم الرشيد، وهما أيضا المؤشر الصادق على واقع الأمة وحيويتها حالا ومآلا.

إن الشخص الطبيعي السوي عادة متقد الحس ملتهب الشعور بواقعه، يدفعه الخوف على مستقبله ومستقبل أسرته، وشعوره بالمسؤولية عن ذلك، إلى بذل الجهد ومضاعفة السعي لدفع المخاطر وتحقيق الأهداف، ولكن الخامل متبلد الحس لا يعي واقعه المزري ولا يشعر بمسؤوليته عن واجب إعالة نفسه وتحصيل حاجاته، ولا ينهض تبعا لذلك مهما بذل له النصح والتوجيه، كذلك الشعوب المغلوبة والمظلومة والمتخلفة لا تنهض للتحرر، ولا تتحمل تكاليف الانعتاق وضريبته، ما لم تشعر بانظلامها وتخلفها ومخاطر هيمنة عدوها عليها، وحاجتها إلى الكرامة والحرية وامتلاك أمرها واستفرادها بتقرير مصيرها.

وما دامت الأمة الإسلامية قد نشأت برعاية ربها وتربيته وتوجيهه، لغاية تتجاوز الحياة الدنيا إلى ما هو أشد فساحة في الآخرة، فقد قيض لها ربها بوحيه المنـزل إن هي عملت به، ما يقيم أمرها ويسدد خطاها ويثبت جنانها على الحق، ويجعل همتها بعيدة المرمى، رفيعة المصعد، وثابة إلى ذرى الشرف وقمم المعالي ومعاقد المجد، بناءة لرفيع المكارم وجليل القيم وسديد المناهج، لا تركن إلى خمول قاتل أو تستنيم إلى أمن زائل، ولا تنسى مسؤوليتها عن نفسها أو عن غيرها، استرشادا وإرشادا علما وعملا وتبليغا. وكان من تربيته عز وجل لها أن يذكرها بين الفينة والفينة بما ينتظرها من حساب وجزاء، رفعا لمستوى اتقائها عذابه وشوقها إلى نعيمه وجنته، لذلك بعد أن حذر في الآيات السابقة من العدو الخارجي، وأوضح ملامح الهدف الأقصى الذي هو بره تعالى بأوليائه، شرع في التحذير من عدو آخر قد يسكن أعماق النفس البشرية، هو انعدام الشعور بالخوف من المصير، وضمور الإحساس بالمسؤولية فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وأصل الفعل" اتَّقَى" من وَقَى الشيءَ يقيه أي: صانه وستره عن الأذى، زيدت فيه تاء الافتعال فصار "اوْتَقَى"، ثم أبدلت الواو تاء وأدغمت في التاء الأخرى فصار الفعل" اتَّقَى"، والتقاة اسم مصدر منه جمعه تُقىً، مثل طُلاة وهي العنق تجمع على طُلىً. وحق الشيء: ثباته وصدقه وشدته كما في حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه خرج في الهاجرة إلى المسجد فقيل له: "ما أخرجك؟" فقال: "ما أخرجني إلا ما أجِدُ من حاقِّ الجُوع".

وقوله تعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل: اتقوا الله التقاة الحقيقية، أي الاتقاء الواجب الثابت، والمعنى: اجعلوا بينكم وبين غضبه وعذابه وقاية راسخة لا تزول، هي الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والمداومة على الانقياد له ومراقبته في السر والعلن، وفي الحديث أنه كان بين الأوس والخزرج قتال فجاء النبي صلى اللَّه عليه وسلم فلما رآهم نادى: ( أَيُّها الناسُ، ﴿ اتَّقوا اللَّه حق تُقاتِه والآيات بعدها، فوَحَّشُوا بأَسْلحتهم - أي رموها- واعْتَنَق بعضُهم بعضاً ).  قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله عز وجل: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ : " أن يطاع فلا يعصى و يذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر ".  وما الطاعة إلا باتباع منهج الله عقيدة وشريعة، وما الذكر إلا بذكر المنعم عند كل نعمة، وأداء حقها شكرا لله لا كفران فيه.

ولئن فهم البعض أن تقوى الله حق تقاته داخلة فيما لا يستطاع، وذهبوا إلى أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ التغابن 16 وقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا البقرة 186،  وقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا الطلاق 7، فإن هذا الفهم مدفوع بكون هذه الآيات كلها لها مرد واحد هو بيان قوله تعالى ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ،  وهي لذلك محكمة غير قابلة للنسخ، لاسيما والتقوى تختلف من شخص إلى شخص، تبعا لظروف الاستطاعة عجزا أو مرضا أو اضطرارا، والمريض مثلا إذا امتثل للأوامر والنواهي وعجز عن الصيام لا تنتفي عنه صفة الاتقاء الحق، وكذلك الفقير الذي ليس له مال يزكيه.

ومن جهة أخرى نرى التفاضل في التقوى بين المستطيعين الأتقياء، ما بين قائم بالواجبات ممتنع عن المحرمات، وبين من يضيف إلى ذلك مختلف الطاعات الأخرى سننا ونوافل وتطوعا، مما يجعل للتقوى حدين كلاهما مستطاع، أدناهما ألا يُتْرَك واجب ولا يُرْتَكبَ محرَّم، وأعلاهما بلوغ النهاية في العبادة، وهو ما يميز مرتبة الإحسان عن مرتبة الإيمان كما ورد في حديث جبريل عليه السلام إذ سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإحسان فقال صلى الله عليه وسلم عن الإيمان:( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ) وقال عن الإحسان: ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).

ثم أردف عز وجل الأمر بالتقوى بقوله: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، وظاهر الآية النهي عن الموت على غير الإسلام، إلا أن الموت مغيب عن الإنسان زمانا وحالا وسنا وسببا، ولا اختيار للمرء فيه، لأنه نازل عليه من غيره، وليس في مقدوره واختياره إلا أن يكون مسلما، وما دام الفعل المنهي عنه وهو الموت ليس في مستطاعه، والحال الذي يكون عليه الموت وهو:﴿ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ في قدرته، فليس له إلا أن يحتاط ويظل على الإسلام إلى أن يوافيه أجله. والآية بذلك أمر بالثبات على الإسلام في كل الأحوال، وكأنه تعالى يقول لنا: إنكم لا تدرون ساعة موتكم فتمسكوا بالتقوى واحذروا أن توافيكم المنية على غير ما أرضاه لكم من الإسلام  فتحبط أعمالكم، وفي صحيح الإمام مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ).

وبعد أن حث الله تعالى عباده على التمسك بالإسلام إلى أن يدركهم الموت عليه، دلهم على  ما يعينهم على ذلك فقال:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا من فعل عصم،  وهو التمسك بما يقي ويحفظ، وحبل الله هو كتابه الكريم وما يهدي إليه من الإيمان والإحسان، وهو العروة الوثقى من استمسك بها نجا ومن تعلق بها سعد ورضي، قال عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لقمان22، وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: ( إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين و الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، و لا تنقضي عجائبه و لا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: "الم" حرف ولكن ألف و لام و ميم ).

﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا أمْرٌ بحفظ وحدة الأمة الإسلامية وعدم التفرق في الدين، ونبذ كل رباط جاهلي عرقا أو لونا أو جنسا أو طبقة، والتمسك بالأخوة الإيمانية التي هي ثمرة الاعتصام بحبل الله، قال تعالى: ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه الشورى 13، وقال: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأنعام 153.

إن هدف أي أمة إذا كان واحدا وواضحا اجتمعت كلمتها عليه ولو اختلفت اجتهادات مجتهديها، كذلك الأمة الإسلامية تبقى وحدتها متماسكة ما كان رباطها واحدا هو حبل الله، وهدفها واحدا هو رضاه تعالى والنجاة بين يديه، فإن اختلفت الأهداف انحلت الروابط واضطربت المقاييس وحل التمزق والتفرق والتناحر قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ المؤمنون 52/54. ذلك ما عليه المسلمون في عصرنا هذا، حلت العرقية والطائفية والحزبية محل حبل الله المتين، فزاغت الأبصار عن الآخرة، واندثرت معالم الوحدة الدينية والأخوة الإيمانية وسقطت أعلامها، وتفرق المسلمون بين مسجد وحسينية وضريح وزاوية صوفية، وخلا الجو لشياطين القوميات والمبادئ الوضعية الضالة يعيثون في الأمة فسادا وإفسادا، فكان التناحر والتقاتل والخضوع للنفوذ الأجنبي صليبيا وصهيونيا ووثنيا، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ الأنعام 159، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ لتوبة 107.

ثم أرشدهم عز وجل إلى ما يعينهم على ذلك فقال:

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ويراد بالنعمة في هذه الآية الكريمة عامها وخاصها، أما عامها  فخطاب لعموم المسلمين في كل زمان، لأن أي نعمة لدى العقلاء تذكر بالمنعم وما له من حق الشكر، ومن ذلك الهداية إلى الحق والتوفيق للإسلام وما سخره عز وجل للإنسان في هذا الكون، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لقمان 20، وأما خاص النعمة في هذه الآية فمرتبط بسبب النزول وما كان عليه الأوس والخزرج من حروب في الجاهلية، فلما جاء الإسلام وآمنوا به صاروا إخوانا متحابين في الله، متعاونين لنشر دينه، مجاهدين صفا مرصوصا في سبيله، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الأنفال 62/63. وهي في حقيقة الأمر نعمتان إحداهما أنقذهم الله بها من هلاك الدنيا فقال:

﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وهي نعمة التشريع الإسلامي الذي حرم التفاخر بالأنساب والأعراق والألوان والأموال ووضع مقياسا واحدا ووحيدا للتفاضل هو مقياس التقوى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ الحجرات 13، وجعل رباط الإيمان والمحبة في الله أوثق وشيجة وأنفعها يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم: ( إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ).

وأما النعمة الثانية فأنقذهم الحق سبحانه بها من هلاك الآخرة، قال عز وجل: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا وهي نعمة العقيدة التي عصمتهم من عذاب الآخرة، وكانوا لكفرهم قبل البعثة المحمدية ﴿ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ على طرف حفرة من جهنم، إذ لم يكن بينهم وبينها إلا الموت ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا إذ بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ الجمعة 2، وألهمهم الإيمان والتقوى ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا الفتح 26.

بمثل هذه النعم التي أثمرت أخوة وتآلفا وتعاونا على البر والتقوى يبين الحق سبحانه للناس معالم صراطه المستقيم، وأعلام منهجه القويم، ودلائل سمو تشريعاته وحكمة أوامره ونواهيه، تثبيتا للمهتدين وهداية للضالين، واستنقاذا لمن كان من الغاوين. لذلك قال عز وجل عقب ما امتن به على الأوس والخزرج وكافة المسلمين:﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: بمثل هذه النعم وما آل إليه أمركم من أمن ومحبة بعد شقاق واحتراب يبين الله آلاءه وآياته وواسع فضله وإحسانه.

إن القرآن الكريم في هذه الآيات الكريمة والتي قبلها، قد نهى عما يؤدي إلى الضعف والشقاء، وبين ما يعين على اجتنابهما والنجاة منهما، وأتى بأوامر من الخير والسعادة وأرشد إلى منهج الامتثال لها والعمل بها، وهو بذلك يستدرج المسلمين بلطف وتؤدة، ويؤهلهم بحسن تربية ورفق للقيام بما خلقوا له، من استخلاف رشيد في الأرض وإمامة للبشرية في الحياة، وإنقاذ لها من كفر الدنيا ومن عذاب الآخرة، وبعد أن أنكر على الكفار ضلالهم في أنفسهم، ومحاولة إضلال غيرهم بقوله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ... آل عمران 98/99، وقابل ذلك بأن أمر المؤمنين بالتقوى والاعتصام بحبل الله ووحدة الصف والقلوب محذرا من الفرقة والخلاف والشقاق فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.. الآية، وآنس منهم اكتمال رشد وتمام وعي وعزم وفهم لما خلقوا له في الدنيا، أمرهم بالانطلاق خفافا وثقالا إلى إصلاح غيرهم وإرشادهم إلى طريق الخير وسعادتي الدنيا والآخرة فقال:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهذه الآية الكريمة أصرح أمر وآكده بوجوب الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع البشري، على كافة المسلمين بدون استثناء، عالمهم يبلغ علمه، وجاهلهم يتعلم ويبلغ ما تعلم، لأن ما لا يدرك الواجب إلا به فهو واجب، يقول الحق سبحانه: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ التوبة 41، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:( بلغوا عني ولو آية ) ويقول:( ليبلغ شاهدكم غائبكم ) ويقول:( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ).

أما من يذهب إلى تخصيص الدعوة بالعلماء فلا ممسك له في هذه الآية الكريمة، لأن نصوص الكتاب والسنة تظافرت على تكليف المسلمين جميعا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ رسالة الإسلام،   ولأن حرف "من" في قوله تعالى ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ ليس للتبعيض وإنما هو لبيان الجنس، وبما أن علامة "من" البيانية أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ الحج30، والله تعالى لم يُرِدْ اجتناب بعض الأوثان وعبادة بعضها بل أراد اجتنابها كلها، ونقول في تقدير الآية: " فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان"، فإن تقدير قوله عز وجل ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ هو: "ولتكونوا أمة ". 

والمراد بلفظ: ﴿ أُمَّةٌ في هذه الآية هم المسلمون المتقون المعتصمون بحبل الله، المتحدة قلوبهم وصفوفهم بكتابه وسنة نبيه، والقائمون كذلك بثلاث وظائف تعد قوام استخلافهم وإمامتهم للناس:

أولى هذه الوظائف قوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر والخاء والياء والراء لغة تفيد العَطْف والميْل، ومنه الخير، وهو إما خير مطلق يميل إليه ويرغب فيه الكل كالعقل والعدل والسمت الحسن، وضده الشر، وإما خير مقيد بصفات أو سمات كقوله صلى الله عليه وسلم ( إنما الخير خير الآخرة )، وقوله لأصحابه وهم يحفرون الخندق: ( اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة، فأجابوه: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ).

إلا أن الخير الذي أُمِرَ المؤمنون بالدعوة إليه في هذه الآية الكريمة هو الإيمان والإسلام، لأنه وظيفتهم الأولى باستخلافهم في الأرض وإمامتهم للبشرية، وضده الشر الذي هو الشرك والنفاق والظلم، كما يتجلى ذلك من حديث مطول لحذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه: إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر، قال: قلت:" يا رسول الله أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله يكون بعده شر كما كان قبله؟ "، قال:( نعم ) قلت:" يا رسول الله فما العصمة منه؟ " قال: ( السيف )[1].

 ومن حديث مطول لمعاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل )،  ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ حتى بلغ:﴿  يَعْمَلُونَ السجدة 16/17، ثم قال:(ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟) قلت: بلى يارسول الله: قال:( رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ).

ووظيفة المسلمين الثانية هي قوله تعالى: ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ والمعروف مطلقا ما تعارف عليه الناس من الخير شيما وأخلاقا وحسن تصرف، إلا أن المقصود من سياق الآية هو الأمر بالمعروف من الدين، عبادات ومعاملات وتشريعا وتعليما وتعلما ودفاعا عن الحوزة ومحاماة عن الأمة، مما أوجزه القرآن الكريم بأفصح عبارة وأرقى تعبير في صدر سورة "المؤمنون" بقوله تعالى:﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ والآيات العشر بعدها.    

أما وظيفة المؤمنين الثالثة فهي قوله عز وجل: ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، والمنكر مطلقا هو ما تنكره العقول والفطر والأعراف والتقاليد، إلا أن ما هو منكر عند قوم يعد عند آخرين فضيلة، كما هو الحال في أمر العري مثلا، وهو عند العلمانيين واليساريين والملحدين تقدم ورقي، وعند غيرهم منكر ورذيلة، لذلك فالمنكر في هذه الآية الكريمة ومن سياقها هو ما أنكره الإسلام بنصوص الكتاب والسنة الثابتة وبما يستنبط منهما بقواعد الاستنباط السليمة. وليس لأحد أن يعرف المنكر بين المسلمين بغير ما عرفه به الإسلام، قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النساء65.

وبعد أن ذكر الحق سبحانه صفات الأمة الإسلامية وما ينبغي أن تقوم به وتكون عليه، بين ما يؤول إليه أمرها بذلك وقال:

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والمفلح هو الفائز الذي يكسب الصفقة الرابحة، من فلاحة الأرض واستثمارها، ولئن وردت هذه الآية الكريمة في سور أخرى من القرآن الكريم مصحوبة بصفات من صفات التقوى والعمل الصالح كما في الآية 88 من سورة التوبة: ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهي تعني المجاهدين بالنفس والمال من المؤمنين، فإنها في سياق هذا الدرس تعني كامل الأمة الإسلامية التي تقوم بأمانة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إلا أن القيام بهذه الأمانة يستثير المخالفين ويستفز المعادين، ويقحم أصحابها في متاعب كثيرة ومشاق شديدة، لاسيما إن كان المعارضون دولا وحكومات، أو جبابرة وفراعنة، و تكاليف هذه الوظيفة لا تطاق مع الفرقة والاختلاف، لذلك حرص التعبير القرآني على الإشارة إلى وحدة الأمة بقوله تعالى ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ولم يقل "أمتان أو "أمم"، ثم زاد الإشارة وضوحا إذ ربط الدعوة الإسلامية بلازمها وهو وحدة الصف فقال تعالى:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ والذين تفرقوا من بعد ما جاءتهم بينات التوراة والإنجيل هم اليهود والنصارى، تفرقوا مللا ونحلا، فرقتهم الأهواء والمصالح والشهوات، ثم اختلفت تبعا لذلك آراؤهم وأفكارهم وأفهامهم لكتبهم، فغيروها زيادة ونقصا وانتحالا ووضعا. والآية تحذير شديد للأمة الإسلامية من اتباع سننهم ومذاهبهم في الفرقة والاختلاف، بها تتكامل مقومات الاستخلاف الرشيد والإمامة المهتدية الهادية.

إنها ثلاث ركائز تقوم عليها الأمة الإسلامية التي تؤدي أمانتها بصدق، ركيزة الإيمان والتقوى، وهي مفتاح الأمر كله، وركيزة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وركيزة الوحدة الإيمانية واجتناب الفرقة والاختلاف ونبذ دعوات الجاهلية أنسابا وأجناسا وألوانا وألسنة. فإن غابت إحدى هذه الركائز لم تبق أمة ولم يتحقق استخلاف أو إمامة، ولم تحفظ حرمة لنفس أو بيت أو أرض، وهذا واقع المسلمين حاليا إذ عصفت بتقوى غالبيتهم الأهواء والشهوات، وبإيمانهم الشبهات والتأويلات، وبوحدتهم الأعراق والقوميات، فاضطهدوا دعاة الخير الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وأجهزوا عليهم بالقتل والسجن والمطاردة والنفي، والعاقبة ما نرى ونعيش من خضوع للأجنبي وذلة بين يدي الصليبي واليهودي والوثني. مع ما ينتظر المخالفين يوم القيامة من عقوبة أوجزها قوله تعالى:

﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ شديد يشعرهم بعظمة من كفروا به وخالفوا أمره وعصوا رسله وغيروا كتبه وزيفوا نهجه وصدوا عن سبيله، عذاب يحل بهم يوم القيامة إذ تبلى السرائر، وتعلن صفحات الوجوه أخبار القوم ومآلات الأعمال، قال عز وجل:

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ إلا أن بياض الوجوه واسودادها يوم القيامة ليس هو بياضها واسودادها في الدنيا، لأن مقاييس الآخرة وغيبياتها غير مقاييس الدنيا ومادياتها، واختلاف ألوان البشرة عند الإنسان في الدنيا سوادا وبياضا وصفرة وسمرة، ليس عن تفضيل للون على لون، وإنما لإظهار آية من آيات الله وقدرته على الخلق والتنويع بما لا يقدر غيره عليه، قال تعالى: { وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } الروم 22، ولحكم إلهية أخرى لعل منها اختلاف تأثير البيئة في البشرة، ومقدار الحاجة إلى المادة الملونة المناسبة للطقس والمناخ، حرارة وبرودة وجفافا ورطوبة، وهي بذلك نعمة يسبغها الله على الناس، كل بما يناسب ظروف معاشه وما لديه من مورثات، أما مفهوم الاسوداد والابيضاض في الآخرة فمختلف تماما عن مفهومه في الدنيا وقد قال عز وجل: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ﴾ إبراهيم 48.

إن اللونين الأبيض والأسود في الآخرة لا يعنيان ما نفهمه منهما في الدنيا، وإنما البياض نضرة ونور يلقيهما عز وجل على وجوه أوليائه في الآخرة فيعرفون بهما، سواء كانت أبشارهم في الدنيا سوداء أو سمراء أو صفراء أو بيضاء، قال عز وجل: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ المطففين 24، وقال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ القيامة 22/23، وقال: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ الحديد12.

أما الاسوداد في الآخرة فهو ذلة وظلمة وكلوح وغَبَرة يعلوها سواد كالدخان من أثر احتراق وجوههم بالنار، قال عز وجل: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ المؤمنون 104، وقال: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ يونس27، وقال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ عبس 38/41.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيعرفون بسيماهم وأثر العذاب في وجوههم  ويقال لهم كل حين تبكيتا لهم وتوبيخا وتعذيبا نفسيا وشماتة بهم: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ورحمة الله أكبر من الجنة، وهي ما يزيده تعالى لأولياءه بعد دخولهم جنته، قال تعالى: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ  لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ق 34/35، وقال: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يونس26, وأخرج الإمام مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: ( تريدون شيئا؟ أزيدكم؟ )، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟، قال: ( فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم )، ثم تلا: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾.

ثم عقب تعالى بقوله:

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ أي: إن هذه الآيات الكريمة التي تبين طريق النجاة في الآخرة، إيمانا راسخا واتقاء حقا واعتصاما بحبل الله تعالى ودعوة إلى الخير وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، حق أنزله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وكافة المسلمين، إثباتا لصدق الرسالة والرسول وجدية الحساب والجزاء والعدل يوم القيامة، لا ظلم يومئذ، لأن الله تعالى غني عن ظلم العباد، لا يريد الظلم من نفسه ولا من عباده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال:( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ).

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ إن الله تعالى يملك الكون كله، بقدرته وحكمته وعلمه خلقه، وبإرادته يفنيه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ الرحمن 26/27، وإلى سلطانه يعود يوم القيامة للحساب الجزاء، وإلى عدله المطلق  يرجع الحكم، فيفصل بين العباد وتؤدى الحقوق ( حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها ) ( وحتى الذرة من الذرة ) كما قال صلى الله عليه وسلم، قال الحق سبحانه: ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ النبأ 17/18

إن الخطاب في هذه الآيات الكريمة موجه للأمة الإسلامية، أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن مبدأ الأمة الإسلامية كان منذ أهبط آدم بالإسلام إلى الأرض وكوَّنَ مع أبنائه أول أمة ضربت في عمق الزمان وتجددت عبر الحقب، من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل عليهم السلام، إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الخاتمة، أمة واحدة، هي خير ما أخرج هداية للناس إلى الصراط المستقيم، لذلك خاطب رب العزة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي الوارثة لدعوات الأنبياء قبلها بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ أي كانت الأمة الإسلامية منذ آدم عليه السلام متميزة بالخيرية، وأنتم منها وخيرها، سائرون على منهج الله تعالى ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾.

هذه الخيرية الإيمانية متاحة لكل من بلغته دعوة الإسلام بعامة وأهل الكتاب بخاصة، لا يصدهم عنها صاد إلا من أنفسهم، فلو آمنوا بالله ورسوله والوحي المنـزل لكان خيرا لهم وأقوم سبيلا، ﴿ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أي لكانت لهم الخيرية معكم. إلا أن من فاز منهم بها قليل: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ وفي مقدمتهم عبد الله بن سلاّم واليهود الذين أسلموا معه، ونصارى نجران الذين آمنوا بعد عودتهم من وفادتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنجاشي ورهطه ممن أسلم معه، أما أكثرهم فلم يتخلوا عن كفرهم وفسقهم وعنادهم: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾.

إن خيرية الأمة الإسلامية منذ مبدأ أمرها ليست بما تتفاضل به الجاهلية مالا وحسبا ونسبا، وجاها وسلطة، وعرقا ولونا، ولغات أو لهجات، كل ذلك عرض زائل وَهَمٌّ باطل، ولكن لها ضوابط تحميها من التسيب، وأركانا متى اختلت غابت الخيرية واختفت. ضوابط وأركانا أوجزتها آيات هذا الدرس  بأوفى إيجاز وأوضحه:

·             التقوى وهي الشعور اليقظ الفطن بالمسؤولية وواجب القيام بتكاليفها، والحذر من مضلات الفتن ومهلكات النقم، ومخاطر الوهن والاستنامة للأمن والراحة والمال والمصالح الدنيوية..

·             الاعتصام بحبل الله وهو الكتاب والسنة، وبمنهجه في النوايا والمقاصد والأعمال ونظم الحياة.

·             المحافظة على وحدة الأمة واجتناب ما يفرق صفها أو يوهن جماعتها، والحرص على ما يلم شملها ويرأب صدعها ويجمع كلمتها، ويجعلها يدا واحدة على من سواها.

·             الاستنفار الدائم لجميع أفراد الأمة الإسلامية، من أجل تبليغ دعوة الإسلام ونشرها في الآفاق. وذلك يوجب على العالم أن يبلغ، وعلى الجاهل أن يتعلم ثم يبلغ ما تعلم.

لذلك عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحج ورأى من الناس سوء تصرف، تلا قوله تعالى:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ ثم قال: " يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها "، أي شرط خيريتها.

وعن أبي عمران رضي الله عنه قال:( كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر رضي الله عنه وعلى الجماعة فضالة بن عبيد رضي الله عنه فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا:" سبحان الله، يلقي بيده إلى التهلكة " فقام أبو أيوب فقال:" أيها الناس إنكم لتأولون هذا التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله تعالى قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد علينا ما قلناه ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ البقرة 195، وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم[2]).


 

[1] - السلسلة الصحيحة للألباني، والحديث للبخاري، جاء مطولا ومختصرا من طرق جمعها الألباني هنا، وضم إليها  زوائدها في أماكنها المناسبة للسياق.

[2]  -  ضريحه رضي الله عنه معروف في مدينة إسطانبول بتركيا
 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة الخامسة)

المؤمن بين عدو مجاهر وبطانة منافقة مندسة

 

      قال الله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) ﴾

 

العقل هبة الله تعالى للإنسان، به تميز عن غيره من الكائنات في الأرض، وبه عرف ما سُخر له من الكون، وبه ضبط قواعد الخطأ والصواب أقوالا وأفعالا وتصرفات، ومقاييس العلوم لغة ومنطقا وفلسفة وطبا وفلكا وذرة وهندسة وما سواها، فطوَّر الحياة في الأرض لمعاشه تنمية وإعمارا، وارتاد آفاق السماء استكشافا لآياتها واستقراء لمجاهلها، قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ فصلت 53.

لقد كان للعقل فضل كبير في ترتيب البيت البشري وتمهيده وتسخيره، وتأسيس نظم معاييره المادية والمعرفية، وهو بذلك نعمة من الحق سبحانه، وهبها وأعان بها، وليس من الحكمة الإعراض عنه أو الانكفاء إلى الغباء والبلادة والتقليد، قال تعالى: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ الأنعام 97/98.

غير أن لهذا العقل مجالا محدودا لا ينبغي تجاوزه، وميدانا لا ينبغي الخروج عنه، هو الكون المادي الفسيح، اكتشافا واختراعا وتسخيرا، والنشاط الفكري المتنوع الذي يعتد فيه بالأدلة والمقابلات والمقارنات والنتائج والمقاصد والغايات، ويعتمد فيه على أدوات المعرفة السليمة ملاحظة وتحليلا وتجربة واستدلالا واستقراء واستنباطا وتجريدا وتعميما.

أما مجال الغيب فإنه عصي عن العقل، استأثر الله تعالى به، ولم يجعل لارتياده من سبيل إلا القرآن الكريم وما تبينه منه السنة النبوية، على أن يقبل المرء عليه واثقا بنصوصه عند تلقيها، مسلما بها بعد فهمها وعاملا بمقتضاها عند استيعابها. فإن حاول العقل بغير القرآن أن يتجاوز عالم الشهادة، ليقتحم مجالا غير مجاله ويخوض بحرا غير بحره أو لججا لم يخلق لخوضها، تعطلت أدواته المعرفية وكلَّتْ، وفقدت معاييره القياسية قيمتها ومصداقيتها وانقلب إليه الفكر والنظر خاسئين حسيرين. من ذلك مثلا أننا عندما نسمع قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ الرعد 1، وقوله مستهينا بالكثرة الكافرة المحجوبة عن قيم الغيب والإيمان: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾ المائدة 100، ثم قوله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ البقرة 249، أو: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ آل عمران 126، أو نسمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: ( طوبى للغرباء )، فقيل له: ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال:( ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) [1]، لا يملك العقل المادي المحدود إلا أن يحار مستغربا عاجزا عن الفهم، مستبعدا كل انتصار للقلة على الكثرة أو الضعف على القوة، لتعارض ذلك مع سنن الكون المادية في الحياة الدنيا.

إلا أن هذا القصور من العقل البشري تتداركه آيات الوحي إذ تقدم للإنسان معايير أخرى للنصر والهزيمة وسننا لصراع الحق والباطل مرتبطة بقيم إيمانية لا يرقى رقيها إلا الذين ينظرون بنور الله ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ النور 40. ولئن كانت قواعد المنطق المادي والتدبير العقلي وقيم التكاثر في المال والعتاد والإعداد تقتضي غلبة الباطل القوي على الحق الضعيف، فإن مقاييس الغيب الرباني والحكمة الإلهية الشاملة تقتضي هزيمة أهل الكفر والعصيان على كثرتهم لارتباطهم بالضعف المطلق، وغلبة أهل الإيمان والحق والطاعة على قلتهم لارتباطهم بالقوة المطلقة قوة الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ البقرة 165، وقال: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ الحج 40، وقال:﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ الصافات 171/173.

إنه الموقف نفسه الذي يتلامح في الذهن المادي عند قوله تعالى في آخر آيات الدرس السابق:﴿ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ آل عمران 110، فيخيل له أن الأكثرية الفاسقة لا بد أن تتألب على الفئة المؤمنة القليلة فتغلبها وتقضي عليها، ليس في مقاييس المنطق المادي إلا هذه النتيجة وهذا المصير، لكن الوحي الكريم يبادر إلى تسفيه هذا التصور ونبذه، ويفتح للمؤمنين آفاقا أخرى يَنشَقُون نسائمها ويُريحون عبقَ أريجها، آفاقا من نصر كتبه لهم رب العزة تعالى على ضعفهم وقلتهم، مادامت خيريتهم قائمة بحق، إيمانا وتقوى وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، ومسارعة في الخيرات، وذلك بثلاث بشارات تطمئن القلوب وتثبتها على الحق، نزل بها الروح الأمين على النبي صلى الله عليه وسلم، أولاها قوله عز وجل:

 ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾ والضرر في هذه الآية الكريمة هو الشر الذي يؤلم الإنسان ساعة وقعه ويبقى له أثره السيئ في النفس أو الجسم أو تبعات الدنيا، أو يؤدي بالأمة إلى هزيمتها وهدم كيانها وإهدار كرامتها وتحكم الأعداء فيها. ومنه قوله عز وجل: ﴿ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ ﴾ الأنبياء 84، وقوله: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّه ﴾ يونس 12. أما الأذى فهو المكروه اليسير والشر الخفيف الذي يؤلم ساعة وقعه ثم ينتهي، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ البقرة 264، وفي الحديث الصحيح ( الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله ).

 والآية في مجملها طمأنة للقلة المؤمنة وتهدئة لروعها مما قد توقعه في النفوس كثرة اليهود وعداوتهم  وشدة بأسهم مالا وسلاحا، وما ملأ قلوبهم من حسد وحقد ومكر، وما تأجج في صدورهم من غيظ على المسلمين عقب إسلام بعض سادتهم، من أمثال عالمهم مخيريق [2] وحبرهم عبد الله بن سلام مع جميع أهل بيته.

والمعنى أن هذه الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب التي ناصبت المؤمنين العداء لن تضرهم ضررا بليغا يتجاوز الأذى، وإنما هو البلاء اليسير ينالهم  بالقول الفاحش تكذيبا أو تشكيكا في العقيدة أو نشرا للشائعات أو تخذيلا ومحاولة شق للصف ورد عن الدين. فإن حاولوا أن يرتفعوا من الأذى إلى الضرر الحقيقي لم يتمكنوا ولم يفلحوا وكان مآلهم الهزيمة، وهي البشارة الثانية التي عقب بها عز وجل إذ قال:

﴿ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ يفرّون منهزمين بذلة وصغار، وقد حدث ذلك في واقع الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصراعه مع يهود الجزيرة في خيبر وقينقاع والنضير وقريظة، وكانوا لقوتهم وشدة بأسهم يقولون له:" يا محمد إنك ترى أنَّا قومُك ولا يغرنَّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمَنَّ أنَّا نحن الناس ". ولئن كان السياق في هذه الآية الكريمة متعلقا بانتصار الجيل الأول من المسلمين في حربهم مع اليهود، فإن الأمر كذلك أثناء جهاد الصحابة والتابعين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشام والعراق وفارس وإفريقية، وإقامتهم فيها أمر الإسلام عزيزا منتصرا. قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ آل عمران 12، وقال:﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ القمر 45.

 أما البشارة الثالثة فهي قوله تعالى:

﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ ولم يُجزَم الفعلُ في هذه الجملة لأن الكلام مستأنف وليس معطوفا على جواب الشرط الذي هو ﴿ يُوَلُّوكُمُ ﴾، إذ لو عُطِف عليه فكان مجزوما لتغير المعنى، ولزم تقييدُ هزيمتهم بمقاتلة المسلمين، بينما هم لا ينصرون دائما على التأبيد، قاتلوا أم لم يقاتلوا. فإن انتصروا على الأمة الإسلامية حينا من الدهر فلما أخلت بشروط الخيرية، دخولا في الحرب على غير منهج الله، وتقصيرا في العمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإعراضا عن الدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بأسباب النصر.

إن اليهود لن ينتصروا أبدا على الأمة الإسلامية ما وفت بشروط خيريتها، وهم يحملون معهم أسباب الهزيمة منذ عصوا الرسل وقتلوا الأنبياء، وحاقت بهم اللعنة، وكتب عليهم بها الصغار المقيم والذلة الدائمة، لذلك عقب تعالى بقوله:

    ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾، و" الضرب " لغة يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة، ثم يستعار ويحمل عليه مجازا، من ذلك "ضَرَبَه": إذا أوقع به الضرب، وضرب في الأرض: إذا سافر للتجارة أو الجهاد، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ آل عمران 156، ومنه أيضا "ضَرَب الدراهمَ ": إذا طبعها وصاغها على شكل خاص.

 أما قوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ فمعناه أنهم طبعوا على الخنوع وألصقت الذلة والقهر بهم كما تطبع السمة على الدرهم فلا تفارقه.

﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا ﴾ حيث ما وجدوا أو ظُفِرَ بهم، وهو حال تقرر على اليهود في أقطار الأرض قبل البعثة النبوية، ولم تكن لهم منعة إلا في المدينة وخيبر إذ استوطنوهما انتظارا لمجيء محمد صلى الله عليه وسلم وقد وجدوا صفاته في التوراة ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ البقرة 89. قال الحسن:" جاء الإسلام والمجوس تجبي اليهود الجزية، وما كانت لهم منعة إلا بيثرب وخيبر، فأزالها الإسلام ولم تبق لهم راية في الأرض " .

ثم استثنى الحق سبحانه من أحوال ذلتهم ومهانتهم حالتين فقال:

﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾ والحبل في هذه الآية هو العهد، وفي الكلام محذوف تقديره: ضربت عليهم الذلة فلا نجاة لهم منها إلا في حال اعتصامهم بعهد من الله، أو عهد من الناس. وقد  عاشوا دهرا تحت الذمة في الدولة الإسلامية، فكان الغدر شيمتهم والخيانة طبعهم، منذ العهد الذي أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة، وأمَّنهم به على أموالهم وأعراضهم ودمائهم وحقوقهم المدنية، ثم تداولتهم بعد ذلك ذمم الناس شعوبا وأمما، وهم يعتصمون حاليا بحبل الغرب المسيحي، منه يستمدون الحماية والدعم.

﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ولفظ "باء" من أصل البواء وهو المكان المستوي، يقال: بوأت له مكانا أي سويته فتبوأه ونزله، ومنه باء إلى الشيء يبوء بوءا: رجع، ومن المجاز: باء بذنبه أقر به واستحقه واحتمل عقوبته المساوية له، كما ورد في نهج البلاغة من كلام الإمام علي رضِي اللّه عنه: "فيكون الثواب جزاء والعقاب بواء". ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي: منـزل صدق ومستقرا طيبا في الأرض المقدسة، فلما عتوا عن أمر ربهم بوأهم منـزل غضب وسخط وقال سبحانه:﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: استحقوا غضبه عز وجل وانصرفوا به.

﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ وأصل المسكنة لغةً من السكون، وهو ثبوت الشيء بعد تحرك، يقال: استكان الرجل إذا تطامن وسكن خانعا لغيره، والمسكنة التي ضربت على بني إسرائيل صفة  تلزمهم لا يرفعها عنهم الناس أبدا، وهوان ذاتي أُلُبسوه، وصغار في تركيبتهم النفسية لا يفارقهم وليس لهم منه فكاك.

ثم شرع الحق سبحانه يبين حيثيات حكمه عليهم بهذا المصير المخزي واستحقاقهم هذا العذاب المقيم في الدنيا والآخرة فقال:  

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ لقد كان سبب هذا الخزي الذي حل بهم والغضب الإلهي الذي حاق بهم هو ما ارتكبوه طيلة تاريخهم في حق الرسالات التي بلغتهم فجحدوها وكفروا بها، والأنبياء الذين أُرسِلوا إليهم فكذبوهم وعصوهم وآذوهم وقتلوا بعضهم، واعتدوا على من آمن بهم. وهو سبب عام يؤدي إلى النتيجة نفسها لدى كل أمة فعلت فعلهم وارتكبت آثامهم، وتنبيه بذكره في هذه الآية للأمة الإسلامية وتحذير لها من المصير نفسه إن لم تتمسك بدينها ولم تقم بما نيط بذمتها من دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ووفاء بعهد الله، قال تعالى:﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ محمد 38، وقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفس محمد بيده لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر ولتأخذُنَّ على أيدى المسيء ولتأطرُنَّه على الحق أطرًا أو ليضربَنَّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم )[3] ، أي كما لعن بني إسرائيل.

وبعد أن بين عز وجل مآل أهل الكتاب الذين جحدوا الرسالة وأصروا على الكفر والعدوان عاد باستثناء طائفة منهم لم يسيروا سيرتهم، ولم ينهجوا نهجهم ولم يضلوا ضلالهم، طائفة عرفت الحق واتبعت صراطه، آمنت بالله ربا وبالكتاب وحيا منـزلا وبمحمد نبيا ورسولا خاتما، وبالإسلام منهجا للحياة، طائفة وصفها تعالى بقوله:

﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ وهم مَن أسلم مِن أهل الكتاب، كعبد الله بن سَلام وأسَد بن عُبَيْد وثعلبة بن سَعْية وأسَيد بن سعْية وغيرهم من نصارى نجران والحبشة، نزلت فيهم هذه الآيات وشهدت بأنهم ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ طائفة دخلت في الإسلام، وقامت بحقه في النفس عبادة وتهجدا بالذكر والتلاوة والصلاة، وفي المجتمع أمرا ونهيا ودعوة إلى التوحيد والخير.

 إنه الإنصاف المطلق والرحمة الربانية الشاملة، لا يستوي لديهما المحسن والمجرم قال تعالى:﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ القلم 35/36، وقال:﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ هود 24. لقد انضمت هذه الطائفة من أهل الكتاب إلى ركب الإيمان فحسن إسلامها، ونهضت بتكاليف الخيرية وشروطها، إيمانا بالله واليوم الآخر وما يؤدي إليه من تصور رشيد متكامل:﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ ويساهمون في بناء المجتمع وترشيده وحمايته ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾، ويبادرون إلى كل خير يزكون به أنفسهم وأعمالهم وأمتهم:

﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ والسرعة لغةً تقليلُ الزمن بالنسبة لأي حدث، وتعني الإقبال بأناة على ما ينبغي عمله، وهي منزلة وسطى بين العجلة والإبطاء المذمومين، لأن العجلة مظنة الخطأ ومجانبة الصواب، والإبطاء مظنة التقصير في أداء الواجب، والمرء لا يدري متى تدركه الموت فيلقى ربه مقصرا. لذلك كانت المسارعة في الخير دليلا على تمكن الإيمان من القلب، وفرط الرغبة في القيام بأمر الله، لأن من أحب شيئا بادر إليه وآثر الفور على التراخي في القيام به، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ الأنبياء 90، وقال صلى الله عليه وسلم: ( اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ).

ثم عقب تعالى بما يكشف منزلة هذه الفئة المؤمنة عنده، ومآلها بين يديه، ونصيبها من الأجر والثواب يوم القيامة فقال:

﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ الصالحين لحمل أمانة الدعوة، وإمامة البشرية والاستخلاف في الأرض بما يصلحها ويعمرها، ويملأها خيرا وبرا وعدلا وتعاونا رشيدا بناء، لما تحلوا به من الصفات الست المذكورة آنفا وهي: الإيمان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات. لقد كان أول جزائهم أن بوأهم الله تعالى بهذه الآية الكريمة درجة عالية، هي درجة ﴿ الصَّالِحِينَ ﴾ التي سألها نبيه سليمان عليه السلام بقوله:﴿ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ النمل 19، وكتبها رب العزة تعالى لعباده المطيعين فقال:﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ النساء 69.  

ثم عقب على ذلك بذكر ثواب أعمالهم في الآخرة فقال عز وجل:

﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ وقد قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو بكر بالتاء: ﴿ تَفْعَلُوا ﴾ و ﴿ تُكْفَرُوهُ ﴾، وحجتهم أن الآية خطاب للحاضرين، تابعة لقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ... ﴾ أيها المخاطبون. وقرأها حمزة والكسائي وحفص وخلف بياء الغيبة، عائدة إلى أمّة قائمة في قوله تعالى قبلها ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ يليها ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾، أي وما يفعلوا من خير فلن يعدموا ثوابه، بل يشكر لهم ويجازون عليه, لأنه عز وجل يعلم حال المتقين ونواياهم وأعمالهم، ومقدار ما يستحقون من ثواب، لا يضيع أجر من أحسن واتقى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾.

ولما وصف عز وجل من آمن من الكفار بهذه الصفات الحسنة وذكر ما أعده لهم من الجزاء والثواب أتبع ذلك بوعيد أضدادهم المتمسكين بالكفر والجحود، ليجمع بين الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، ويتضح الفرق بين القبيلين فقال سبحانه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ والمقصود بهذه الآية الكريمة جميع فئات الكفار، مشركين وأهل كتاب، وكانوا كلهم يفتخرون بكثرة الأموال والأولاد، ومنهم أبو جهل الذي كان معجبا بكثرة ماله وأبو سفيان الذي أنفق على المشركين في بدر وأحد، واليهود الذين كانوا يُكَثِّرون أموالهم بالربا والمتاجرة بالأحكام الشرعية يشترون بها ثمنا قليلا.

 أما لفظ"الإغناء" في قوله تعالى: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ ﴾ فمعناه الدفع وسد الحاجة، أي إن الذين كفروا بالله ورسوله لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا ولو يسيرا من عذاب الله يوم القيامة. وليس لهم يومئذ من مصير إلا النار ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ يلازمونها خالدين فيها كملازمة المرء لصاحبه.

إن أولادهم لن تهمهم إلا أنفسهم في ذلك اليوم العسير:﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ عبس 34/37. أما أموالهم التي أنفقوها في الدنيا فلن تجدي نفعا:

﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. وسواء أنفق الكفار هذه الأموال في أوجه الخير خاصها وعامها، أو تقربا من العباد أو رب العباد، وهم لوحدانية الله جاحدون، فلن تقبل في الآخرة، يمحق الكفر ثوابها ويعصف الشرك بأجرها ويبيده ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ كما تبيد ريح فيها ﴿ صِرٌّ ﴾ أي برد شديد حارق ﴿ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾ زروع قوم ظالمين عاقبهم الله بحرقها وإبادتها، كما هو حال أصحاب الجنة ﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم ﴾ القلم17/ 20. كذلك يحرق الكفر ثواب الأعمال في الآخرة لأنها لم تكن على منهجه سبحانه، قال الحق تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَه ﴾ النور 39.

ثم بين تعالى عدل ما عوملوا به ومسؤوليتهم عما حاق بهم فقال:

﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. لقد ظلموا أنفسهم إذ لم يؤمنوا ولم يتوجهوا بأعمالهم إلى الحق سبحانه، وذلك منهم الشرك الأكبر ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لقمان 13، فكانت النار جزاءهم ومثواهم، عدلا تاما مطلقا لا ظلم فيه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ يونس44.

لقد بين الله تعالى في صدر هذه الآيات الكريمة عاقبة ولايته لخير أمة أخرجت للناس، وهي النصر الدائم الذي كتب لها ما وفت بشروط الخيرية وعملت بها، ومآل أعدائها المجاهرين بالكفر والجحود، خلودا في النار لا نصير لهم ولا شفيع من مال أو ولد يوم القيامة. إلا أن أعداء آخرين أشد خطرا عليها وأعظم وأنكى، أعداء من المنافقين الذين اخترقوا الصف الإسلامي وتلبسوا بلبوسه خداعا ومكرا، ينبغي الحذر منهم واجتنابهم وعدم الركون إليهم أو الاستعانة بهم على أي شأن خاص أو عام، لذلك نبه الحق سبحانه وتعالى إلى شرهم بعد أن فصل الحديث عن الكفار المجاهرين وتعهد بكف شرهم فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ والبطانة لغة من"البطن" وهو خلاف الظهر، يقال: بَطَّنَ ثوبه بثوب: إذا وضع تحته بطانة من ثوب آخر، وجعل له ظِهارة وبِطانة. قال تعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق ﴾ الرحمن 54، وبطانة الرجل وليجته وخاصته الذين يستأمنهم على أسراره ويستشيرهم فيما يعرض له، يقال: فلان بطانة لفلان، أي: هو له مداخل ومؤانس ومستشار. وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يُوقَ بطانةَ السوء فقد وُقِيَ ). ولما ولَّى الفاروق عمر رضي الله عنه أميرا على البحرين كتب يقول له:"وأبْعِد أهلَ الشر وأنْكِرْ أفعالهم ولا تستعنْ على أمر من أمور المسلمين بهم "، ولما وَلِيَ الإمام علي رضي الله عنه الخلافةَ كتب إلى واليه على مصر مالك بن الأشتر يقول له:"إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، من شاركهم في الآثام فلا يكونَنَّ لك بطانة، فإنهم أعوان الأثَمَةِ وإخوان الظَّلَمَة".

لقد نهى الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة عن اتخاذ غير المؤمنين بطانة تؤتمن أو يركن إليها، وعن الثقة بأعداء الدين كفارا مجاهرين ومنافقين حسدة، لما علمه من خبث سرائرهم وعدوانية نواياهم وشدة غشهم وبغضائهم، وقد كان رجال من المسلمين يصافون بعضا منهم للقرابة أو الحلف أو الجوار أو الرضاع أو المتاجرة، فحذر رب العزة تعالى من ذلك وذَكَر مبررات النهي موجزة في ثلاث علل أولاها:

﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ ولفظ "يألونكم" من أصله اللغوي "أَلَا، يألو" في الأمر، إذا قصر فيه، والخبال هو الشر والفساد. والمعنى أنهم لا يقصرون في محاولة إفساد أمر المسلمين، ولا يترددون في تدميرهم وبث الغوائل لهم، ولا يتركون جهدا يبذلونه لإلحاق الشر والأذى والفتنة بالمجتمع الإسلامي.

والعلة الثانية هي أنهم:

﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ الود هو المحبة، والعنت هو المشقة الشديدة والحمل على المكروه، أي: يتمنون لكم كل ما يعنتكم ويشق عليكم. قال صلى الله عليه وسلم: ( إن شرار عباد الله من هذه الأمة المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت ) وهي صفة أخرى للبطانة الفاسدة التي تتلبس بالمرء وتحيط به وتتمنى له كل ما يشقيه ويهلكه.

والعلة الثالثة أن صدورهم مملوءة ببغض المؤمنين والحقد عليهم، قال تعالى:

﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ وبغضهم للمؤمنين لا يكاد يخفى، تكشفه زلات ألسنتهم وملامح وجوههم، ونصائحهم المشوبة بالغدر والختل والتضليل كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ محمد 30، أما ما تكن صدورهم من الغيظ والحسد والضغينة فأكبر من ذلك بكثير.

هذه ملامح غير خفية وعلامات واضحة تكشف حقيقة المنافقين وما يملأ قلوبهم من كراهية وما في أعمالهم من مكر، بينها رب العزة تعالى للمومنين وأرشدهم إليها كي يكتسبوا المناعة مما يكيده أعداؤهم كفارا مجاهرين وبطانة فاسدة: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.

ثم أقبل رب العزة بعتاب ولوم للمؤمنين الذين يتخذون بطانة من الكفار والمنافقين يلقون إليهم بالمودة ويكشفون لهم أسرارهم ودخائلهم فقال:

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ ﴾ ها أنتم الذين ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بسبب ما بينكم وبينهم من علاقات اجتماعية وتحبون لهم الخير وتودون لهم الإسلام، وتثقون بهم فتكشفون لهم خاص أسراركم وأحوال المسلمين معكم، ﴿ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ لأنكم مسلمون، ولأنهم يحسدونكم ويودون لكم الهلاك ويتمنون عودتكم إلى الكفر، ولا يثقون بكم وينقلون ما يعرفون عنكم إلى أعدائكم، ولئن أظهر لكم بعضهم الإسلام مداهنة ومصانعة فإن الكفر مستقر في قلوبهم، ولئن أكننتم لهم المحبة فقد كذبوكم الود واتخذوكم في ما يضمرون أعداء.

إن العلاقة العقدية بينكم وبينهم مقطوعة مبتوتة، أنتم أخذتم الإسلام إيمانا وإحسانا ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾ عقيدة وشريعة وسلوكا حميدا، وهم يكفرون به جملة وتفصيلا، وإنما يظهرون لكم الإيمان خداعا ونفاقا، فإن خلوا بأنفسهم أو بأوليائهم أطلقوا لمشاعرهم أعِنَّة الحقد ولألسنتهم أزِمَّةَ البهتان والنميمة والوشايات الكاذبة المغرضة ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾.

إن الإحسان إلى هذا الصنف من المنافقين الحاسدين لن يطهر قلوبهم من الغيظ، والتودد إليهم لن يشفي قلوبهم من الحقد، والقرب منهم مفسدة لدينكم ومجتمعكم، فأبعدوهم عن مجالسكم واحجبوا عنهم أسراركم وأخباركم، وإن غضبوا لابتعادكم عنهم واستبطانكم الصالحين من المؤمنين دونهم فليقل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ أي: ليس أمامكم  وقوة الإسلام تتضاعف وأهله يكثرون، إلا أن يشتد غيظكم فيشقيكم ويلازمكم حتى تدرككم الموت حنقا، لقد نبأنا الله بأسراركم وأخباركم وما تكنونه لنا في صدوركم من حسد وحقد وما تبيتونه لنا من مكر وكيد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾.

ثم يتغلغل الوحي إلى عمق مشاعر المنافقين ظاهرها وباطنها، يكشفها للمؤمنين زيادة في التحذير والتنبيه، فيقول الحق تعالى:

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ والمس إحداث صلة ولو خفيفة بين شيئين، أي: إنهم لشدة حنقهم يستاؤون لمجرد خير بسيط تنالونه. فما بالكم والنصر حليفكم في كل موقف والقلوب تقبل على دينكم من كل فج، والعقيدة تجمعكم وتوحد صفكم وتؤاخي بينكم.

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾ وإن ينلكم بلاء في مال أو ولد أو معركة يفرحوا، ويتمنوا أن يكون قاصما لظهوركم. وهذا منتهى الحقد والحسد والغيظ، لأن المصائب قد تجعل العدو راحما أحيانا، ولكن البطانة الفاسدة المنافقة لا مدخل للرحمة إلى قلوبها.   

إنها صورة متكاملة لنموذج بشري ممسوخ الفطرة في كل عصر ومصر، إن غَلَب قَتَل، وإن غُلِب تذلَّل، يصوب رأيك إن أخطأت، ويخطئه إن أصبت، حزنه يوم فرحك، وفرحه يوم حزنك، يصدق كل بهتان سمعه عنك، وينكر كل فضل علمه فيك، يخونك في السر ويظهر المودة والإخلاص في العلن، فهو الخيانة تسعى في الأرض، والخذلان لكل مؤمن في الدين والنفس والعرض، وليس للمؤمن العاقل إلا أن يصدق فيه ملامح الظاهر قبل انكشاف البواطن والسرائر، ولحن القول قبل تصريحه بالعبارة والفعل، أما وقد نزل التحذير من السماء فكشف السمات بالاختصار والتطويل والإيجاز والتفصيل، فلم يبق لصادق إلا أن يحرر ولاءه لخالقه والمؤمنين، ويختص بالاستبطان والمودة والثقة عباد الله الصادقين، ويكون من كل خائن على حذر فلا يستنيم له، ولا يشركه في أمره، امتثالا لأمر الشارع الحكيم الذي خاطب فيه صفته العاقلة تنبيها وترشيدا بقوله:﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، وخاطب فيه صفته الإيمانية إيجابا وتكليفا بقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ الممتحنة 1.

ثم عقب عز وجل على موقف المنافقين والمشركين وبطانة السوء، إذ يفرحون لحزن المسلمين ويحزنون لفرحهم فقال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. وقوله تعالى: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو: ﴿ لَا يَضِرْكُمْ ﴾ بناء على قوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴾ الشعراء 50، وفي قراءة الباقين: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾، حجتهم عدم الانصراف عما ورد في القرآن بكثرة وهو لفظ" الضر"، من ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾.

لقد تكفل الحق سبحانه بالحفظ والحماية للمؤمن إن صبر واتقى وامتثل لتوجيهات ربه ومراشد عقله، إنه دائما في كنف الله وولايته، وإن كيد أعدائه الظاهرين والمستترين مجرد أذى لا يتجاوز الغمز واللمز وعض الأنامل غيظا في خفاء، وإن الله تعالى عليم بما يصنعون محيط بما يعملون.

 


 


[1]  - السلسلة الصحيحة للألباني - حديث صحيح.

[2]  -  قال ابن اسحق: كان مخيريق حبرا عالما غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه فلم يزل على ذلك حتى كان يوم أحد يوم السبت، قال: والله يا معشر يهود إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالي إلى محمد يصنع فيها ما أراه الله، فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يقول: ( مخيريق خير يهود )، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها

[3]  -  الحديث بتمامه: ( إن من قبلكم من بنى إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيرًا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئته بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم ).

 قال المناوي : ورجاله رجال الصحيح خلا داود بن صالح التمار وهو ثقة، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح  / الجامع الكبير للسيوطي.

 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة السادسة )

غزوة أحد: نصر مشوب بتأديب وتربية وعبرة

      قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)  إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) ﴾

 الوعي حالة يكون فيها العقل مدركا للأحوال وأسبابها، ولدواعي الأقوال والأفعال والتصرفات ومآلاتها، متجاوبا مع محيطه بحكمة وتبصر، متصلا به عن طريق الحواس الخمس التي هي المنافذ الطبيعية إلى الإدراك العقلي والمعرفة القلبية، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ النحل 78. من ثم تلتقي المدركات الحسية مع المدركات المعنوية لتنشئ قواعد للتفكير ومعالم للطريق تعصم من الخطأ والعشوائية وقصور الفهم، وتنبثق بها في الفطرة مراشد الحكمة والقدرة على التمييز الدقيق والتقدير السليم والاختيار الأصلح لما يعرض للمرء في حياته الآنية والمستقبلية وعلاقة ذلك بثقافته وتجاربه ومحيطه الخارجي وتصوره لعالمي الغيب والشهود.

والقرآن الكريم لكونه كتاب دعوة وهداية من الخالق الحكيم، يراعي هذا الجانب من الفطرة البشرية في تربيته المؤمنين وترشيدهم، لذلك عندما يعرض لأمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول إدراكه، يشخصه في أمر حسي يعرفه عامة الناس، ثم ينطلق بعد ذلك إلى تصحيح ما فرط من خلل أو خطأ أو غبش في التصور أو لبس في الفهم، واستخلاص العبر وتوجيه الأفئدة إلى الصالح من النوايا والمقاصد والأقوال والأعمال. من ذلك قوله تعالى في آخر آيات الدرس السابق: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ آل عمران 120، وقد علق العصمة من أذى الكفار ومكرهم بالصبر والتقوى، وأراد أن يبين صدق هذه القضية، ويعززها بمشاهد حسية عاشها المسلمون وحقائق مادية ذاقوا حلاوتها ومرارتها،وآمالها وآلامها، ونصرها وهزيمتها، مشاهد من معركة قريبة من نفوسهم وذاكرتهم يتدبرونها ويتعظون بها على نحو ينشئ منهم أمة الرسالة والإمامة والاستخلاف والشهادة، فخاطبهم تعالى بقوله للرسول صلى الله عليه وسلم:

﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ والإشارة في هذه الآية الكريمة إلى غزوة أحد وهي الغزوة الثانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر الكبرى التي وقعت صبيحة سبع عشرة من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وانتهت بنصر مبين للمسلمين على قلتهم في العدد والعدة، إلا أن هذا النصر أثار حفيظة المشركين وبعث كمين أحقادهم، واضطرمت به صدورهم حسدا للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فقوي عزمهم على حشد الحشود وإعداد كامل القوة مالا وسلاحا، ومحاولة تأليب قبائل العرب وتوثيبهم على المسلمين، وبلغ بهم الحرص على تعبئة مواجيدهم النفسية والعصبية من أجل الثأر وإعادة الاعتبار لملل الكفر والشرك أن منعوا البكاء على القتلى حتى لا يخف حزنهم به أو يشمت بهم العدو، قال ابن إسحاق: وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده، زمعة وعقيل والحارث، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له، وكان قد ذهب بصره: انظر هل أحل النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة، يعني ولده زمعة، فإن جوفي قد احترق، فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته.

وكان لابد أن ينتبه الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه إلى هذا الوضع الجديد حولهم، وأن يبذلوا جهودهم لقمع تحرك أعدائهم وكسر شوكتهم كلما هموا بِشرّ، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبادر بعد هذه الغزوة بالتأديب والكبت لكل محاولة عدوانية في مهدها، وقد سجل التاريخ لنا ما بين بدر وأحد عددا من عملياته التأديبية هذه، منها:

خروجه لغزو بني سليم بعد عودته من بدر بسبع ليال، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له الكُدْر وأقام به ثلاث ليال فلم يلق منهم مقاومة ثم رجع إلى المدينة.

ثم حين رجع أبو سفيان إلى مكة من بدر منهزما نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم، وخرج في مائتي راكب من قريش ليبرَّ يمينه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار حتى بلغ قرقرة الكُدْر، فلما سمع به أبو سفيان وأصحابه فروا قبل وصوله وأخذوا يتخففون للإسراع في الهرب ويلقون أحمال السويق التي تزودوا بها، فيأخذها المسلمون بعدهم، فسميت غزوة السويق.

ثم كانت بعد ذلك غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمَر[1]، حين بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا ليهاجموا أطراف المدينة فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وخرج إليهم لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين مقاتلا، فلما سمعوا به هربوا إلى رؤوس الجبال، وفيها أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مطر فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبيه ونشرهما ليجفا وألقاهما على شجرة واضطجع وجاء رجل من العدو يقال له دعثور بن الحرث ومعه سيف حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( الله )، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: ( من يمنعك مني؟ )، قال: "لا أحد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا"، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، ثم أتى قومه فقالوا: مالك ويلك ؟!، فقال: "نظرت إلى رجل طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعا"، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام، ونزل قوله عز وجل ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ﴾11 المائدة.

ثم كانت غزوة بحران بالحجاز لِسِتٍّ خلوْن من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من هجرته صلى الله عليه وسلم، إذ سمع بجمع كثير من بني سليم يعدون للمسلمين، فخرج إليهم في ثلاثمائة رجل من أصحابه حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا خوفا في مياههم فرجع ولم يلق منهم مقاومة.

ثم غزوة بني قينقاع، وكانت يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره، كان من أمرهم أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ[2] لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا، وشد اليهود على المسلم فقتلوه، وكان بنو قينقاع أول من غدر من اليهود إذ أظهروا البغي والحسد ونبذوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار إليهم ولواؤه أبيض بيد حمزة رضي الله عنه، وحاصرهم أشد الحصار حتى نزلوا على حكمه.

من هذه الأحداث المتوالية بعد بدر الكبرى يتبين أن قريشا والمشركين واليهود جميعا حاولوا قبل أحد أن يكسروا شوكة المسلمين، لعلمهم أن قيام الإسلام يذل رقاب المستكبرين منهم ويعصف بمصالحهم المادية والمعنوية وينهي أمر الجاهلية؛ ولكن محاولاتهم كلها باءت بالفشل وردوا على أعقابهم خاسرين. إلى أن كانت غزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة، يوم السبت لسبع ليال أو إحدى عشرة ليلة خلت من شوال، حيث اجتمعت قريش ومن أطاعها من قبائل كنانة وتهامة والأحابيش [3] وأصحاب العير، بعبيدهم ومواليهم، وأقبلوا لحرب المسلمين، حتى عسكروا مقابل المدينة بعينين على شفير الوادي بأصل أحد، فلما سمع المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدومهم فرحوا وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة )،  ثم أخذ في الاستعداد للمعركة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

وقوله تعالى: ﴿ غَدَوْتَ ﴾ من الغدو وهو الخروج في أول النهار، في مقابل الرواح وهو العودة آخره، والأهل في قوله عز وجل: ﴿ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ تطلق ويراد بها الزوجة، والمقصود بها هنا حجرة عائشة رضي الله عنها، والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل ﴿ غَدَوْتَ ﴾ تقديره: خرجت مبكرا من بيت أهلك. وقد كان خروجه لغزوة أحد منه، بعد أن استشار المسلمين كافة في خطة الدفاع عن المدينة المنورة؛ هل يمكثون فيها للدفاع من داخلها، أم يخرجون لملاقاة عدوهم في سفح جبل أحد؛ فقال عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول ـ رأس المنافقين ـ : " يا رسول الله ، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدَعْهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقامُوا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجَعوا خائبين كما جاؤوا "، وقال رجل من المسلمين:" أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبنا عنهم وضعفنا "، وقال مالك بن سنان:" يا رسول الله ، نحن والله بين إحدى الحسنيين، إما أن يظفرنا الله بهم، أو يرزقنا الشهادة " ، وقال حمزة :" والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم خارج المدينة" وقال النعمان بن مالك أخو بني سلمة:" يا رسول الله، لم تحرمنا الجنة؟، فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلنّها "،  فسأله صلى الله عليه وسلم: ( بم ؟ )، فقال النعمان: " إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف "، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدقت ) . وقـال إياس بن أوس: " يا رسول الله ، نحن بنو عبد الأشهل، نرجو أن نذبح ويذبح فينا، فنصير إلى الجنة، ويصيروا إلى النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولوا: حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها[4]، فيكون هذا جرأة لقريش"،  وقال عبد الله بن جحش: " اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غداً فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني: فيم؟، فأقول: فيك يا رب ". واتفق جمهور المسلمين على الخروج وألَحوا في طلبه، ولم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بيته ولبس لأمته[5]، وخرج عليهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه، فندم الناس، وقالوا:" يا رسول الله استكرهناك، ولم يكن لنا ذلك،  فإن شئت فاقعد، صلى الله عليك وسلم "، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما كان لنبي إذا  لَبِسَ لأمته أن يضعها حتى يقاتل ".

إن الخلاف بين المسلمين في شوراهم كان حول خطتين للحرب، حرب تقليدية في مواجهة بين جيشين، وحرب شوارع بين جيش مهاجم ومقاومة شعبية، وقد كان من رحمة الله بالمؤمنين أن ألهموا الخطة الأولى، لأنهم لو لجأوا إلى أسلوب المقاومة الشعبية داخل المدينة لكاشفهم المنافقون بالعداوة وجاهروهم بها وانضموا إلى المشركين، وذلك ما تبين إذ خرج المسلمون للحرب وعددهم ألف، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأُحد رجع عبد الله بن أبيّ بثلث الناس ممن اتبعه من أهل النفاق، وقال : "أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس"، فصار عدد جيش المسلمين بذلك سبعمائة، في مقابل جيش أهل مكَّة وعدده ثلاثة آلاف معهم مائتا فرس، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَان ﴾ آل عمران 167.

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جبل أحد أخذ ينـزل المجاهدين منازلهم من أرض المعركة المرتقبة، ويوطنهم المقاعد المناسبة للخطة الحربية المعتمدة، ولأسلحتهم التي بأيديهم، ولما يتقنونه من فنون القتال، وهو قوله تعالى:

﴿ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ وأصل التبوء اتخاذ المنـزل، يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أي: أنزلته فيه. والمراد بالمقاعد المراكز والمواقف والأماكن التي يثبت فيها المقاتل لينقض على خصمه، شبهت بالمقاعد للإشارة إلى وجوب التمسك بها وعدم مغادرتها إلا بإذن القيادة. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الشِّعب[6] من أحد جعل ظهره وعسكره إلى أحد وأخذ ينظم الصفوف ويوطن المجاهدين في مواقف القتال ومقاماته، وأمرهم ألا يتحركوا لقتال حتى يأذن لهم به، وجعل يمشي بينهم يصفهم إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر، ثم دفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وأمَّر على الرماة عبد الله بن جبير، وكانوا خمسين رجلا قال لهم: ( إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم )،  وفي رواية أخرى قال لهم: ( احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا ) وقال لأميرهم: ( انْضَح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك )؛ وأجاز رافع بن خديج وهو ابن خمس عشرة سنة لما قيل له إن رافعا رام، ورد سمرة بن جندب، فقيل له: إن سمرة يصرع رافعا فأجازه، ورد يومئذ عبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وعمر بن حزم وأُسيد بن ظُهير وهم أبناء خمس عشر سنة، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد سيوفه وقال ( من يأخذ هذا السيف بحقه؟ ) فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام أبو دجانة فقال:" وما حقه يا رسول الله؟" قال: ( أن تضرب به العدو حتى ينحني) فقال أبو دجانة:" أنا آخذه يا رسول الله بحقه" فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة محاربا شجاعا، يعتصب بعصابة له حمراء إذا أراد الحرب ويتبختر في مشيته عند القتال، فلما أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فقال عنه صلى الله عليه وسلم: ( إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن ).

إن القرآن الكريم إذ يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الغزوة من بدايات الإعداد لها إلى تفاصيل سيرها ونتائج مرحلتي النصر والهزيمة فيها، فإنما لتكون عبرة وعظة لهم وللأجيال المسلمة بعدهم، وشهادة عليهم تستحضرها أفئدتهم وعقولهم فتستثمر تجربتها وتستخلص الدروس منها، ولذلك ختمت هذه الآية بقوله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يسمع أقوالهم ونجواهم ويعلم ظواهر أحوالهم وبواطن أنفسهم، ويشهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بكل واجبه إعدادا للمعركة ترشيدا وتوعية ونصحا وتنظيما عسكريا دقيقا. ثم يحيل القرآن في الآية التالية مصداقا لهذه القضية على حركة النفاق التي بدرت من عبد الله بن أبي إذ انخذل ورجع بثلث الجيش مغضبا، وما كادت توقعه هذه الخيانة في الصف المسلم من ضعف، وذلك بقوله تعالى: 

﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ والهم هو حديث النفس بعمل معين دون أن تعزم أو تصمم على تنفيذه، والفشل في قوله تعالى: ﴿ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ من الخور والضعف، أي: واذكر لهم وقت أن كادت طائفتان منكم أن تضعفا وتجبنا عن القتال متأثرتين بأراجيف عبد الله بن أبي في وقت الشدة وملاقاة العدو لولا أن الله تولاهما بالتثبيت. وهاتان الطائفتان هما بنو سَلِمَة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانتا جناحي الجيش فى يوم أحد، هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي فعصمهم الله، كما روى الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه قال:" نزلت فينا هذه الآية ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ ".

والتعبير القرآني في هذه الآية الكريمة يشي بأربع لمسات ربانية من لطف الله تعالى بالمؤمنين ما ثبتوا عند الفتن وتغلبوا على هواجس النفوس وضعفها، أولى اللمسات أنه تعالى وصف ما خالج نفوس الطائفتين بأنه مجرد همٍّ وليس قصدا وعزما، وأنهم لم ينساقوا به للفشل، بل عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم؛ والثانية شهادته تعالى لهم بالعضوية الإيمانية في الصف المسلم بقوله: ﴿ مِنْكُمْ ﴾، والثالثة شهادته تعالى بولايته لهم في قوله: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾، والرابعة شهادته تعالى بتوكلهم عليه إذ تغلبوا على ما داخلهم من هم الفشل وواصلوا جهادهم:﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. كل ذلك كفيل بتعميق شعورهم برعاية ربهم لهم وشمول رحمته ولطفه بهم، وسعة عفوه عما يبدر منهم خطأ وغفلة وقلوبهم راسخة الإيمان واثقة الجنان.

بهاتين الآيتين يستهل القرآن الكريم تذكير المسلمين في ستين آية متوالية من سورة آل عمران بأشد مفاصل نشأة الدولة الإسلامية خطورة، مفصل غزوة أحد يستعرض أحداثها ويكشف مشاعر المسلمين فيها ويسبر صدق نواياهم وصلابة إيمانهم ويستجيش هممهم لما أعد لهم من نصر في الدنيا ما صبروا واتقوا، وما ينتظرهم في الآخرة من جنة ورضوان، لذلك كان استهلال التذكير بهذه الغزوة متوجا بقبسين من التصور الإيماني الرشيد يستحضرهما المؤمن في أمره كله، قبس المعية الإلهية في السر والعلن والضعف والقوة والهم والعزم والشك واليقين في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾، وقبس العون الإلهي لمن يتوكل عليه تعالى وحده لا شريك له في قوله عز وجل: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾، وفي ظلال هاتين الحقيقتين الإيمانيتين تسير باقي الآيات الستين المذكرة بغزوة أحد، مرشدة وهادية ومثبتة، ومبينة لخلفيات الأحداث ونتائجها، في ميدان المعركة وفي نفسيات المقاتلين من المعسكرين، في حال وقوعها ومآل تجربتها الإيمانية والتربوية والعسكرية، وأثرها في حياة الأمة الإسلامية عبر أجيالها المتعاقبة.

لقد أسفرت هذه الغزوة التربوية عن حالتين عاشهما المسلمون فيها، حالة رجال ناطوا آمالهم بربهم، ووصلوا به رجاءهم، وترصدوا سوانح فرص الشهادة، وأقبلوا عليها ثقة وطاعة وإعراضا عن الدنيا وإيثارا للآخرة، فكانت النتائج مرضية طيبة، وحالة نسيان وعصيان وحرص على المكاسب العاجلة كان لها ما يناسبها من عقوبة وزجر وتأديب.

أما الحال الأول فقد برز فيه أفذاذ من الرجال منهم وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة، أسد الله الذي قتل واحدا وثلاثين من الكفار، منهم حاملا لواء المشركين، أرطأة بن عبد شرحبيل، وعثمان بن أبي طلحة، ثم استشهد غدرا على يد وحشيٍّ، بتدبير وتحريض من هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان إذ قطعت بعد مقتله[7] بعض أعضائه وجدعت أنفه وبقرت بطنه واستخرجت كبده فلاكتها ولم تستطع بلعها ولفظتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو دخلت بطنها لم تدخل النار )، وأخذ أبو سفيان يضرب في شدقه رضي الله عنه وهو ميت بزج الرمح، ويقول: "ذق عُقَق"[8]، فرآه الحليس بن زيان[9] فصاح: "يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما"، فقال:" ويحك، اكتمها علي فإنها كانت زلة ".

ومنهم أبو دجانة، قال كعب بن مالك:" كنت فيمن خرج من المسلمين، فإذا رجل من المشركين، وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيأة فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: "كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة"، وروى ابن هشام أنه حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة ثم عدل عنها إكراما لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقتل به امرأة، قال أبو دجانة:" رأيت إنسانا يُحْمِش[10] الناس حمشا شديدا فعمدت إليه فلما حملت عليه السيف ولول فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة".

ومنهم غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الذي استشهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته: ( إن صاحبكم لتغسله الملائكة ) فسألوا زوجته جميلة بنت أبي بن سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة؟ فقالت:"خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة".

ومنهم عمرو بن الجموح وكان أعرج شديد العرج وله بنون أربعة في جيش المسلمين بأحد، حبسوه لعرجه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة" فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج للجهاد ومات شهيدا.

حتى نساء المسلمين لم يفتهن شرف الجهاد في هذه المعركة، ومنهن أم عمارة نسيبة بنت كعب، لما قصد ابن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترضت له ومصعب بن عمير، وضربت ابن قمئة ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان، وضربها هو بالسيف فجرحها جرحا عظيما صار له فيما بعد غور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان ) وقال:( ما ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني )، وقال لابنها عبد الله بن زيد بن عاصم:( بارك الله تعالى عليكم أهل بيت، مقام أمكم خير من مقام فلان وفلان، ومقام زوج أمك غزية بن عمرو خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل بيت "، فقالت أم عمارة: " ادع الله تعالى أن نرافقك في الجنة "، قال: ( اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة )، قالت:" ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا". وقالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: دخلت على أم عمارة فقلت لها: "يا خالة أخبريني خبرك"، فقالت: "خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليَّ". قالت: "فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا؟"، قالت: "ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت".

بمثل هذه الجهادية الصامدة، وهذا الصدق القتالي الرفيع، وهذه الأخلاق العالية والتوكل الحق على الله تعالى، وبمثل هؤلاء المقاتلين الذين وصلوا رجاءهم بربهم، وسمت آمالهم إلى رضاه، وتنسموا ريح الجنة من عوالي السيوف والحراب، كان النصر المؤزر حليف المسلمين في أول نهار المعركة، صدقهم الله وعده وأعز جنده، إذ حسوا المشركين بالسيوف حتى كشفوهم عن مواقعهم، ورئيت نساؤهم هوارب ما دون أخذهن قليل، وتابعهم المسلمون يضربون أقفيتهم وقتلوا حامل لوائهم فسقط اللواء ولم يجرؤوا على العودة لحمله حتى حملته لهم امرأة تدعى عمرة بنت علقمة الحارثية فرجعوا إليه واجتمعوا عليه، وكانت هزيمتهم لا شك فيها، إلا أن الرماة خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوا الغنائم في متناول أيديهم فمالوا إليها خشية أن يسبقهم إليها غيرهم، وقالوا: " الغنيمة، أيْ قومِ الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟" فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير:" أنسيتم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" قالوا:" والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة"، فلما أتوها صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، وخلوا ظهور المسلمين لخيل المشركين التي أصابت فيهم غرة وفجأتهم من خلفهم، فكان يوم بلاء وتمحيص قتل فيه من المسلمين من قتل، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع لشقه وأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج في وجهه، وأشاع المشركون أنه مات، فأصيب المسلمون بحزن أقعد بعضهم، حتى إن أنس بن النضر عم أنس بن مالك انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد جلسوا حزانى، فقال:" ما يجلسكم" قالوا" قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال لهم:" فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم هاجم المشركين حتى قتل. ومر مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد وهو قاعد في حشوته وبه ثلاثة عشر جرحا كلها خلصت إلى مقتل، فقال:" أما علمت أن محمدا قد قتل ؟" فقال خارجة: "إنْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه، فقاتل عن دينك "، ومر على سعد بن الربيع وبه اثنتا عشرة جراحة كلها قد خلص إلى مقتل، فقال:" أعلمت أن محمدا قد قتل؟" فقال سعد:" أشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد بلغ رسالة ربه، فقاتل عن دينك، فإن الله تعالى حي لا يموت".

وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك رأى عينيه تزهران من تحت المغفر فعرفه ونادى بأعلى صوته: "يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم" فاجتمع حوله المسلمون ونهض معهم نحو الشعب، فعلتهم عالية من المشركين عليها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( اللهم إنه لاينبغي لهم أن يعلونا )، فقاتل عمر بن الخطاب مع نفر من المسلمين حتى أهبطوهم من الجبل. وختمت المعركة بانسحاب المشركين متوجهين إلى مكة وثبات المسلمين في ميدان أحد يداوون جرحاهم ويدفنون شهداءهم ويستعدون لمطاردة المشركين إلى حمراء الأسد.

إن بعض المؤرخين زعموا أن ما أصاب المسلمين في نهاية المعركة هزيمة، ولكن إمعان النظر في نتيجتها النهائية ومآل المعسكرين بعدها، يبين أنها نصر للمسلمين، ولكنه نصر مشوب بعقوبة تعمق التجربة، ومصحوب بعملية تأديب لما ارتكبوه من عصيان قائدهم، لأن مخالفتهم لو مرت وغض الطرف عنها لما استقام لهم أمر فيما يستقبل من المعارك بعد أحد. إنه نصر حقيقي بالمقاييس العسكرية للنصر والهزيمة، ومن أوْلى هذه المقاييس بالاعتبار النظرُ إلى:

 ساحة المعركة، وأي الفريقين أجلى الثاني عنها، وأيهما غلب فبقي فيها، أو انهزم فانسحب منها، وقد ثبت تاريخيا أن المشركين هم الذين انسحبوا على وهم نصر لم ينالوه، وأن المسلمين مع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين مكثوا في الميدان بعد انسحاب المشركين، فداووا جرحاهم ودفنوا شهداءهم، وطاردوا المشركين إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال.

أي الفريقين غنم أو أسر من الثاني، وقد ثبت أن المشركين لم يأسروا من المسلمين أحدا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسر من المشركين أبا عزة عمرو بن عمير[11]، وأن فرار المشركين عن أموالهم ونسائهم أول النهار كاد أن يجعلها غنائم للمسلمين لولا مخالفة الرماة، ومع ذلك انسحبت قريش من المعركة في اتجاه مكة دون أن يجرؤوا على التمهل لدفن قتلاهم، أو يقدموا على دخول المدينة وهم يعلمون خلوها من المقاتلين.

لذلك نعتقد أن النصر في هذه الغزوة كان للمسلمين، ولكنه نصر مشوب بتمحيص شديد يهيئ الأمة الإسلامية لحمل الأمانة ورعايتها إلى قيام الساعة، نصر توَّجَهُ أبطال ميامين من أمثال سعد بن الربيع إذ افتقده الرسول صلى الله عليه وسلم بعد انجلاء قريش وقال: ( مَنْ رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ) فقال رجل من الأنصار: " أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل" ، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات" قال: "أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى به نبيا عن أمته، وقل له: إني أجد ريح الجنة، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف"، ثم التحق بالرفيق الأعلى.

ولئن كان ظاهر سير المعركة في آخر النهار يشي بما نال المسلمين من محنة هي أشبه ما تكون بهزيمة، فقد يكون ذلك مدعاة للتلبيس على قصار النظر وحديثي العهد بالإسلام، وقد وقر في أذهانهم وقلوبهم أن الله ناصرهم ما داموا مؤمنين في كل الأحوال، وغفلوا عن أسباب النصر المادية والمعنوية من صبر وتقوى وطاعة للقيادة، وقد وقع الرماة في خطأين، مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم الصبر على إغراء الغنائم عند الاستهلال بالنصر أول النهار. لذلك ذكرهم الله تعالى بغزوة بدر الكبرى إذ نصرهم على قلتهم عددا وعدة، وتردُّدِ بعضهم في مقارعة العدو الذي فاجأهم على غير ميعاد، فقال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، كانت عنده غزوة بدر بين المسلمين ومشركي قريش في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وليس معنى كونهم أذلة أن بهم هوانا أو خورا أو ضعفا في النفوس، بل المراد أن عددهم قليل لا يتجاوز ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وعدتهم من المال والسلاح والمركوب قليلة، كان النفر منهم يعتقب البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد، في مقابل ألف من المشركين معهم مائة فرس بكامل أسلحتهم وأزوادهم وقوتهم، ومع ذلك كان النصر للمسلمين، لما صبروا واتقوا وأطاعوا رسولهم، لذلك ذكرهم عز وجل في هذه الآية بعوامل النصر في بدر لتتضح لهم أسباب ما حل بهم في أحد، ولتتعمق في نفوسهم معاني قوله تعالى لهم فيما سبق: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ آل عمران 120، فيتقوا غضب الله فيما يبدر منهم من نوايا وأعمال، ويشكروه على ما أولاهم من نصر وتمكين: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.

واستحضارا لعظمة المشهد يومئذ ورحابة ولاية الله تعالى لهم في بدر يذكرهم الوحي بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطبهم به عن مدد الله لهم لِما تحلوا به من صبر وتوكل وتقوى، يقول تعالى:

﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ وهو استفهام تقريري لكفاية هذا العدد للنصر، وما التذكير بنـزول الملائكة في بدر إلا لرد من لُبِّس عليهم في أحد إلى القاعدة الإيمانية الثابتة، وهي أن الأمر كله إلى الله تعالى، وأن نصر يوم بدر كان أشبه بالمعجزة لانعدام التكافؤ المادي عددا وعدة بين المنتصرين والمنهزمين، وأن نزول الملائكة بأعداد معروفة لنا أو مجهولة، ﴿ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ الأنفال 9، يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم ألوف أخر مثلهم، أو ﴿ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾آل عمران 124، أو ﴿ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ آل عمران 125، أو بأكثر من ذلك أو أقل، ليس إلا غطاء لقدر الله وقدرته وحده على نصر من يتقيه ويصبر على بلائه ويطيع رسوله. نصرا مباشرا بدون مقدمات أو نصرا تسبقه البشارة بنـزول الملائكة.

لذلك عقب عز وجل على إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة بقدرته على إنزال أكثر من ذلك إن اتقوا وصبروا وفاجأهم العدو من فورهم، وكانوا بحاجة إلى بشارة من ربهم تطمئنهم بنصره القريب فقال تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.

ولفظ "بَلَى" إثبات للكفاية المنفية بِحرف "لَنْ"،  والفَوْرُ هو النهوض المسرع إلى الشيء، مأخوذ من فور الماء والقدر، أي: بل يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف، ولكنه عز وجل يعدكم إن صبرتم واتقيتم وأطعتم وأتاكم أعداؤكم مسرعين أن يمدكم فضلا منه ورحمة، بأكثر من ذلك،  بخمسة آلاف من الملائكة ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾. وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ : بكسر الواو أي معلِّمين أنفسهم بالعمائم أو خيولهم بالصوف، وحجتهم عدد من الروايات عن ابن عباس وأبي هريرة ومكحول وعكرمة. وقرأ الباقون ﴿ مُسَوَّمِينَ ﴾ بفتح الواو وحجتهم قوله تعالى في الآية قبلها:{منـزَلين} أي: منـزَلين ومسوَّمين، أنزلهم الله تعالى وسوَّمهم بعلامات يعرفون بها.

 إن القرآن الكريم يحرص دائما على صفاء العقيدة وتنقيتها من كل شائبة، وعلى وضوح قاعدة التصور الإيماني الراكزة الركينة التي تجعل الأمر كله إلى الله تعالى حسب مشيئته المطلقة الغنية عن الأسباب، لتكون علاقة المؤمن بربه متصلة وثيقة بلا وسائط من غير الكتاب والسنة ومن أرسل بهما؛ لذلك عقب عز وجل على الإمداد بالملائكة بقوله: 

﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرّة للمخبر به، أي: وما جعل الله إمدادكم بالملائكة وإعلامكم بإنزالها إلا تطييبا لقلوبكم وطمأنة لنفوسكم كي تستبشروا بنصر الله الذي وعدتم به من قبل غزوة بدر وتمهيدا لها بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾ الأنفال 7، فاصبروا على ملاقاة عدوكم واتقوا الله وتوكلوا عليه واستعينوا به، لا على كثرة العدد والعدة، لأن النصر مطلقا بيده سبحانه:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ ينصر بالأسباب التي أودعها الفاعلية المعهودة في الأرض بمقتضى حكمته وعلمه، وينصر من يشاء من عباده بدون أسباب أو وسائط، وما قتال الملائكة معكم إلا بمقتضى ما سخرهم الله له، لا تستدعي مشاركتهم في الحرب نصرا أو هزيمة، ولن يكون المآل في الأمر كله إلا كما يريده الله ﴿ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ القوي الغالب العزيز في ملكه يعز من يشاء ويذل من يشاء، الحكيم في تدبيره خلقا وإبداعا وقضاء وقدرا، يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه النصر والتمكين.

هذه هي القاعدة الإيمانية التي يحرص القرآن على تثبيتها في قلوب المؤمنين، أن يردوا أمرهم كله إلى الله عز وجل، بيده القوة جميعا، وألا يعتمدوا على الأسباب التي بأيديهم وحدها،، لأن النصر متعلق بإرادته سبحانه دون واسطة أو سبب أو وسيلة، إنه عز وجل يختار لعباده الصابرين الأتقياء من ألوان النصر ما يعلم أن فيه صلاحهم، فقد يكون بالغلبة العسكرية في ميدان الحرب، أو بإمداد بالملائكة، أو بالحجة والبرهان، أو بإلقاء الرعب في نفس العدو، أو بتقوية قلوب المؤمنين عند البأس، كما أن استشهاد المؤمن أو غلبة العدو عليه في بعض المعارك لا يعد هزيمة ولا يخرجه عن دائرة النصر، لأن حكمته تعالى قد تقتضي اختباره بمشقة ترفع درجته، وتعلي منزلته وتنشر ذكره في الملأ الأعلى، وذلك هو النصر المخلد بين يدي ربه عز وجل.    

لذلك عندما أمر تعالى المسلمين بأن يعدوا لأعدائهم العدة قال: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الأنفال 60، ولم يقل: "وأعدوا لهم ما يكفي للانتصار عليهم "، يعد المؤمن ما يستطيع من أسباب فتبرأ ذمته ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ البقرة 286، ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا ﴾ الظلاق 7، فإن توفرت الأسباب المستطاعة مع الصبر والتقوى كان المدد من الله تعالى.

ثم فتح رب العزة تعالى نافذة من نوافذ غيبه ليعلم عباده ببعض حكمته من فريضة الجهاد، وتداول النصر والهزيمة والضعف والقوة، وسجال الرأي والحجة والرمح والسيف بين معسكري الإيمان والكفر فقال تعالى:

﴿ لِِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ والقطع-كما يقول الراغب- فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة، والمراد به هنا الإهلاك والقتل، والطرف جزء الشىء. أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل، وينقص من أرضهم وأموالهم بالفتح والغنيمة.

﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾ والكبت فى اللغة: صرع الشىء على وجهه. يقال: كَبَتَه فانْكَبَتَ، والمراد به في هذه الآية رد المشركين على أعقابهم بعنف أذلة مغتاظين، خائبة آمالهم غير ظافرين بمبتغاهم .

وحتى لا يفهم أن منتهى الحكمة الإلهية في صراع الحق والباطل منحصر في القطع والكبت، وَرَدَ الاعتراضُ بما يفيد إطلاقها وشمولها مجالات غيبية لا يحيط بها مخلوق، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ وقد روي في سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة، منها أنه لما أصاب المسلمين ما أصابهم في أحد وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم وشج وجهه جعل يمسح وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟) نزلت الآية، فقيل له: " لو دعوت عليهم " فقال: ( إني لم أبعث لعانا، ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

ومنها ما رواه البخاري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: ( اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا، بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) فأنزل الله الآية.

ومنها أنها نزلت في حَمْزَةَ بن عبد المطلب لما رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما فعلوا به من المُثْلَة، قال  ( لأمَثِّلَنَّ بهم كما مثّلوا به ). فنزلت هذه الآية .

ومنها ما رواه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: ( سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد )، ثم يقول وهو قائم: ( اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لِحيان ورِعلا وذكوان وعُصية، عصت الله ورسوله ) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾.

وفي كل الأحوال فإن معنى هذه الآية الكريمة أن أمر الخلق جميعا بيد الله تعالى، وأن  محمدا صلى الله عليه وسلم ليس له من أمرهم إلا أن ينفذ فيهم أمر ربهم،  وينتهيَ فيهم إلى طاعته، لا يملك شيئا من أمر عقابهم أو ثوابهم أو استئصالهم أو استصلاحهم أو آجالهم أو ما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة، وإنما ذلك إلى الله وحده، لعلمه أن منهم من سيتوب ويراجع  فيكون قوة للإسلام وأهله كما وقع بإسلام خالد بن الوليد وأبي سفيان وغيرهما، ومنهم من يكون من ظهره ذرية صالحة تشد عضد المسلمين، وقد روى الترمذي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: ( اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن صفوان بن أمية ) قال: فنزلت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ فتاب الله عليهم فأسلموا فحسن إسلامهم "[12].

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يسلم الناس جميعا لِما جُبل عليه من رحمة وعطف على أمته، يؤلمه أشد الألم إعراض بعضهم عن دعوته ونيلهم منه ومن عقيدته، وقد خاطبه تعالى في عدد من آيات القرآن يأمره أن يتلطف بنفسه ويربأ بها عن الهلاك بسبب ذلك، قال تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ الكهف6، وقال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ الشعراء 3، لذلك خاطبه تعالى في هذه الآية بقوله ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾

إن الأمر كله لله تعالى وليس على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يمضي لما أمر به من تبليغ ودعوة، أما ما سوى ذلك من قضايا الاستجابة والإيمان والاهتداء فبيده تعالى، قال عز وجل: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ الرعد:40، وقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ البقرة:272، وقال:﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ القصص:56.

هذه المعاني  يكشفها بكل وضوح قوله عز وجل عقب ذلك:

﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي: إن من كفر بين إحدى عاقبتين: أن يتوب فيفوز بخيري الدنيا والآخرة ويكون قوة للمسلمين، أو يصر على كفره ويموت عليه ظالما لنفسه مستحقا ما يحيق به من عقاب وعذاب.

ثم بعد التذكير بما جرى في غزوتي بدر وأحد، واستخلاص الدروس والعبر من أحداثهما لتبقى زادا للمسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يختم الحق سبحانه ببيان قدرته المطلقة، وإرادته النافذة في الكون كله، لا يكون إلا ما يريده عز وجل، ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ الأنبياء 23 ، ولا يعرف حكمته إلا هو، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾، له عز وجل أمر السماوات والأرض وما فيهن، ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ السجدة 5،﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّه ﴾ هود 123. يغفر لمن يشاء فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء عدلا ناجزا، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ كثير المغفرة واسع الرحمة، فعال لما يريد، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول ما قاله أخوه عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ المائدة 118.

لقد ضرب الحق سبحانه المثل لأهل أحد بأهل بدر في صبرهم وتقواهم وطاعتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم، وعاتب الرماة الذين لم يمتثلوا أمر الله المبلغ إليهم على لسان رسوله، بعد أن صُدوا عن الغنائم صدا عنيفا، تعليما لهم بالتجربة الحية والمعاناة القاسية، وليست هذه أول مرة تطفو فيها ظاهرة الحرص على الغنائم بين المسلمين، فلقد ظهرت قبلهم في صف أهل بدر، ولكن ذلك كان بعد تمام النصر، إذ اختلفوا في النَّفَل[13] فأنزل الله تعالى تشريعه مقرونا بالعتاب بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الأنفال 1. قال ابن إسحاق:" حدثني عبدالرحمن بن الحارث وغيره عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفَل وساءت فيه أخلاقنا، فنـزعه الله من أيدينا".

بذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قدمت درسا تربويا إيمانيا مليئا بالحكمة والموعظة ليكون مدخلا لما يلي من الآيات المتعلقة بأحداث غزوة أحد بعبرها وتجاربها وإيماءاتها وإشاراتها، غير مغفلة أخطر أعراض الضعف البشري وعوائق النصر، وهو الحرص على تحصيل المصالح الشخصية المباحة بالوسائل المحرمة، كما هو شأن الغنائم المباحة بقوله صلى الله عليه وسلم:( وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ)[14]. وقد كانت محاولة الوصول إلى غنائم أحد بوسيلة محرمة هي مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي بذلك مقصد مباح يتوصل إليه بوسيلة محرمة، ووسيلة المقصود تابعة للمقصود، فإذا حرم المقصود حرمت الوسيلة إليه، وإذا حرمت الوسيلة حرم ما اكتسب بها ولو كان مباحا، إلا أن يتوسل إليه بمباح. كما هو شأن الخمر وهو حرام لا يتوسل به إلى شفاء الأسقام المأمور بطلبه شرعا، قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله خلق الداء والدواء فتداووا ولا تتداووا بحرام )، وعن أم سلمة، أنها انتبذت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيذ يهدِر، قال: ( ما هذا ؟ )، قلت: "فلانة اشتكت فوصف لها"، قالت: فدفعه برجله فكسره وقال: ( إن الله لم يجعل في حرام شفاء ).


 

[1]  - ذو أمَر: موضع من ديار غطفان.

[2]  -  الجَلَب ج أجلاب: ما يسوقه الناس إلى السوق للبيع.

[3] - الأحابيش أحياء من العرب سموا بذلك لسمرة فيهم كسمرة الحبشة

[4]  -  الصَّياصي: الحُصونُ وكلُّ شيء امْتُنِع به وتُحُصِّنَ به فهو صِيصةٌ، والأُطُم: كل بيت مُرَبَّع مُسَطَّح ج آطام

[5]  -  اللأمة: الدرع.

[6]  -  الشِّعْبُ: ما انْفَرَجَ بين جَبَلَين.

[7]  - انظر: سيرة ابن هشام، ومختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب، ومغازي الواقدي.

[8]  -  ذُقْ عُقَقُ: أي: يا عاقُّ.

[9]  -  الحليس بن زيان أخو بني الحارث بن عبد مناة، سيد الأحابيش في معسكر المشركين.

[10]  - يُحْمِش: يحرِّض.

[11] - أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه، وذلك أنه أسر يوم بدر، وأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم بلا فداء لفقره، وأخذ عليه أن لا يعين عليه. فنقض العهد وأسر يوم أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمداً مرتين. وأمر به فضربت عنقه.

[12]  -  صحيح الألباني

[13]  -  النَّفَل بالتحريك الغنيمةُ، والجمع أَنْفال ونِفال، يقال: نَفَّله نَفَلاً وأَنْفَله إِيَّاه ونَفَله بالتخفيف ونفَّلْت فلاناً تنفيلاً أَعطيته نَفَلاً وغُنْما.
[14]  -  تمام الحديث من البخاري: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ).

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني  ( الحلقة السابعة )

علاج آثار" أحد" في الأخلاق والعلاقات

      قال الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)  وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) ﴾

مشاعر المرء وطباعه وطرق تفكيره وسلوكه يعاد تشكيلها سلبا أو إيجابا عقب كل حدث يمر به، أو ثقافة يتلقاها أو تجربة يخوضها أو تفرض عليه، فينعكس أثر ذلك في علاقاته وتصرفاته وما يختاره في يومه وليلته. من ثم عرف ما يمكن تسميته بالأخلاق التراكمية، تراكم التجربة والخبرة والثقافة، التي تنعكس على سلوك الفرد ثم تطفو على سطح المجتمع سمة غالبة تميزه عن غيره من المجتمعات، فيعرف بالصلاح على ما به من قلة فاسدة، أو باللؤم على ما به من قلة كريمة، أو بالشجاعة على قلة من الجبناء فيه. هذا التجاوب الشامل للإنسان مع محيطه تأثيرا وتأثرا نحو الخير والشر، يتعذر التدخل فيه بالتوجيه والتقويم ما لم يعالج بمنهج تربوي شامل ينال كل جوانب الشخصية الإنسانية، ويكون تأثير هذا المنهج أكثر فاعلية ما تناول التجربة في حينها، والفكرة حال بُدوِّها والعاطفة عند اختلاجها والخطأ حين الوقوع فيه. هذه نقطة ضعف المناهج البشرية في محاولاتها توجيه السلوك الإنساني وهي تفتقد شمولية النظرة للإنسان، فتتناقض أهدافها من الاهتمام بأمره وبحث قضاياه، وتختلف أحكامها وأساليبها في تشخيص الداء وفهمه ومعالجته، وهذه أيضا نقطة القوة في المنهج الإسلامي الخاص بالترشيد والتوجيه والتربية وإعادة التربية.

 شرطان لأي تدخل رشيد فعال في السلوك البشري، أن يكون منهجه شاملا، وأن يكون حال وقوع التجربة، توعية بأسبابها ونتائجها وتقويما للخطأ فيها واستخلاصا للعبرة من حصيلتها. وليس لهذين الشرطين من وجود إلا في المنهج القرآني وهو يرعى الأمة الإسلامية الناشئة. تنزل المبادئ العامة والتوجيهات التشريعية أمرا ونهيا وتذكيرا وتحذيرا، فإذا كان خطأ في التطبيق نزل التقويم والتصحيح مباشرة والتجربة في أوج سخونتها لم تغادر الحس والذاكرة.

من ذلك مثلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما استشار صحابته في أسرى بدر من صناديد قريش وعتاتها، وأشار بعضهم بقبول افتدائهم بالمال ورأى آخرون قتلهم، ثم قر رأيهم على تخيير الأسرى بين الفداء والقتل فاختاروا الفداء ولم يقتل منهم أحد، نزل قوله تعالى تخطئة لما قرروه: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ الأنفال 67/68.   

هذا الأسلوب الرشيد في المعالجة القرآنية كانت السنة النبوية تسير على هديه وتترسم خطاه في تصحيح المعرفة والقول والعمل لدى المسلمين، كان صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه أحيانا عن الشيء، حتى إذا أخطؤوا الإجابة دلهم على الصواب، من ذلك ما رواه البيهقي عن رجل من أصحابه صلى الله عليه وسلم يقال له خصفة بن خصفة  قال: " ذكرت حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: ( هل تدرون ما الشديد؟ ) قلنا: الرجل يصرع الرجل، قال: ( إن الشديد كل الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، تدرون ما الرَّقوب؟ ) قلنا: الرجل الذي لا يولد له، قال: ( إن الرَّقوب الرجل الذي له الولد لم يقدم منهم شيئا )[1]، ثم قال: ( تدرون ما الصعلوك؟ )، قلنا: الرجل الذي لا مال له، قال: ( إن الصعلوك كل الصعلوك الذي له المال لم يقدم منه شيئا ).

هذا المنهج الرباني الشامل المتكامل لم يكن ليترك حدثا خطيرا ومَفْصِلا أساسا من مفاصل نشأة الأمة الإسلامية مثل أحداث غزوة أحد، من دون أن يفضح ما شحنت به قلوب المتخلفين من كفر خفي ونفاق دفين، أو يبصر المسلمين بأخطائهم وأسباب ما نالهم بها، أو يهذب ردود أفعالهم لما أصابهم منها، أو يكشف لهم مواطن الضعف في نزعات الأنفس ونزغاتها ومشاعرها تثبيتا للأفئدة على الإيمان، وحماية للعقول من الضلال، وللجوارح من أي تصرف غير رشيد.

لقد عرض الوحي الكريم أولا لكيد الكفار ومكرهم وإضرارهم بالمسلمين، وبين أن العصمة من ذلك بالصبر والتقوى فقال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ آل عمران 120، ثم بين صدق ذلك فذكر بأحداث غزوتي بدر وأحد وتجاربهما في النصر والهزيمة والطاعة والمخالفة والفرح والحزن. وكان أول خطأ ارتكبه المسلمون وأخطره هو مخالفة الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم تحت إغراء الغنيمة التي رأوها في متناول أيديهم، فصُدوا عنها أعنف صد وعوقبوا أشد عقوبة. لذلك كان من الموضوعية والدقة في التعامل مع هذه الظاهرة أن تتلو عمليةَ التذكير عمليةٌ أخرى للتربية والتهذيب واستخلاص العبرة لما يستقبل من أمر الأمة وأجيالها القادمة، وأن تستهدف المعالجة بناجع الدواء موارد الأدواء لا نتائجها، وجرثومة الأسقام لا أعراضها، مبتدئة بأشدها خطورة على المجتمع، وهي نزوع النفس البشرية إلى المال من غير نظر إلى وسائل كسبه، لاسيما وقد حذر القرآن الكريم من ذلك منذ الفترة المكية، قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴾ الهمزة 1/4، وحذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم )، وقال: ( فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم ).  

  وبما أن الغنيمة التي استدرجت الرماة إلى المخالفة كانت مالا يُكتسب بوسيلة محرمة،  فقد أورد الوحي مثالا آخر مشابها لها من العمليات الربوية التي هي في جوهرها مال يُكتسب بطرق محرمة، من أجل تأكيد ارتباط جميع المكاسب بوسائل كسبها إباحة وحظرا، فقال الحق سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾. والربا لغة كما سبق شرحه في قوله تعالى من الآية275 في سورة البقرة : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ من فعل ربا يربو رُبُوّاً ورِباء أي زاد ونما، وأربيته: نميته، والمقصود بآكل الربا هو المُقرِض إذ يزيد على حقه في استخلاص ديونه، والمستقرِض عندما يستدين مالا يؤديه لصاحبه بزيادة عليه، وأُطلِق على المُقرض بخاصة وصفُ المرابي، لتضعيفه المال على غريمه، ولزيادته في قدره كلما مدد أجل الأداء مرة بعد مرة، وهو معنى قوله تعالى:﴿ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾، قال صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله آكل الربا و موكله و شاهديه وكاتبه، هم فيه سواء ).

بهذه الآية الكريمة ربط الحق سبحانه بين مخالفتين هما في جوهرهما مخالفة واحدة لها نتيجة واحدة تؤدي إلى فتنة عامة كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ الأنفال 25، مخالفة الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وإقبالهم على الغنيمة من غير وجه حق، وقد أدت إلى محنة عامة في جيش المسلمين من أصغر جندي فيه إلى قائده الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي جرح وشج وسقطت رباعيته، وطلب المال من غير وجهه بواسطة الربا وهو منذر بحرب شاملة من الله ورسوله، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه ﴾ البقرة 278/ 279.

لقد خاطب القرآن المسلمين في هذه الآية بصفتهم الإيمانية إذ قال تعالى: ﴿ يَآ أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ﴾ إشارة منه إلى أن أكل الربا مما يتنـزه عنه المؤمنون، وأنه من أخلاق الفسقة والكافرين، والمراد من الأكل الأخذ، عبر عنه بالأكل زيادة في التشنيع على المتعاملين بالربا، لأن معظم ما تستهلك فيه الأموال من المتع مأكلا ومشربا ولذة.

والأضعاف في قوله تعالى: ﴿ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾. جمع ضعف وضعف الشيء مثلاه ، وأضعافه أمثاله، وهذا الوصف لمقدار الزيادة الربوية لا لتقييد النهي به، أي ليس للنهي عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته إن لم تكن الزيادة أضعافا مضاعفة، بل القيد لبيان الواقع المتعارف عليه في الجاهلية، والمعمول به في المصارف الربوية المعاصرة التي تزيد الفائدة كلما تأخر المدين عن السداد حتى إذا عجز صودرت ممتلكاته. وإلا فإن الربا محرمة مهما كانت صغيرة أو حقيرة، يبين ذلك قوله تعالى:﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ البقرة 279.

والربا المقصود في هذه الآية هو ما عرف لدى الصحابة والفقهاء بربا النسيئة[2] أو ربا الجاهلية، وقد حرم الله تعالى أصله ومضاعفته وشدد على آكليه العقوبة وحذرهم منه تحذيرا شديدا وقال:﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾ البقرة 275، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:( وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا، ربا عمي العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ).

والنوع الثاني من الربا المحرم هو ربا البيوع، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل، قال صلى الله عليه وسلم:( البُرُّ بالبُرِّ مثلا بمثل يدا بيد، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا يد، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد، والتمر بالتمر مثلا بمثلا يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى )، فإن بيع أي صنف من هذه الأصناف بمثله فلا بد أن يكون البيع بغير زيادة وأن يكون القبض في المجلس، فإن تأخر القبض سمي ربا النَّساء وهو محرم أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تبيعوا منها غائبا بناجز )[3]. وفي هذا الموضوع مباحث واسعة  يرجع إليها في مظانها من كتب الفقه المعتبرة عند الحاجة.

ثم ختمت هذه الآية الكريمة بقوله عز وجل:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وقد جمعت هذه الآية بين أمرين، تخويفٍ ورجاء، أمرٍ باتقاء غضب الله وعذابه في الربا وكل المحرمات الأخرى بقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾، وفتحٍ لباب الرجاء أمام المؤمن التقي بقوله عز وجل: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: كي تفوزوا وتدركوا ما وعد به المتقون، ولا شك أن الخوف والرجاء من مقومات التصور الإيماني السليم، قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ الإسراء 57.

ثم أكد جناحي الخوف والرجاء من عقيدة المؤمن بآيتين أخريين تزيدان تحريم كبيرة الربا وضوحا وتقربان آكليها من الكفر والعصيان، فقال تعالى في الأولى:

﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وهذه الآية إشارة إلى قرب آكلي الربا من حافة الكفر، لورودها في سياق تحريمه والتحذير من التعامل به. قال أبو حنيفة: " هذه أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه باجتناب محارمه"، وقال الزجاج:" المعنى: واتقوا أن تحلوا ما حرم الله فتكفروا".

وقال تعالى لتأكيد الرجاء في الآية الثانية:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ ذُكِرت مع طاعة الله طاعةُ الرسول صلى الله عليه وسلم زيادة في التأكيد والتنبيه إلى أن طاعتَه طاعةٌ لله تعالى، قال عز وجل: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾النساء 80، وقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ﴾ آل عمران 31، كما أن الأمر بالطاعة ورد مطلقا وطريقا وحيدا لتحصيل رحمته ولطفه ورضاه، ليشمل العمل بالكتاب والسنة عقيدة وشريعة وسلوكا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا من جهة، ويشمل ما وردت الآية في سياقه عتابا لمن خالف من الرماة في أحد، ولمن تردد في أمر الربا من المسلمين، كما هو حال عمرو بن ثابت الأصيرم من بني الأشهل، رضي الله عنه، وكان يأبى الإسلام على قومه، لربا له في الجاهلية يرجو أخذها، إلا أن رحمة الله تعالى تداركته يوم أحد فسأل عن سعد بن معاذ ؟ فقيل: بأحد، فقال: أين بنو أخيه ؟ قيل: بأحد، فسأل عن قومه فقيل: بأحد، فبدا له في الإسلام فأسلم، وأخذ سيفه ورمحه ولبس لأمته وركب فرسه وعدا حتى دخل في عرض الناس، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنت. فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فسألوه: ما جاء بك؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبةٌ في الإسلام ؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، وإن مت فأموالي إلى محمد يضعها حيث شاء، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( إنه لمن أهل الجنة ). لذلك حض الله تعالى على المسارعة إلى الإيمان والعمل الصالح بعد التحذير من عاقبة الكفر والعصيان وقال:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿ سَارِعُوا ﴾ دون واو على الاستيناف بيانا أو بدل اشتمال، وقرأ الباقون بالواو عطفا على قوله تعالى قبلها: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾، والآية أمر بالمسارعة إلى التوبة وإخلاص العمل بالكتاب والسنة وبكل ما من شأنه أن يكون سببا للمغفرة ودخول الجنة التي لا تضيق بساكنيها، قال الحق سبحانه: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ﴾ الحديد 21، وقال صلى الله عليه وسلم: ( اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك )[4]، وقال:( بادروا بالأعمال خصالا ستا: إمرة السفهاء وكثرة الشرط وقطيعة الرحم وبيع الحكم واستخفافا بالدم ونشوا[5] يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم )[6].

 وقد ذكر ابن عباس والحسن البصري في تفسيرهما لهذه الآية أن الجنة عرضها السماوات السبع والأرَضون السبع إذا ضم بعضهن إلى بعض مبسوطات، أما ذكر عرضها دون ذكر طولها فللتنبيه إلى اتساعها وشساعتها لأن الطول عادة أطول من العرض،  ويكفينا من معرفتها أنها واسعة لا تضيق بمن كتبها الله لهم وأنها أشد شساعة من السماوات والأرض التي لا يعلم حدودهن إلا الله، وغير خفي على المؤمن أن قدرة الله تعالى على الخلق مطلقة، يخلق السماوات والأرض ويخلق أمثالهن وما هو أكبر وأعظم، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ الذاريات 47، وقال: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ يس 81.

ثم شرع عز وجل في بيان صفات أهل الجنة معالجةً لآثار محنة أحد على مشاعر المسلمين وعلاقاتهم فقال:

﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ هيئت للذين اتقوا الشرك فآمنوا بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وامتثلوا للأوامر والنواهي الشرعية، وجعلوا بينهم وبين محارم الله وقاية وحاجزا، وأعرضوا عن فتن الدنيا ومكاسبها المحرمة، غنائم تُنال بالمعصية وربا بجميع أصنافها.

وأضاف ست صفات أخرى للمتقين الذين أعدت لهم هذه الجنة، أولها:

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ ينفقون في سبيل الله كل حين، حاضرا ومستقبلا من غير انقطاع، في حالات الرخاء والسعة واليسر والسرور، وحالات الضيق والشدة والعسر والحزن، والمنشط والمكره والسقم والعافية، نفقاتهم في السراء حمد وشكر، وفي الضراء تضرع وذكر، لا تبطرهم النعمة فيستغنون بها عن رحمة ربهم، ولا تضجرهم المحنة فينسون حاجة غيرهم. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ البقرة 274. وفي الآية عتاب خفي خفيف لمن طمع من الرماة في غنيمة أحد، ولمن أخر إسلامه الحرص على تحصيل ربا أمواله المودعة عند المشركين، وقد أمروا بالإنفاق فأقبلوا على المكاسب المحرمة.

ثم أورد الصفة الثانية للمتقين فقال عز وجل:   

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ ولفظ " الكاظمين" من أصل: "كظم البابَ" يكظمه كظما إذا أغلقه، وكظم النهر إذا سده، والكَظَم بفتح الكاف والظاء: الحلق، يقال أخذ بكَظَمه أي: بحلقه، ومن المجاز: رجل كظيم ومكظوم أي: مكروب قد أخذ الغم بكَظَمه، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ القلم 48.

أما "الغيظ" فهو أشد الغضب الكامن في الإنسان من كرب يلحقه من غيره، ومنه قوله تعالى في صفة النار إذا رأت الكفار: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ الفرقان12.

إن الغيظ انفعال خُلِق في الإنسان قابلا للتوجيه النافع البناء دفاعا عن الدين والعرض والقيم النبيلة، إلا أنه يكون أحيانا مدمرا لنفس المغتاظ ولغيره إن انعتق من قيد العقل والمروءة والدين، فقد يتحول الغضب إلى غيظ ويتحول الغيظ إلى إحن غائرة في النفس وحقد دفين لا يهدأ إلا بالانتقام والثأر، إلا أن المؤمن التقي حين يكظم غيظه لله ويصفح ويعفو تنطفئ شعلة الشيطان في قلبه فتنجلي عن النفس غشاوة الحقد، وترفرف على المجتمع روح المحبة والألفة والتعاون على البر والتقوى.

 لقد اغتاظ المسلمون كلهم لخيانة عبد الله بن أبي الذي رجع بثلث الجيش، واغتاظوا لما نالهم في أحد، واغتاظوا لمخالفة الرماة التي كانت سبب المحنة، واغتاظ الرماة أنفسهم مما فعلوا، واغتاظ الرسول صلى الله عليه وسلم لكل ذلك ولما وقع من مقتل عمه حمزة والـمُثْلة به، لذلك دعاهم الحق سبحانه بهذه الآية الكريمة إلى إمساك النفس عند اعتراء الغيظ وسَوْرة الغضب، وعدم الركون إلى نوازع الثأر والانتقام، قال صلى الله عليه وسلم: ( ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة )، وقال: ( ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله )، وقالت عائشة رضي الله عنها تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله ).

ثم لم يكتف تعالى منهم بكظم الغيظ بل أمرهم بالعفو عن المسيئين وهي الصفة الثالثة التي ينبغي التحلي بها فقال:

﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ يعفون عن المسيء إليهم في حال القدرة، يُنظرون المعسر، ويصبرون على الجاهل، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ الشورى 37، وقال: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ النحل 126. وهي منزلة من المروءة والخلق الرفيع لا تعلوها إلا الصفة الرابعة، وهي درجة الإحسان إلى المسيء بعد العفو عنه في قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ هكذا تتدرج التربية القرآنية بالمؤمن في معاملته للخلق عطاء وأخذا فعلا وتركا، قضاء واقتضاء وترتقي به من كظم الغيظ إلى العفو إلى الإحسان، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة العليا في هذا المجال، كظم غيظه لما لقيه من مقتل عمه حمزة رضي الله عنه والتمثيل به، وعفا عمن حاربه من مشركي مكة يوم فتحها قائلا: ( لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء )، وعفا عن أبي سفيان وزوجته هند وأحسن إليهما حتى كانت هند تلجأ إليه في الملمات، وطلب منه أبو سفيان أن يستكتب ولده معاوية فاستكتبه، إلى نماذج لا تعد مما ترويه السنة والسيرة في هذا المجال.

إن كل إنسان مهما كانت تقواه وإقباله على ربه قد ينتابه الضعف لغفلة أو نسيان أو جهل فيخطئ ويذنب، قال صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء و خير الخطائين التوابون )، وقال: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم )، إلا أن الفيصل في الأمر هو مدى القدرة على الرجوع عن الذنب والأوبة إلى الصواب، وذلك هو مسبار الإيمان وحكمة التكليف، والذنب إذا أعقبته التوبة النصوح لا يخرج صاحبه من دائرة التقوى بل يرسخه فيها، لأن خوفه من ربه واتقاءه عذاب الآخرة هو ما حمله على التوبة، لذلك عقب عز وجل على صفات المتقين السابقة بصفة خامسة في قوله سبحانه:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾  وأصل الفاحشة لغة من الفحش وهو القبيح من القول والفعل، وكل شيء جاوز حده فهو فاحش، وقد فَحَش الرجل وفَحُش وأفحش إذا صدر منه قول أو فعل شنيع، والفاحشة بهذا الاعتبار كل كبيرة من الآثام والذنوب، أما ظلم النفس المذكور في هذه الآية فيشمل كل تقصير من المرء في حق نفسه، قال صلى الله عليه وسلم: (وإن لنفسك عليك حقا )، وذلك بإهمال تزكيتها وتهذيبها وترويضها على قبول الحق واتباعه والرضا به وتحكيمه في كل أمر، قال تعالى: ﴿  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ النساء 65.

إن المؤمن لا يظلم نفسه ولا يرتكب فاحشة أو كبيرة إلا في حالتي النسيان الذي هو نوع من الجهل، ولذلك جعل الله تعالى علاج ذلك بالذكر والاستغفار وقال:﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾، وذكر الله يكون باستحضار جلاله وقدرته ووعيده وعقابه وما أعده ليوم العرض والحساب، فيؤدي ذلك إلى الندم والتوبة، وإلى الفوز بالمغفرة والرحمة منه عز وجل، قال تعالى:﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الأنعام 54، وقال:﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ الأعراف201. وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له )، ثم قرأ هذه الآية:﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.

 إلا أن الذنوب المرتكبة صنفان: إما كفر أو غير كفر، فالكفر توبته الإيمان عقيدة في القلب وإعلانا باللسان وعملا بالأركان، وغير الكفر منه ما يكفي فيه الذكر والاستغفار، ومنه ما فرض الله فيه قضاء كالصيام والزكاة، أو كفارة كالظهار والحنث، ومنه حقوق للناس لابد أن يؤديها المرء لهم، أو يسألهم العفو عنها، فإن تعذر لقاؤهم تصدق بها عليهم ودعا لهم.

ثم في تعريض واضح بالمشركين والرهبان وضلال الباطنية الذين يلتمسون المغفرة من غير الله أو يجعلون بينهم وبينه واسطة من غير الكتاب والسنة، أردف عز وجل بقوله:

﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ وهو استفهام إنكاري لطلب المغفرة من غير الله، وتسديد لتوجه المذنبين إلى الله وحده يتوبون إليه كلما زلت بهم الأقدام، ويستغفرونه عقب كل ذنب، لأنه تعالى هو القادر على الصفح والعتاب، والمغفرة والعقاب ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ الشورى25.

إلا أن الذكر والاستغفار المَحَّائَيْن للذنب لابد لهما من صفة سادسة تعززهما وتشهد بصدق التوبة والأوبة، وهي الإقلاع وعدم الإصرار على ما ارتكب من آثام، قال تعالى:

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا ﴾ من " الصَّرِّ " وهو الشد، ومنه صَرُّ الدراهم أي: الشد عليها في صرة، والإصرار كل عزم شددت عليه، وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب، وأصر على الشيء إذا لزمه وداومه وثبت عليه ضعفا أو شهوة أو استطابة، فإن كان مع العلم بفساده وإضراره كان عنادا، وهو المبالغة في الإعراض عن الحق ومخالفته، قال الحق سبحانه:﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴾ الواقعة 45/46، وقال:﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾ ق24/ 26. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا ).

إلا أن الإصرار على الذنب لا يعني أنه معاودة ارتكابه سهوا أو غفلة أو نسيانا، فقد يقع المرء   أحيانا في ذنب تاب عنه من غير أن يكون عازما أو مصرا أو معاندا، فتدخل هذه المعاودة ضمن الذنوب التي يمحوها الاستغفار، ما لم تكن تلاعبا بالأحكام الشرعية وتلهيا بها، لذلك قيد التعبير القرآني الإصرار بقوله تعالى:﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: يعلمون أن الفعل محظور، من غير نسيان أو إكراه أو خطأ في التقدير ، قال صلى الله عليه وسلم:( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، أما الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصه: ( ما أصر من استغفر ولو فعله في اليوم سبعين مرة ) فغير صحيح ولا يحتج به.

لقد بين رب العزة تعالى في هذه الآيات أن الناس على أربع طبقات: منهم متقون ومنهم تائبون، ومنهم مصرون على الكفر أو مصرون على  الذنب مع الإيمان، ثم بين عقب ذلك جزاء طبقتي المتقين والتائبين بقوله:﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ وجعله على ثلاثة أصناف: مغفرة منه تعالى، وجنات تجري من تحتها الأنهار، وخلودا فيها سعداء بما أنعم الله به عليهم، قال تعالى:﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ هود 108.

ثم وصف هذا الجزاء بأنه أجر للمتقين والتوابين فقال:  

﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ والأجر في العرف ما يأخذه العامل من صاحب العمل المستفيد منه، إلا أن الصفقة في الدنيا والآخرة بين عبد مأمور وبين إله غني لا يحتاج إلى عمله، ومع ذلك جعل لهذا العبد المطيع عطاء سماه أجرا، إكراما له وتفضلا عليه. وما دام هذا العطاء دائما غير منقطع فهو نعم الأجر ﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ الإسراء 20. إلا أن لهذا الأجر ثمنا في الدنيا هو الإيمان والتقوى والصبر على تكاليفهما، قال صلى الله عليه وسلم: ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني )[7]، وعن شهر بن حوشب قال: " طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ".

ثم انعطفت الآيات الكريمة لحض المسلمين على الاستفادة مما مر بهم من تجارب، وبما مر بالأمم قبلهم من أحداث، كي يتعمق وعيهم بسنن الصراع بين الحق والباطل في التاريخ الإنساني، تمهيدا للعودة إلى أحداث يوم أحد وإتمام استخلاص العبرة منها فقال تعالى:﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾.

 وفعل:"خلا" في اللغة من الخلو، وهو الانفراد، ومنه خلوة الزوج بزوجته، والمكان الخالي هو المنفرد عن أهله، كما يستعمل مجازا لما مضى ولم يبق في الوجود مثلما هو حال الأمم الخالية، والسنن جمع مفرده سنة، وهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع الذي يسير عليه الكون لما قدره تعالى له وسخره من أجله، كما تعني ما كان عليه أمر الأمم السالفة وعاقبة إيمانها أو كفرها، والمعنى أن لله تعالى سننا ثابتة في الكون والاجتماع الإنساني، وصراع الحق والباطل وتداول النصر والهزيمة، تدرك بالعقل استقراء للأحداث وتتبعا لها، فإن كنتم في شك من ذلك فتأملوا أحداث التاريخ ومصائر الأمم قبلكم ليتبين لكم أن الخسران دائما للمكذبين وأن النصر بالتمكين أو الجنة أو بهما معا للمؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ الصافات 171/173.

إن هذه السنن في صراع الحق والباطل، مما عاشه المسلمون في بدر وأحد، وما عاشته الأمم السالفة قبلهم، وما نزل في القرآن الكريم من العظات والأحكام الشرعية والأخبار، كلها بيان وموعظة للناس جميعا، إقامة للحجة على المكذبين، وهداية إلى طريق الحق وسبيل الجنة لمن استنار قلبه بالإيمان فكان من المتقين، لذلك ختم الحق سبحانه هذه الآيات الكريمة بقوله:

﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ إنه بيان قوته من قوة من أصدره وهو الله عز وجل، متكامل تكامل المنهج الإسلامي، تربيته تتوارد على النفس والمجتمع ونظم الحياة الفردية والجماعية، كي يهتدي من اهتدى عن بينة ويضل من ضل عن بينة، ولا تكون لأحد حجة بعده ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ النور 63.


 

[1]  - الرَّقُوبُ في اللغة هو الرجل والمرأَة اللذان لا يعيش لهما ولد، فهما يرصدان وليدهما خوفا عليه ويرقبان موته، فنَقَلَه النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم إِلى الذي لم يُقَدِّم من الولد مجاهدين أو شهداء في سبيل الله.

 [2]  - من أصله اللغوي:"نسأ" الشيءَ ينسؤه وأنسأه أي أخره، ومنه: النسيئة والنسيء والنَّساء.

[3]  - تمام الحديث: ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل و لا تُشِفُّوا – أي لا تفضلوا- بعضها على بعض و لا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل و لا تشفوا بعضها على بعض و لا تبيعوا منها غائبا بناجز) صحيح الألباني.

[4]  -  صحيح الألباني.

[5]  - النشو أي: النشء، جمع ناشئ وهو الشاب، يقال: هؤلاء نشء صدق فإذا طرحت الهمزة قيل: نشو صدق.

[6]  -  صحيح الألباني.

[7]  -  رواه الترمذي وقال حديث حسن.

 

 

                         تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني  ( الحلقة الثامنة

بناء الشخصية الإسلامية المتميزة على ضوء تجربة أحد

   قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)  وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) ﴾

 

جَبَلُ أُحُد مدرسةٌ رائدة لتأهيل أمة التوحيد والخيرية والإمامة وتخريج الشهداء والقادة، ونبع لا يغيض ماؤه ولا يجف رواؤه ولا ينقطع عطاؤه مادام في الأرض مؤمن يدعو، وإيمان يأرز[1] في الأقطار، وجهاد في سبيل الله يسعى به الصادقون، وينافح به الأثبات الأوفياء الصامدون إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة )، وليس عجبا أن يلهج بذكره الرسول صلى الله عليه وسلم كل حين، فهو الحبيب الوفي محضن الأحبة  والشهداء، وهو الذي يخشع للنبوة والشهادة ويحب أهلهما، يقول عنه صلى الله عليه وسلم: ( أحد جبل يحبنا ونحبه )، ويخاطبه إذ رقاه مع أبي بكر وعمر وعثمان فرجف بهم: ( اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان )، ويجعله مقياسا للإنفاق في محضن التصور العقدي السليم فيقول: ( ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ).

إن من الجهل أن يعتقد امرؤ أن ما وقع للمسلمين في جبل يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم كل هذا الحب، خال من تدبير غيبي حكيم فيه من مصلحة الدعوة على المدى القريب والبعيد ما يبقى رصيدا على تعاقب الأجيال، لذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها أخذ الوحي الكريم يتنـزل بما جُهِل من حكمة ما وقع وخلفياته وآثاره في الفرد والمجتمع.

إن أول ما يتبادر إلى ذهن المؤمن من غزوة أحد هو محنتها وما يحتمل أن تَسِمَ به التصرفات من عوامل الغيظ، أو تثيرَه في العلاقات الاجتماعية من إحن وأحقاد تعوق الدعوة الإسلامية الناشئة، مما يقتضي إعادة ترميم للسلوك الاجتماعي، وهو ما أرشدت إليه آيات الدرس السابق. إلا أن النظام الأخلاقي للأمة الإسلامية لا يؤتي ثماره يانعة ناضجة طيبة ما لم يتمَّ بناء شخصيتها النفسية والمعنوية بناء متكاملا صلبا قويا متماسكا، متميزا عن غيره من سائر أنظمة الكفر والضلال، قادرا على حمل العقيدة بقيمها وموازينها وتصورها لعالمي الغيب والشهود، بناء يستمد قوته من قوة الحق الذي يستند إليه، ومنهجه من منهج الحق الموحى به، وتصوره من نور الحق الذي قام به الوجود، وهذا الهدف لا بد لتحقيقه من النفاذ إلى أعماق النفس البشرية لمعالجة أعراض ضعفها وترددها وأسباب وهنها وانهيار منعتها أمام متع الحياة وزينتها، أو عند مواجهة فتن النصر والهزيمة والخوف والطمع والحزن والسرور، ومصائب الموت اعتباطا وقتلا واستشهادا؛ وقد كانت غزوة أحد في هذا المجال ميدانا للبناء النفسي الإيماني المتكامل، لذلك لم تكد الآيات السابقة تستخلص العظة الأخلاقية من الأحداث حتى تلتها آيات بناء الشخصية الإيمانية الفذة، وخاطب رب العزة تعالى عباده المؤمنين بقوله:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } والوهن هو الضعف مطلقا، في الجسد والعمل والرأي، قال تعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ﴾ لقمان 14، أي ضعفا على ضعف، وقال: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْم ﴾ النساء 104، أي في طلبهم، وقال في دعاء زكرياء ربه: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ مريم 4؛ إلا أن المقصود بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾ هو الوهن الذي أصاب المسلمين يوم أحد، فقد استشهد منهم خمسة وسبعون مقاتلا، وأنهكت الجراحات أكثر من لم يقتل فأقعدتهم، وأصيب آخرون بصدمة أذهلتهم عما ينبغي فعله عقب إشاعة مقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، لولا قلة منهم قرروا مواصلة القتال دفاعا عن دينهم على رغم تلك الإشاعة.

أما قوله تعالى عقب ذلك ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ فنَهْيٌ عن الحزن بجميع أسبابه، الحزن على ما فات المسلمين من نصر وغنيمة، والحزن لما أصابهم في المعركة من قتل وجراحة، وحزن الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك كله ولما وقع فيه الرماة من مخالفة، ولما تعرض له عمه حمزة من قتل ومُثلة، حتى إنه قال لما وقف عليه:( لن أُصاب بمثلك أبداً، وما وقفت موقفا قط أغيظ إليَّ من هذا )  وقال:( لئن أظهرني الله على